لندن – “القدس العربي” : من مباراة الى أخرى، يتزايد قلق مشجعي نادي القرن ريال مدريد، على وضع الفريق ومصيره المجهول في نهاية الموسم، بعدما أصبحت جُل المباريات أشبه “بالاختبارات المُعقدة”، هذا في الوقت الذي يسير فيه العدو الأزلي برشلونة بُخطى ثابتة، نحو الاحتفاظ بلقبه المُفضل منذ التسعينات “الليغا”، للمرة الثانية على التوالي والسابعة عشرة منذ عام 1990، مقابل ثمانية ألقاب للميرينغي طوال هذه الفترة!
أليس في الغُرفة رجل رشيد؟
قبل الانتكاسة الأخيرة التي تعرض لها الفرنسي كريم بنزيمة، أشرنا في عدد الأسبوع الماضي إلى حاجة المدرب الأرجنتيني سانتياغو سولاري لرأس حربة رقم (9)، فما بالك عزيزي القارئ بعد إصابة كريم؟ الأمر لا يحتاج تخيل أو كثير من الاستعارات المّكنية! فمن شاهد الشوط الثاني لمباراة ريال بيتيس الأخيرة، رأى الصورة البائسة المُنتظرة للهجوم في قادم المواعيد بدون المهاجم اللطيف بطبعه، بدون إفراط في المبالغة، الريال بدا وكأنه فريق من فرق منتصف الجدول تُعاني الأمرين على ملعب “بينتو فيامارين”، ولولا تألق كيلور نافاس وتوفيق لاعب بيتيس السابق داني سيبايوس في الركلة الحرة المباشرة التي نفذها بنجاح قبل نهاية المباراة بدقيقتين، لتكرر سيناريو الموسم الماضي، حين خرج الريال من دائرة المنافسة على لقب الليغا مع بداية شهر فبراير/شباط، بعد سلسلة من النتائج السلبية، وفي وجود الهداف الأسطوري كريستيانو رونالدو، واستمرار الوضع كما هو عليه، لا يُنذر فقط بتكرار مأساة الموسم الماضي، الذي خرج منه الفريق خالي الوفاض على المستوى المحلي، بل يُعطي مؤشرات لاحتمال حدوث ربما ما هو أسوأ من الموسم الماضي. دعك من مغامرة الاحتفاظ بكأس دوري الأبطال للمرة الرابعة غير المضمونة، في ظل تطور وتحّسن عمالقة الدوريات الكبرى، في الوقت الذي يَعتمد فيه بيريز وسولاري على مشروع شاب، فتتجرأ أندية الليغا على مشروع الريال الشاب، كما فعل إيبار وريال سوسييداد وكذلك بيتيس رغم هزيمته، وآخرون أحرجوا عملاق أوروبا هذا الموسم، يعكس حجم المأساة التي يعيشها الفريق، المأساة التي يراها عالم كرة القدم، إلا رئيس النادي الذي يُحاول إقناع نفسه أن الضربة المزدوجة التي تلقاها من زيدان ورونالدو ليست سبب الأزمة، وأن الأمور ستسير على ما يُرام بالعناصر المتاحة، وهذا في عُرف عالم كرة القدم الحديثة، أقل ما يُقال عنه “مُقامرة” بتاريخ وسمعة النادي، بعد الوصول لقمة المجد الكروي في السنوات الماضية.
زيدان الحكيم
هل تعتقد عزيزي القارئ أن رئيس الريال سيجلب ولو بديل لكريم بنزيمة؟ لا نتحدث عن بديل لأهم مركز يحتاجه الفريق رقم (9)، بالطبع لا. سينتظر على الشاب كريستو المُلقب برونالدو إسبانيا، على أمل أن ينجح في ما عجز الدومينيكي ماريانو دياز على تحقيقه، وكما تظهر مشاكل الفريق في كل مباراة، أيضا مع الوقت تتكشف الحقائق والأسباب التي دفعت زيدان للهروب من السفينة قبل الغرق، بُحكم العلاقة الوطيدة التي تجمعه بكريستيانو، لا يُمكن استبعاد سيناريو أنه كان على علم مُسبق بقرار رحيل هدافه، فضلاً عن معرفته المُسبقة بخطة بيريز التقشفية، الأمر الذي يكون قد عّجل بقرار تخليه عن منصبه، بحجة أنه تعرض لضغوط لا تُصدق على مدار عامين ونصف العام من الناحية الظاهرية، لكن الحقيقة تبدو مختلفة، لأن زيدان الذي تسلم فريقا ببدلاء على نفس مستوى الأساسيين، باستثناء الفارق الوحيد رونالدو، والإشارة إلى الفترة التي كان يجلس خلالها أسماء من نوعية ألفارو موراتا وإيسكو وفاران وخاميس رودريغيز على مقاعد الدكة، كان سينسف كل تاريخه التدريبي إذا قَبل المهمة الانتحارية التي عصفت بجولين لوبيتيغي، ومن غير المُستبعد أبدا، أن يتكرر نفس السيناريو مع سولاري، إذا لم يصمد أمام ضغط المباريات والإصابات المتوقعة في النصف الثاني من الموسم، وهذا في حد ذاته، أشبه بالتحدي الصعب، في ظل افتقاد الريال جزءا كبيرا من شخصيته وهيبته التي رسمها لنفسه في حقبة رونالدو وزيدان، بمعنى أدق صورة الريال المُدجج بالنجوم والأحجار الكريمة، وليس الريال الذي يلعب بتشكيلة قوامها الرئيسي من أبناء الأكاديمية وشباب المُستقبل.
اختلال ميزان القوى
صحيح فينيسوس وفيدريكو يورينتي وريغيون والبقية أظهروا أنهم ثمرة مُبشرة، لكن مشجع النادي الملكي يعرف أكثر من غيره، أن فريقه لا يَحكم أوروبا ولا إسبانيا بهكذا سياسة، فمنذ قديم الأزل اعتاد على رؤية أفضل نجوم العالم بالقميص الأبيض، وهؤلاء النجوم والأساطير هم من جعلوا الميرينغي في كفة وبقية أندية أوروبا، بمن فيها البارسا في كفة، الأسوأ من ذلك، ويُزيد من إحباط مشجعي البلانكو، أن سياسة التقشف التي يتبعها الرئيس، جاءت في أوج وأعظم لحظات الكائن الفضائي غير المُروض ليو ميسي، وسبق بُخل بيريز، حالة من التخبط والعشوائية، تجلت في اختلاف الأفكار والمدارس التدريبية التي تعاقبت على تدريب الفريق في العقد الأخير، على سبيل المثال، عقلية وفكر وثقافة المدرب التشيلي مانويل بيليغريني مُختلفة تماما عن جوزيه مورينيو، الاختلاف يطال كذلك ملك التكتيك كارلو أنشيلوتي، يُضاف إليهم رافا بنيتيز وزيدان ولوبيتيغي وسولاري، وهذا التنوع، ساهم في ظهور الريال بلا هوية ثابتة أو شكل وملامح معروفة في السنوات الأخيرة، عكس المنافس الكتالوني، الذي يُنفذ وصية مؤسسة النهضة الحديثة والاب الروحي لمدرسة “لا ماسيا”، الراحل يوهان كرويف، بتعاقب تلاميذه على سُدّة حُكم “كامب نو”، بداية بفرانك ريكارد في منتصف العقد الماضي نهاية بفالفيردي، الاستثناء الوحيد كان لويس إنريكي، لكنه سطر اسمه في كُتب التاريخ بتحقيق ثلاثية 2015، لذلك لم يفقد العملاق الكتالوني هويته داخل الملعب في أي وقت.
وكما أشرنا، من حُسن حظ البلوغرانا وسوء حظ الريال، أن البرغوث يفعل أشياء لا تُعقل في ملاعب كرة القدم، ليختل ميزان القوى بين العملاقين أكثر من أي وقت مضى، هذا الاختلال يظهر بوضوح في السهولة التي يفوز بها البارسا عندما يكون ليو في يومه، والمعاناة والكفاح والمجهود الخرافي الذي يبذله الفريق المدريدي لتحقيق فوز بشق الأنفس على حساب ريال بيتيس، يظهر الفارق كذلك، في استعراض برشلونة عضلاته على ضيوفه في “كامب نو”، غالبا تنتهي بنتائج عريضة بأقل مجهود، أما مباريات ريال مدريد على ملعبه ووسط جماهيره، وارد أن تنتهي بخسارة مُذلة، كما فعلها ريال سوسييداد قبل أسبوعين وليفانتي في الجولة التاسعة، وعلى أرض الواقع، ما زال الفريق يُعاني من نفس مشاكل هشاشة الدفاع وانعدام رغبة وطموح النجوم الكبار، الذين تشبعوا بأمجد وأعظم البطولات في السنوات الماضية. والجديدة، تفاقم أزمة الثلث الأخير من الملعب بعد إصابة بنزيمة، معادلة صعبة ويتعين على سولاري حلها، سواء تعاقد الرئيس مع مهاجم جديد أو لم يتعاقد، كما هو متوقع، وإلا ستكون النهاية كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ربما أسوأ من كارثة الموسم الماضي بإنهاء الليغا خلف ميسي ورفاقه بـ19 نقطة، هل تعلم عزيزي المدريدي ما معنى هذا؟ المركز الرابع لن يكون في مأمن! والمفارقة المُخيفة… أن فارق النقاط وصل لعشر نقاط مع انتهاء الدور الأول، فهل سيكون القادم أسوأ؟ أم سيكون لسولاري رأي آخر؟ دعونا ننتظر، لكن الشاهد والواقع الملموس لا يدعو للتفاؤل على المستقبل القريب، بل للمستقبل البعيد.
صداع برشلونة الوحيد
على الورق وعلى أرض الواقع، يبدو برشلونة الأوفر حظا للفوز بالدوري الإسباني هذا الموسم، بجانب بطولته المُفضلة الأخرى كأس ملك إسبانيا، لكن هذا ليس الأهم أو الإنجاز المُنتظر، المطلوب إحضار الكأس ذات الأذنين إلى “كامب نو” بأي ثمن، بعد الحرج الشديد الذي سببه الريال لغريمه باحتكار البطولة 3 سنوات على التوالي، و4 مرات في آخر 5 سنوات، وإلى الآن، يبدو وكأن الفريق ليس على أهبة الاستعداد للوصول للنهائي، بطبيعة الحال، ليس بسبب مشاكل الدفاعية، التي أسفرت عن استقبال هذا الكم الهائل من الأهداف في النصف الأول، بل أيضا لعدم ظهور مُعاون أو مُساند حقيقي لليو في الأزمات والأوقات الصعبة، مثل اختبار “الأولمبيكو” العام الماضي، حتى هذه اللحظة، إذا توقف ليو أو اختفى بضع دقائق، تختفي الفعالية الهجومية للفريق، باستثناء ومضات عثمان ديمبيلي من حين لآخر، وكما نعلم، أن تألق السفاح ووصل للشباك، يتوقف في المقام الأول على مد ودعم ميسي، وفي هذا التوقيت من الموسم، يحتاج فالفيردي لرجل قادر على تخفيف الحِمل على النجم الأرجنتيني، حفاظا على لياقته ومجهوده البدني والذهني في ما تبقى من الموسم، أما المبالغة في الاعتماد عليه كحل دائم ووحيد لفك طلاسم دفاعات المنافسين، قد يستنزف طاقته قبل حلول شهر ابريل/ نيسان الحاسم، على غرار ما حدث الموسم الماضي، بمُجرد أن غاب عنه التوفيق في مباراة، انحنى الفريق بالثلاثة أمام روما، وهذا وقت ثاني أغلى لاعب في العالم فيليب كوتينيو، للرد على كل المُشككين في قدراته وإمكانياته، بالكاد هو الوحيد القادر على تعويض ميسي في أسابيع “المداورة” التي سيُطبقها فالفيردي عاجلاً أم آجلاً، وللإنصاف، من الصعب الحُكم عليه بالفشل، على الأقل حتى هذه اللحظة، نظرا للظروف الصعبة التي تعرض لها منذ قدومه من ليفربول في مثل هذه الأيام العام المنقضي، لو عُدنا بالذاكرة لأيامه الأولى مع برشلونة، سنتذكر أنها كانت جيدة نوعا ما، رغم أنه جاء في منتصف الموسم، ولم يحصل على وقته الكافي للتكيف والانسجام مع زملائه الجُدد، إلى هنا كانت أموره تسير على ما يُرام، إلى أن اُبتلي بإصابته في الفخذ، التي عرقلت بدايته الموفقة، وعلى إثرها غاب عن الملاعب 4 أسابيع، غير أنه لم يكن محظوظا بالمشاركة في الأدوار الإقصائية للأبطال، بموجب لوائح اليويفا القديمة، التي كانت تمنع اللاعب من تمثيل فريقين في البطولة في موسم واحد.
منحوس بامتياز
لسوء طالعه، تعرض لإصابته الثانية في توقيت أكثر من سيئ بقليل، أثناء مشاركته في دوري الأبطال ضد الإنتر في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأيضا تسببت في ابتعاده عن الملاعب لأكثر من شهر، في الوقت الذي تفجرت فيه موهبة المشاكس الفرنسي عثمان ديمبيلي، منذ ذلك الحين، أخذت مسيرة كوتينيو مع البلو غرانا، منحنى آخر، فبينما هو يُكافح مع الإصابة اللعينة، يقوم المدرب فالفيردي بتعديل طريقته المُفضلة 4-4-2 المناسبة والملائمة للشاب البرازيلي، لمُخطط 4-3-3، الذي استوعب ديمبيلي وأعطاه حرية الإبداع بالطريقة المُذهلة في المباريات الثماني الأخيرة، والخاسر الأكبر من هذا التّحول كوتينيو، الذي لم يَعد حتى منافسا لديمبيلي في الجهة اليسار، ولا في الوسط لآرثور ميلو وبقية الأسماء الرنانة في الوسط، رغم أنه قبل قدومه، انقسم الجميع على مكانه في تشكيلة فالفيردي، باعتبار البعض رشحه لخلافة نيمار في مكان ديمبيلي الحالي، والبعض الآخر اعتبره الوريث الشرعي للرسام الأسطوري أندريس إنييستا، لكنه الآن أشبه بمن وقف في منتصف السلم، ويحتاج مراجعة حساباته في أسرع وقت، من المُفترض أنه تَخلص من ضغوط سعره الباهظ، وتجاوز لحظاته الصعبة مع لعنة الإصابات، ربما الصورة التي تركها مع ليفربول، جعلته يشعر في بعض الأوقات أن مكانه في تشكيلة برشلونة الأساسية “مضمونا”، أو استهان بمنافسة زملائه الجُدد أو أي شيء من هذا القبيل الذي جعله يظهر بصورة مغايرة تماما عن صورته ومستواه تحت قيادة يورغن كلوب.
واحدة من أهم الأشياء التي يحتاج التخلص منها، الاحتفاظ الزائد بالكرة، والبدء بنفس الطريقة الإيجابية التي قدمها لمشجعي “كامب نو” في الشوط الأول أمام إيبار، كل ما فعله أنه لعب “السهل المُمتع”، لم يتفلسف بمحاولات لإظهار قدرته على المراوغة، فقط لعب من لمسة واحدة وبتمرير طولي إلى الأمام، وليس اللعب العرضي الذي لا قيمة له، وشاهدنا تعاونه المُثمر مع السفاح وديمبيلي في لقطة الهدف الأول، هذا ما يحتاجه فالفيردي في المرحلة القادمة، لاعب مُبدع غير ميسي قادر على بعثرة المنافسين، إن لم يكن لإراحة ليو، فعلى الأقل للقيام بالدور المطلوب منه، والذي جعل ناديه يُنفق أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني لشراء عقده من الريدز، وهو إعطاء إضافة حقيقية للثلث الأخير من الملعب، بتصويباته المقوسة المعروفة عنه، والتمريرات الحاسمة في ظهر المدافعين ومن فوق رؤوسهم، كما كان يُبدع ويبتكر في إهداء ماني وفيرمينو وصلاح التمريرات القاتلة بالنسبة للمدافعين، أما نسخته الباهتة مع برشلونة، فلن تُساعده على الاستمرار طويلاً في جنة “كامب نو”، ولحسن حظه، فرصته للتعبير عن نفسه لإثبات أحقيته في استعادة مكانه في التشكيلة الأساسية، ما زالت قائمة، في ظل ازدحام جدول مباريات الفريق في ما تبقى من الشهر الجاري والمقبل، بخوض مباراة كل 3 أيام تقريبا، ما بين الأدوار الإقصائية لكأس الملك أو الليغا واقتراب الأبطال منتصف الشهر المقبل، هي إذن الفرصة الأخير لزميل صلاح السابق، عليه أن يرفع شعار أكون أو لا أكون، أو ستصدق التوقعات والشائعات التي بدأت تنهش في ظهره، بربط مستقبله بالعودة إلى البريميرليغ، فهل سيواصل الاستفاقة بعد ومضته الأخيرة أمام إيبار؟ أم سيبقى يُمثل لغزا وصداعا في رأس فالفيردي وبرشلونة؟