وتقول الحكاية انه بعد ألف ليلة وليلة قرر المجرم شهريار العفو عن رقبة شهرزاد ليتزوجها ويعيشا معاً في ثباتٍ ونبات، بينما كان قبلها يقتل صبية كل ليلة لعقدة أصابته، وما إن ينفذ جريمته حتى يشعر بالرضى والراحة.
ورغم تنبه الناس لإجرام شهريار إلا أنهم تناسوا جرائمه لمّا وجدوا ما يأسر توقهم للرومانسية في هذه الليالي.
هي العاطفة مرجوحة أمانينا وأحلامنا تجعلنا ننسى أي أسىً وكلّ معاناة بلحظة دغدغة الحبّ لمشاعرنا. ألف ليلة وليلة من ليالي شهرزاد التي استطاعت بفطنتها وذكائها أن تخلص الشعب آنذاك من تسلط شهريار على نسائهم بالقتل، وأضاءت أيامهم بالفرح.
ألف ليلة وليلة عنوان عريض مرّ على أتون الزمان وانتقلت أخبار أبطاله من بلاد الهند والسند حتى الغرب فأثارت إعجاب العالم تلك المدينة التي جمعت أركان الليالي وضجيجها، فأصبحت بغداد لهفة المسافر الشاعر والأديب والمفكر لعله يلمح في أزقتها ملامح أبطال الليالي.
ألف ليلة وليلة عنوان تكرر عبر الزمان، فكما كان مؤرخاً أدبياً لحدث أبدعته مخيلة كتّابه في عصره وتهافت على قراءته وتحليل شخصياته عشاق الأدب في العالم أجمع، جاء في عصرنا ما يضاهي لياليه ضجيجاً، فإن كانت شهرزاد القامة الثائرة الوحيدة في عصرها آنذاك على المجرم شهريار، فإننا اليوم عبر أحداث الثورة السورية وبعد مضي ألف ليلة وليلة على اشتعالها أرخنا وما زلنا نؤرخ للمستقبل ثورة شعبٍ طلب الحرية وأراد الحياة الكريمة ضد فساد وإجرام من خيّل إليه أنه حكيم زمانه وشهرياره المفدى، وأنه المالك لصندوق الحياة وعلى شعبه أن يملأه بتهاني الطاعة والولاء.
ما أشبه مريض اليوم بمريض الأمس الماضي، فالهدف النرجسي واحد وحب الذات والسلطة والإجرام يبقى ذاته وبنفس الأريحية، سواء قتل في اليوم فردا أم قتل المئات، وسواء استعملت المقصلة أو السيف في بتر الرأس أم استعملت القذائف الصاروخية في هدم البيوت على سكانها للفتك بمالهم وأرواحهم.
وما أشبه الثورة اليوم في مطلبها للحريّة المخنوقة داخل صندوق الاقتراع، التي هي اكسير الحياة للشعب، بشهرزاد التي قدمت ذاتها لتأتي بالحرية لبنات عصرها، غير أنه في ثورتنا التي قامت لتطلق سراح الحرية من قيد نظام جائر، فإنه، حتى الليلة الأولى بعد الألف، مئتا الف شهيد ونيف ماتوا من أجل الصندوق، والشعب ما زال صامداً بمطالبه، والتاريخ يسجلّ وكذا الأدب والشعر والمقال، وسيأتي زمانٌ تلهب نفوس أبنائه رومانتيكية الكثير مما كتب عن يوميات الناس اثناء الثورة لتتفوق على ليالي شهرزاد بجمالها وقدسية هدفها، فتتناسى المشاعر الأحداث الكثيفة الألم والمأساة لتعيش قصة النهاية، الحرية في ظلّ المحبة والتسامح والإخاء، ولتصبح سورية لهفة المسافر الباحث عن الجذوة في وجه هذا الشعب الذي سجل الزمن ثورته أسطورة.
‘ محامية وكاتبة سورية