مات الفنّ/ يحيا الفنّ

 لست من أهل الفلسفة، ولا أملك أسلوبهم ولا لغتهم ومفاهيمهم، في مقاربة العالم وأشيائه وموجوداته؛ إنّما أنا قارئ أحفظ أشياء، وتغيب عنّي أشياء. بل أنا من جيل تعلّم منذ بواكير الطفولة أن يحبّ الكتاب والقراءة والمطالعة في شتّى صنوف المعرفة. على أنّي كلّما قرأت جديدا، اكتشفت جهلي بأشياء غير قليلة. فقد كنت أظنّ أنّ الفيلسوف الألماني الذي عرّفنا به أستاذنا الفرنسي الراحل مسيو سيريس، ونحن تلاميذ في قسم الباكلوريا 1967/ 1968، حيث كنّا ندرس الفلسفة بالفرنسيّة؛ كان قد بشّر بـ”نهاية الفنّ” وربّما استثنى الشعر. وقد استقرّت تلك “المسلّمة” في ذهني، أردّدها كلّما دعا داع؛ لكن دون مراجعة أو تثبّت شأنها شأن مسلّمات غير قليلة نستظهرها وهي من الدعاوي الموهومة أو المتهافتة؛ حتى اكتشفت منذ مدّة غير بعيدة وأنا أقرأ شروحات بالفرنسيّة على فلسفة هيغل، أنّ الأمر ليس كما توهّمت. اكتشفت أنّه كان هناك سجال فكري حيّ بين الفيلسوف الإيطالي بينيديتو ومؤرّخ الفكر برنارد  بوسانكيه، وأنّ لكلّ بداية نهاية، وكلّ نهاية هي بداية لشيء جديد، كما يقول أفلاطون.
حاصل هذا السجال الحيّ الذي تفتقده الثقافة العربيّة اليوم أو تكاد، أنّ تفكيك العمل الفنّي من منظور الرومنطيقيّة “أمّ الفنون الحديثة”، لا يضع حدا لتاريخ الفنّ؛ بل هو على طرف النقيض من ذلك يمثّل بداية حرّيته الحقيقيّة ومصدر استقلاليّته، بعد  حقب طويلة كان الفنّ خلالها مرتهنا للدين؛ في حال أشبه بحال الراهب قبل التثبيت، وما يقتضيه ذلك من تدرّب طويل. وهذا حكم يحتاج إلى فضل إبانة، أو قدر من التفصيل؛ فالفنّ هو دائما عمل ذات، ولكن أيّ ذات؟
الذات تَمثُلُ على أنحاء عدّة، تَمثلُ حدّا فلسفيّا لعلاقة الإنسان بالعالم وبالآخر، وتَمثل كيانا بسيكولوجيّا يميّز فردا أو جماعة، وتَمثلُ هويّة لتخصيص فرد أو جماعة من جهة قانونيّة أو اجتماعيّة أو غير ذلك.
وقد لا نماري في أنّه على رأس هذه الأنحاء يبرز الحدّ الفلسفي الذي يخصّ الذات بقدرة على الوعي تخصيصا، بما يعدّ من أظهر الأمارات الدالّة على تدشين الإنسان لأفق الحداثة. غير أنّه لا يعنيني في هذا المقال أن أقف على وضع الذات في الخطاب الفلسفي في مستوى التاريخ والمعرفة، وإن كنت أحتاج بصفتي قارئا، إلى أن أستأنس بالمستوى الثاني في السعي إلى تبيّن علاقة الذات بمنجزها اللغوي ضمن دائرة الفنّ، بالرغم من أنّ هذه العلاقة ليست منوطة فقط بما تنطوي عليه الذات من قدرة على الوعي، فذاك شأن المنجز اللغوي المفهومي في الفلسفة مثلا، أو حتّى في كثير من فروع العلوم الإنسانيّة بما فيها النقد الفنّي أو النقد الأدبي. إنّما هي علاقة منوطة بذات محمولة على حدّ الوعي، وبتعبير أدقّ على حدّ الإدراك. وعلى كلّ فليس من مشاغلي في السياق الذي أنا به، الذاتُ التي تنهض بتأسيس المفاهيم، وإنّما الذات التي تتولّى فعل الإدراك.
ولا بدّ من الإشارة ها هنا إلى أنّني أصدر عن التمييز بين ثلاثة أنماط من الخطاب، حيث الخطاب الفلسفي معقود على التوسّل بالمفهوم، فيما الخطاب الفنّي معقود على التوسّل بفعل الإدراك، والخطاب الديني معقود على الانفعال أو الوجدان. وفي ضوء هذا التحسّس الأوّلي لمدلول الذات، يمكن أن أقرأ التجربة الفنيّة ضمن سياق تداخلها مع المعرفي باعتبارها سياقا يفضي بها إلى أفق الكونيّة أو هذه البداية. وربما يحسن أن أشير ـ لاجتناب أيّ لبس ـ إلى أنّني أدرج هذا التأويل ضمن السياق الرومنطيقي بوصفه معقودا على حضور مكثّف للذاتيّة.
والذات الرومنطيقيّة إنّما هي ذات انفعاليّة أو وجدانيّة، ولذلك يمكن اعتبار الأدب الرومنطيقي أقرب إلى معنى الديانة. وهذا رأي كنت دفعت به في مقال سابق، ولم أكن أدّعي له الوجاهة، حتى اكتشفت هذا السجال الفلسفي الذي يعزّز ما كنت حدسته قارئا لا غير، وتأكّدت أكثر أنّ الذات في فضاء الفنّ هي ذات إدراكيّة، وأنّ مسألة الذاتيّة تظلّ شرط إمكان المشاركة في كونيّة الفنّ أو هذه المعرفة المذوّبة في خطاب فنيّ التي هي أشبه بالنسغ الطريّ الذي يملأ شرايين العمل.
كان الفنّ للإلهيّ أو السماويّ، وإذا هو مع الحداثة؛ يغدو فنّا من أجل الفنّ حيث مجال الفنّان الحديث هو مجال الإدراك والخيال. ومن ثمّة يكون التخلي طوعا عن التظاهر بالارتقاء إلى الروحانيّة أو التعبير عن المطلق: “يبقى الفن قريبا من نفسه أثناء انحلاله أو حلّه أو تفكّكه، ويتخلّى عن الضيق النسبي، وعن وثبات أصوله؛ ومن خلال تحرير نفسه على الأصحّ من التراث الصارم، تراث الفنّ اليوناني والمسيحي، يتطوّر نحو ما لا يقلّ عن استبصار الحبّ والخيال، لجميع الجوانب التي من المحتمل أن يقوم بها الإنسان أو العالم، من أجل إدراك قلب الإنسان أو عقله”. إنّ مثل هذه القراءة ، كما يردّ كروشه أو هو يعكس الحجّة على صاحبها؛ لا تتوافق حرفيّا ولا معنويّا مع روح “دروس الأستيطيقا”.
إنّ زماننا هو زمان موت الفنّ. والفنّ الذي فعاليّته الحقّ في الإدراك المعقول للمطلق؛ ينبغي أن يتلاشى في الأزمنة الحديثة في الديالكتيك، أي في المعرفة التأمليّة وليس العلم؛ وتحديدا في الموسوعة الفلسفيّة والنسقيّة للعلوم القائمة. ويتمثّل كروشه تعزيزا لتفسيره ووجهة نظره، بأنصار هيغل وخصومه، ويذكر الإيطالي أنجيلو كاميلو دو مايس (1817/ 1891): “في ألمانيا، تقيم الأستطيقا مراسم جنازة الفنّ والشعر؛ فهنريش هاينه الشاعر الرومنطيقي (1797/ 1865) ليس خاتم عصر النهضة فحسب، بل هو خاتم الشعر الألماني. ومن ثمّة لم تعد هناك حاجة إلى الشعر. وعلاوة على ذلك، فإنّ فلسفة ألمانيا الأعظم هي شعرها العظيم، فهو الدين الكوني الجديد والحقيقي”. وفي هذا السياق يذكّر كروشه كيف عرف الفنّ عند هيغل، لحظة الكمال مع الكلاسيكيّة، تلك التي لا يزال أنموذجها الفنّي عصيّا لا يُتجاوز، وخاصّة تماثيل اليونان القديمة؛ وبعيدا عن متناول المعاصرين الذين تؤرّقهم الحاجة إلى تجاوز هذا التصوّر. وهو تصوّر لا يمكن إدراكه إلاّ من خلال حركة المفهوم الديالكتيكيّة الخالصة. ويوضّحّ كروشه بمهارة كيف أنّ انتساخ “احتفال القدّاس” أو بطلانه؛ وهو الذي ظلّ زمنا طويلا تجسيد العقل لروح الجميل، في العالم المحسوس، اضمحلّ مع الحداثة، من جهة التحليل النقدي للأستيطيقا؛ إذ انسحب الفنّان وفسح المجال للمؤرخ وفيلسوف الفنّ؛ ومن جهة “الفكاهة الموضوعيّة” والتهكّم أو تأييد رأي بما يعارضه؛ بقصد السخرية؛ وهما اللذان حرما العقل من استعادة “سذاجة” التعبير الجمالي. وعلى نحو ما يشرحه هيغل في الصفحات الأخيرة من دروسه، وتحديدا في نهاية الفصل المخصّص للشعر الدرامي، فقد فقدنا القدرة على بعث روح المأساة القديمة. وأمّا الكوميديا ​​التي تبرز الوحشة أو الوحدة، فهي ليست أكثر من الذاتيات المحبوسة في اليقين الكلّي، أو هي تعبير مشدود إلى سخرية العقل الحديث.
والكلّيّ عند هيغل كما أفهمه ليس متعاليا بإطلاق عن الواقع ومنقطعا عنه، ومن ثمّة فإنّ استخلاص مفهوم كلّيّ للفنّ أمر ممكن؛ ولكنّ إمكانه يقضي على استمراريّة الفنّ من حيث هو خلق، ذلك أنّ الفنّ ها هنا جهة من جهات الرّوح المطلق هي جهة الجميل تتجلّى في لحظة تاريخيّة معيّنة؛ فإذا انتهت تلك اللّحظة اسْتُخْلِصَ مفهومها. وإذا تمّ استخلاص المفهوم بطلت الجدوى من استمراريّة الفنّ؛ ومن ثمّ قول هيغل المأثور “مات الفنّ وولدت الأستيطيقا”. على أنّ ما يجدر الانتباه إليه أنّ مسألة النّسقيّة ليست ملازمة بالضّرورة لمن ينشدون للفنّ مفهوما كلّيا وإن قسرا؛ وإنّما يمكن الإفادة منها في إعادة ترسّم ملامح فنّ مبتور أو مشوّه لسبب من الأسباب؛ فالتّعاطي مع القصيدة الحديثة مثلا باعتبارها نسقا أو بنية هو الذي ييسّر إجراء “ترميم” القصيدة. والحقّ أنّنا بهذا إنّما نُنوّع على ما قاله هيغل في سياق حديثه عن نسقيّة الفلسفة حيث يؤكّد أنّه: “ينبغي تصوّر الفلسفة مثل دائرة تعود على نفسها أبدا”. فإذا جاز لنا أن ننوّع على قوله هذا قلنا: “ينبغي تصوّر القصيدة مثلا على أنّها دائرة تعود على نفسها أبدا”. ذلك أنّ الشّعر مثلا لا هو بالقديم ولا هو بالجديد، بل لا تاريخ له أبدا. وإنّما نستطيع أن نشير إلى بعض العلاقات انطلاقا من خصائصه السّابقة؛ بما يعني أنّه يفتح ولا يغلق؛ أو هو لولبيّ. واللّولب حتّى وهو يدور كالدّائرة، فإنّه يفتح على اللاّنهائيّ. وفي هذا ما يجعله يعود أدراجه وقد أضاف إليها، وقد يكون هذا الشّكل اللّولبيّ أشبه بدائرة، غير أنّها دائرة تستيقظ أو تنتشر؛ أو هي تموت وتحيا.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية