مؤلف جماعي يتناول “قضايا السرد في الرواية الجديدة”: نموذج الرواية الفرنسية وتحولات التاريخ والفن

 مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

لا شك أن تنوع القضايا التي تناولها كتاب “قضايا السرد في الرواية الجديدة” حول الرواية الفرنسية المعاصرة، يمنح القارئ فرصة مهمة للاطلاع على أبرز وأهم ما قدمته من مميزات عبر أزماتها وحضورها المتألق. بالوقت نفسه، فإن الدراسات التي تضمنها الكتاب والتي كتبت على مراحل مختلفة، تأتي إجابة على سؤال أساسي: “هل ما زالت الرواية الفرنسية حيّة كما عرفت في السابق؟” ونظرا لأهمية السؤال أعاد كامل العامري، الذي تولى ترجمة وتحرير وإعداد ما جاء فيه من دراسات ان يقسمها إلى خمسة فصول: الأول كان بتوقيع الناقد آلان نادو، وفي هذا العرض سنكتفي بهذا الفصل نظرا لشمولية ما يتناوله ازاء الرواية الفرنسية، أمّا بقية فصول الكتاب (الثاني، والثالث، والرابع، والخامس) كان محورها قراءات نقدية لروايات فرنسية كان لها حضورها الفني في تاريخ الرواية الفرنسية. فالفصل الثاني حمل عنوان: “النص في نزاع… قضايا الاحتراب اعتبارا من مدام بوفاري”، والفصل الثالث: “الاستعارة من أولها إلى آخرها…قضايا الاستعارة المنتجة اعتبارا من البحث عن الزمن المفقود”، والفصل الرابع:” سكان المرايا…مشكلات التماثل من خلال نصوص لآلان روب – غرييه” والفصل الخامس: “رواية الدعوة…كلود سيمون”. ولابد من الإشارة إلى ان الفصل الثاني والثالث والرابع قد حمل توقيع جان ريكاردو، أما الفصل الخامس فكان من نصيب المترجم نفسه.

يشير العامري في المقدمة إلى ان خصوصية الرواية الفرنسية قد ارتبطت بأحداث عديدة فأنتجت معطيات أهمها “الرواية التاريخية” ثم “الرواية الجديدة” التي أسهمت في اعطاء فن الكتابة قيمة على يد آلان غروب غرييه وجماعته، حيث نزع إلى التخلي عن الانضواء تحت لواء جماعة أو حركة أدبية معينة، فخلق هذا التوجه نوعا من الغنى الاستثنائي المتحرر من المرجعيات القسرية، حتى ان القارئ لم تعد تدهشه الأسماء، فهو الآن يبحث من أجل الحصول على متعة القراءة من خلال ما تطرحه المطابع من أعمال روائية وبكميات هائلة.

الأزمة النموذجية

الفصل الأول جاء تحت عنوان “الرواية الفرنسية المعاصرة…الأزمة الأنموذجية” ولأجل ان يكون مسار النقد ديناميا وواضحا في تفكيك هذا العنوان، فقد ذهب آلان نادو، في حالة بحث عما آلت إليه الحياة الأدبية وحالة الفكر الذي يتذبذب بين محاولة الصراع ضد ما يشبه الانحلال من جهة وأحيانا الوهن النسبي من جهة أخرى. ولأجل ان يصل إلى تحديد بعض سمات ما هي عليه الرواية الفرنسية، وجد ان لابد من العودة إلى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث ساد مفهوم الأدب الملتزم وسط أجواء انتصار المقاومة الفرنسية على النازية والفاشية، وهنا يستعيد ما قاله جان بول سارتر، بهذا الصدد في خمسينات القرن الماضي: “علماء السلالات يصفون، أما الكُتَّاب فليس بوسعهم ان يصفوا، انهم ينحازون”. ازاء هذا الالتزام السارتري يرى آلان نادو، أن التقاطع مع المفهوم التقليدي للأدب قد برز لدى رولان بارت الذي يشار دائما إلى مسؤوليته في إنتاج نص جديد نابع من الدراسات اللغوية والسيميولوجية التي يقف خلفها فرناندو دوسوسير وكلود ليفي شتراوس، خاصة وان علم الدلالة قد ذهب ليؤكد أن النص الأدبي موضوع مستقل، فيه من التماسك الداخلي ما يمكنه من تجديد هويته بشكل مباشر من خلال بنائه الدلالي. ثم يعرج الكاتب إلى ستينات القرن الماضي متوقفا أمام ما وضعه آلان روب غرييه، من مميزات تتعلق بالرواية الحديثة وبأنها تقع خارج التاريخ والزمان، وفي قطيعة مع النموذج البلزاكي، فبدت منشغلة بقضايا شكلية على وجه الخصوص كما في روايته “المماحي” 1953 و”البصاص” 1955 فكان للرواية الجديدة الفضل على رواية التحليل النفسي بأن تنكر على الراوي معرفته الكلية المفترضة، وأن تلغي إلزامية السياق الخطي للسرد، وجعل المفاهيم نسبية إلى حدود مراكز الشخصيات والمواقف، بالتالي التفكير ثانية بأسلوب البناء العام للرواية، وربما حصل هذا على حساب المعنى حصرا، وبهذا الخصوص يؤشر على روايات آلان روب غرييه، بانها انسلت بسرعة باتجاه مآثر شكلية تستهوي الجامعيين، وكأنها انعكاس للمجتمع ضد أساليبه القديمة.

ثورة الطلاب

في هذا السياق التاريخي لقراءة مسار الرواية الفرنسية يتم التطرق إلى بضعة تواريخ كان لها مميزاتها في إطار التفكيك والنقد، في مقدمة ذلك ثورة الطلاب في أيار/مايو 1968 وما انتجته من مشكلات لها علاقة بالتحديات التي سعت الرواية الفرنسية إلى إثارتها منذ ذلك الحين، وأبرز ما أفرزته تلك المرحلة تأكيد أولوية العمل الأدبي، بالتالي أخذت تحيي ما هو أساس في ممارسة الأدب، كما ان الصراع ضد التمييز التجنيسي بكل أشكاله أفرز اتجاها للرواية المعاصرة يميل إلى خلط الأجناس التي تشتمل على مستويات المعرفة كلها: من جغرافيا ورحلات وتاريخ وآثار قديمة وفلسفة ورياضيات ولاهوت وقصص ومغامرات وتأملات جمالية وعلمية .. الخ. ومن بعد ان يتطرق إلى الأزمة التي أصابت الأدب فإنه يخلص إلى نتيجة تشير إلى انها – أي الأزمة – جعلت الرواية تواجه شبح انهيارها فوجدت نفسها ملزمة في سعيها من أجل التفكير بتدهورها، وان ما تحقق من مكتسبات في السنوات المنصرمة أرغم الأدب ليس فقط على إعادة التفكير من حيث هو ولكن أيضا لإعادة النظر بالمكانة التي يحتلها في المجتمع الذي يتجاهله أو يريد ان يستعيده، وان الأولوية الممنوحة للنص وحده ولاستقلالية الكتابة كما عبر عن ذلك رولان بارت في “الكتابة في درجة الصفر” والان روب غرييه “من أجل رواية جديدة” أخذت تحيي ما هو أساس في ممارسة الأدب وتقربه من الاستجواب الذي يدور حول نفسه.

ان قراءة ذلك المناخ العام المتناقض والخصب بالحقائق أوصلت آلان نادو إلى نتائج محددة، ذلك انه ترك أثرا في ذهنية الكتاب المعاصرين حتى وإن لم يكونوا فيه الشهود والممثلين بشكل مباشر، وترك آثارا واضحة على الأعمال الأدبية نفسها، وكل موقف من هذه المواقف بات ينطوي على تحفظات ازاء الأدب الرسمي والأمجاد المرتبطة به والتي وجدت لها اصولا في مثالين هما: رفض جوليان غراك لجائزة جونكور، ورفض جان بول سارتر لجائزة نوبل. فضلا على ذلك وفي خضم الانحسار الذي تلى تلك السنوات تراجع عدد من الأصوات التي احتفظت بقواها الرمزية الهائلة مثل موريس بلانشو وجوليان غراك ولوي رنيه دي فويت وسيوران وصموئيل بيكت، فقدم الصمت العنيد لهؤلاء، وبشكل متناقض، نقطة استدلال إلى قلب الضجيج السمعي والبصري. ويضيف آلان نادو، ان هذه الوقفة الحيادية بشكل طوعي كان لها ان تثير صدى لصمت آخر أكثر رعبا، فالهستيريا واللامبالاة في سنوات الرخاء، واعتقاد المجتمع في الستينات بالتقدم الاجتماعي ساعد على تأخير الأزمة، فكان ان تطلب الأمر أزمة اقتصادية، فضلا على أزمات أخرى وصدور رواية “ارخبيل غولاغ ” لألكسندر سولجنستين، لكي يكون في ميدان الخيبة الواسع منشطا لوعي هذا الجيل الجديد من الكتاب الذين ولدوا بعد الحرب بعد فضائح هذا العالم التي صدعت المخيلة وعطلت القدرة على الكلام.

انهيار جدار برلين

يشير آلان نادوا، إلى ان انهيار جدار برلين في شتاء 1989 أوقف غموضا مثاليا مشتركا بشأن تغيير العالم والحياة، ليس من خلال المعارضة السياسية فقط، وانما بالوسيلة الأدبية أيضا. لقد ضاعت بعض الأمور في الوقت الذي كان فيه الطموح المتشنج لمجتمع يريد مزيدا من الحرية والمساواة والعدالة فحلت محل ذاك الطموح قراءات ومراجعة فنية. ويضيف في هذا السياق، لما كان اضطراب المفاهيم قد وصل حدا كإشكالية فضلا عن ان أي شيء لم يعد كالسابق، فأنه ينبغي النظر إلى الالتزامات والأهداف الأدبية نظرة عميقة، وكان على الكتاب ان يتخذوا إجراءات صحيحة بشأن ما حدث وإجراء الفرز بين ما هو مبتكر حقا وما هو منحرف إلى حد ما، ومن ثم اختيار ممارسة الكتابة اليومية وإن أمكن ممارسة عدد من التقنيات غير المطروقة في خدمة الرواية ومماثلة مفاهيم مصوغة على عجل أحيانا، ذلك ان من الأهمية بمكان معرفة الحدود وتقويم مدى مشاركة هذه الآفاق الجديدة بدقة متناهية. وفي نهاية المطاف ترجمة كل ذلك ثانية في أشكال روائية غير مقلدة ولكنها تنتمي إليهم حقا لأنها المعبرة عن شخصيتهم.

بضاعة الأدب

ان البحث المتجدد في وضع وممارسة الأدب قد استغرق كثيرا من الوقت بل أكثر من الوقت الذي عاش في هذا الجيل مناهضا للإيعازات والأوامر، هذا ما يخلص إليه آلان نادوا في قراءته، ويضيف ان هذا الانكماش ومن كون المفهوم الأدبي قد أفرغ من جوهره قد أفرز نتاجا ذا انموذج جديد أخذ يتكاثر مدعوما من خلال الارتقاء بقوة سلطة الصحافة والتلفاز، فعدد من الصحافيين وهم يبحثون عن وضع اجتماعي غير محكوم عليه بسمة الزوال، أخذ يحلم بكتابة رواية والقبول بهذه المعرفة وشبكة الاتصال التي لم يكن بوسعهم رفضها. ويؤكد نادو هنا، على ان هذه تشبه الغنغرينا الموروثة من السلف، حيث زادت كثيرا من الأذى الذي طال الكتابة حتى انها ساهمت من جراء انحراف بعض الاصدارات بإلغاء الحدود بين ما هو أدبي وليس أدبيا، وبالتالي خلط الأجناس ووضعها كلها في النهج نفسه، فكان هذا الخليط الذي لا مستقبل له قد تطفل حتى على الرواية التقليدية وانتهى به المطاف إلى اشباع السوق، مدمرا الذوق العام ومخيبا آماله بشكل لا يصدق، موقعا اياها أحيانا في الخطأ وموهما اياه بخليط مما يسمى بالأدب الخالص، ومهشما أكثر الكتاب الحقيقين، وهنا يجد نادوا ان غموض هذا الموقف قد ساعد على ترسيخ مفاهيم وهمية بأن الأدب مادة للتسلية وانه بضاعة كأية بضاعة أخرى.

“قضايا السرد في الرواية الجديدة”

ترجمة وتحرير وتقديم: كامل العامري

دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق 2018

348  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية