مؤلفات أدبية تتخطى أسوار المعتقلات الإسرائيلية وتبصر النور داخل مكتبات غزة

 إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

لم يجد الأسرى الفلسطينيون الذين لا يبصرون النور وهم منعزلون عن العالم الخارجي ويقبعون داخل الزنازين الإسرائيلية لسنوات طويلة نتيجة الأحكام العالية، سوى الكلمة والقلم ليوثقوا بصورة إبداعية مشاعرهم وأحاسيسهم من ما يتعرضون له من تعذيب وضغط نفسي، فالواقع المرير يجعلهم يتحدون جبروت السجان بالإبداع. فمن الأسرى من يكمل دراسته الثانوية أو الجامعية، وشريحة أخرى تبدع في كتابة قصص وحكايات تتحدث عن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال في وجه ثقافي نضالي فلسطيني جديد.
في الواقع لم يكن الأسير كاتباً أو روائياً، بل أن الظروف القاسية التي يواجهها جعلته يبحر في مجال كتابة القصص والموسوعات، حيث تمكن عدد كبير من الأسرى داخل السجون من تهريب مؤلفاتهم ليتم تجميعها وتحريرها وطباعتها، بعد أن كتبت هذه الروايات على قصاصات ورقية متفرقة سراً وبعيداً عن أعين السجان، والعمل على تهريبها بطرق عدة أبرزها الكبسولات، في حين يحاول عشرات الأسرى تهريب مؤلفاتهم من داخل السجون.
ويواجه الأسرى معيقات كبيرة جداً في الكتابة حيث صعوبة الحصول على الورق والأقلام وساعات الليل الطويل والمظلمة، وتفتيش إدارة السجون المعتقلات بشكل مفاجئ والتنقلات من سجن إلى آخر، كلها تقيد من حرية الأسير في الكتابة. ويلجأ بعض الأسرى إلى استخدام ورق الكرتون وورق لف البرتقال وورق علب اللبن وورق لف الزبدة لكتابة حكاياتهم عليها بعد منع إدارة السجون إدخال الدفاتر إلى الأسرى.
ومن أبرز الروايات والحكايات التي استطاع عدد من الأسرى تهريبها خارج المعتقلات الإسرائيلية على مدار السنوات الماضية «حكاية صابر، أمير الظل، ستائر العتمة، الرباعية الوطنية، على جناح الدم، تسعون يوماً، الزمرة، البوسطة» وهذه الطاقات الإبداعية هي رد فعل طبيعي ومنطقي على ممارسات القمع خلف القضبان الحديدية، وثق من خلالها الأسرى معاناتهم، معبرين عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير الفلسطيني في ظلمة السجن توقا لنيل الحرية وخيوط الشمس.

ثورة الحجر

رواية «حكاية صابر» هي حكاية الأسير الفلسطيني محمود عيسى، الذي يقبع وراء القضبان منذ عام 1993 والمحكوم بالسجن المؤبد ثلاث مرات، بالإضافة إلى ست وأربعين سنة. أبصرت النور حكايته عام 2012 حيث يعرض الأسير عيسى حكايته في شخصية «صابر» الذي مرت مراحل نموه بانكسار كبير من الميلاد في النكسة وما تلاها من فساد ونهب للثروات والتاريخ والأصالة، وصولاً إلى ثورة الحجر التي أعلن فيها الرفض التام للظلم والظلام. أما «أمير الظل» فهي حكاية الألم التي تجرعها الأسير عبد الله البرغوثي، والتي كتبها في ظلمة العزل الانفرادي وأبصرت النور عام 2012 في 165 صفحة، وامتازت كتابات البرغوثي بأسلوبها البسيط الأقرب إلى المحاكاة الصريحة لكل ما شاهد وعاش بعيداً عن زخرفة الألفاظ والتعابير، كما أنها تمنح القارئ فرصة للتعرف على سير المقاومين الأفذاذ الذين ربطتهم علاقة مباشرة معه. أما «ستائر العتمة « فأخرج تفاصيلها إلى النور الأسير وليد الهودلي من سجنه في عسقلان عام 2001. يحكي الهودلي في روايته عن تجربة التحقيق والاعتقال وظروف السجن، ويستعرض أساليب التعذيب التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون على يد المحققين الإسرائيليين، أملاً في سحب اعترافاتهم بدءاً من غُرف العصافير التي يتم فيها خداع الأسير، وصولاً إلى عمليات الشبح المتواصلة، والتي تتم عبر تقييد الأسير على كرسي لساعات طويلة يكون فيها مربوط اليدين والقدمين إلى الخلف. أما «الرباعية الوطنية» فكتبها الأسير رأفت حمدونة من داخل أقبية سجن نفحة، وأبصرت النور عام 2005 بعد تسريبها سراً. يتحدث حمدونة خلال الحكاية عن المقاومة والحب والحرية بلغة واضحة سليمة ودلالة عميقة، كما تعبر الحكاية عن رسالة أصيلة تتغنى بالثوابت الوطنية، وعبر خلال الرواية عن هموم الشعب الفلسطيني وتضحياته النضالية على مدار سنوات الصراع. حكاية «تسعون يوماً» فهي للأسير شعبان حسونة، أبصرت النور عام 2011 وكان يسرب الأسير كتاباته بعيداً عن أعين السجانين في كبسولات ورقية، كل واحدة منها لا تزيد عن حجم نصف كف اليد، وكانت هذه الرواية السبب في منح كاتبها عضوية اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 2005. فرغم أن الأسر اختلس من عمره 22 عاماً داخل الغرف الرمادية، إلا أنه استطاع أن يلونها بكتاباته التصويرية القائمة على الشفافية والخيال الواسع. يلي هذه المؤلفات حكاية «الزمرة» فهي للأسير عمار الزبن القابع داخل سجن شطة، أبصرت النور حكايته عام 2017 بعد أن نجح في إخراجها من خلف القضبان وطباعتها ونشرها لتضاف إلى إصدارات عديدة أنتجها نقل خلالها صورة حية وواقعية للمعاناة التي يمر بها الأسرى داخل السجون المظلمة والزنازين. حكاية «البوسطة» للأسير عبد الفتاح دولة في سجن النقب الصحراوي، استطاع اخراجها من خلف القضبان عام 2017 واستغرق وقتاً طويلاً في ذلك، حيث يتحدث عن البوسطة وهي حافلة نقل الأسرى من سجن الى آخر أو إلى المحكمة، وتعد من أبرز أساليب إذلال الأسرى، إذ يقضون ساعات على كراسيها الحديدية مقيدين من أقدامهم وأرجلهم، ويتعرضون لضرب شديد لمجرد طلب الماء أو لأسباب أخرى تافهة.

صراع مع الاحتلال

يقول الناقد هاني مصطفى «أدب السجون إبداعات لا حدود لها، يخوض من خلالها الأسرى معركة صراع مع الاحتلال الإسرائيلي. فعلى الرغم من قمع الاحتلال لهم ومحاولة فصلهم عن العالم الخارجي، إلا أن الأسرى أبدعوا في خلق نشاطاتهم الجماعية والفردية، ليضيفوا الحيوية داخل السجون المظلمة».
وأضاف لـ«القدس العربي» أن الطاقات الإبداعية هي تفريغ نفسي من قبل الأسير الفلسطيني، لكن السجان يخشى من مضمون هذه الإبداعات، فبعد سماح إدارة السجون سابقاً بإدخال الأوراق والأقلام نتيجة ضغوط فرضها الأسرى عليهم، سرعان ما أدركت أهمية ما تحقق بالنسبة للأسرى وخطورته على توجهاتها واستراتيجيتها، وانتقلت الإدارة من مرحلة منع القلم والورقة إلى محاربة المادة المكتوبة خشيةً من مضمونها.
وأوضح أن معظم إصدارات الأسرى تركز على الجانب الأدبي ولا يمكن اعتبارها روايات، بل هي أقرب للقصص والحكايات، يحكي الأسرى من خلالها ما يجول بخاطرهم، فبعض هذه الإصدارات طبعت ورأت النور والبعض الآخر لم يخرج من السجن، وغيرها خرجت من السجن ولم تطبع وظلت على الورق نتيجة الجهد الكبير الذي تحتاجه هذه الحكايات للتجميع والتحرير وصولاً إلى الطباعة.
ولفت إلى أن هناك تقصيراً من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية في نشر وتعريف المجتمع بكتابات ومؤلفات هؤلاء الأسرى، عن طريق الندوات أو جلسات الانتقاد أو قراءات أدب السجون أو حلقات إذاعية، فالكتابة من خلف القضبان هي متنفس للأسير، ويجازف بحياته من أجل تهريبها، لذلك الأسير بحاجة إلى دعم معنوي وتقدير لجهوده.
ويقبع داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب من 5800 أسير فلسطيني، حيث يواجه جميع الأسرى ظروفا قاسية خاصة ممن يقبعون داخل الزنازين الانفرادية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية