ماذا سيتغير في كرة القدم بعد نجاة البشرية من كورونا؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:عصف العدو الخفي “كورونا” بجُل سبل الحياة وقلب موازين البشر، وكأن العالم يعيش في خضم الحرب العالمية الثالثة، بعد تصاعد الأحداث بشكل مفزع في آخر أسبوعين على وجه الخصوص، ويظهر ذلك بوضوح في القرارات “الخيالية” التي نسمع عنها ونقرأها في الصحف ووكالات الأنباء العالمية على رأس الساعة، الى درجة أن البعض منا ما زال يحاول استيعاب ما يحدث، والبعض الآخر يعيش في صدمة وكابوس ويحلم بعودة الحياة إلى طبيعتها ولو ليوم واحد، بعد حالة الهلع الأخيرة، التي أسفرت عن حدوث أشياء، ما كنا نصدق أبدا أنها ستغير المسلمات الثابتة على كوكبنا، ومتى؟ في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وأوج لحظات العلم والتكنولوجيا وتطور الطب الحديث!

 

بداية التغيير

عشاق كرة القدم، يعرفون جيدا معنى إطار زمني للمباريات في بلدان كرة القدم الحقيقية، والإشارة إلى دول الدوريات الخمسة الكبرى “البريميرليغ والليغا والسيريا آ والبوندسليغا والليغ1″، حيث يعتبر موعد أي مباراة سواء في الدوري أو الكؤوس المحلية شبه مقدس، والدليل على ذلك، ما حدث مع ليفربول في منتصف ديسمبر/ كانون الأول، حين أجبر على اللعب بفريق الشباب أمام أستون فيلا في مباراة ربع نهائي كأس المحترفين (كاراباو كاب)، ليخسر الشباب بخماسية مذلة، رغم وجود الفريق الأول في العاصمة القطرية الدوحة لارتباطه بتمثيل أوروبا في كأس العالم للأندية، وهذا حدث في مباراة تابعة لأقل بطولة من حيث الأهمية في بلاد الضباب، فما بالك بمباريات السبت والأحد؟ إلا أن هذا الوباء التاجي، نسف هذه المسلمات الثابتة، بل أجبر أعظم المؤسسات الرياضية بما فيهم أشهرهم ناديين في العالم ريال مدريد وبرشلونة على غلق أبوابهما، بعد وصول كورونا لمدينة “فالديبيباس”، مدينة ريال مدريد الرياضية، بإصابة لاعب كرة السلة تومكنز بالفيروس، وغيره من اللاعبين والمدربين في عدد ليس بالقليل من الأندية، منهم 18 حالة في نادي ديبورتيفو ألافيس الإسباني، وهذا الخطر المتزايد كل يوم، هو ما دفع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لاتخاذ واحد من القرارات غير المسبوقة في التاريخ، بإرجاء اليورو للعام القادم، لتكون المرة الأولى التي ستقام فيها البطولة الأهم على مستوى القارة العجوز بعد خمس سنوات، منذ نسختها الأولى في ستينات القرن الماضي، ومع استمرار التفشي المخيف للمرض في كل بقاع الأرض، وبالأخص الدول التي تستثمر بالمليارات في كرة القدم، قد لا يستأنف النشاط مع بداية أبريل/ نيسان المقبل، ومن الواضح كما نتابع عن كثب مؤشر المرض من قبل منظمة الصحة العالمية، أن أعداد الإصابات في ارتفاع غير مطمئن على الإطلاق، وما نتمناه جميعا بحكم الإنسانية، أن تمر هذه المحنة على خير وفي أقرب وقت ممكن، وإلا ستكون العواقب وخيمة بالاستيقاظ يوميا على أنباء مفزعة بمزيد من الخسائر في الأرواح والمصابين، ما سيعقد فكرة استكمال الدوريات الكبرى، أو على أقل تقدير في أفضل الأحوال، ستنتهي هذه الدوريات في موعد مختلف، ربما بعد يونيو/ حزيران، رغم أنها في العادة تنتهي في مايو/ أيار، مع الوضع في الاعتبار، أننا سنعوض فترة الجفاف الحالية، بالاستمتاع بجولتين كل أسبوع، بإقامة المباريات في موعدها يومي السبت والأحد، وفي منتصف الأسبوع تُلعب مباريات الجولة التالية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في غضون شهرين على أقصى تقدير.

 

يحدث للمرة الأولى

أيضا من الأشياء الجديدة التي قد نشاهدها للمرة الأولى هذا الموسم، أن تُقام مباريات مرحلتي ربع ونصف نهائي دوري أبطال أوروبا، إما على ملعب أحد المتأهلين بحسب القرعة أو على أرض محايدة، وذلك بطبيعة الحال، للإسراع في إسدال الستار على هذه النسخة العصيبة، وهذا الأمر في حد ذاته، سيكون له توابع على أشياء بالجملة على المدى البعيد وغير البعيد، منها على سبيل المثال الملف المعقد للاعبين الذين ستنتهي عقودهم مع أنديتهم يوم 30 يونيو/ حزيران، كأوليفييه جيرو وويليان مع تشلسي وزلاتان إبراهيموفيتش مع ميلان وإلخ، هؤلاء بنسبة كبيرة تزيد على 90 % لن يسمح لهم الاتحاد الدولي (فيفا) بمغادرة أنديتهم إذا امتد الموسم ليوليو/ تموز، وسيكون بقرار استثنائي، كما أوردت المصادر المقربة من المؤسسة المسؤولة عن اللعبة الشعبية الأولى في العالم، أن جاني انفانتينو ومجلسه بصدد التصديق على قرار بإلزام اللاعبين بالاستمرار مع فريقهم حتى إطلاق صافرة نهاية الموسم، إلا إذا قضت الظروف بالحل الأسوأ، بإعلان انتهاء الموسم، وكأنه لم يبدأ من الأساس، وهذا ما لا يريده أحد، خصوصا اللاعبون، لكن ما باليد حيلة، حينئذ لن يجبر هؤلاء اللاعبون على البقاء ليوم آخر بعد 30 يونيو/ حزيران، أما ما سيتغير حتما سواء استكمل أو لم يستكمل الموسم، الإطار الزمني للميركاتو الصيفي، نظرا لصعوبة فتح النافذة مع بداية يوليو/ تموز كما هي العادة كل صيف، وبالتبعية ستمتد فترة الغلق، وربما تنتهي في منتصف سبتمبر/ أيلول، ومن المتوقع كذلك، أن يقوم الاتحاد الأوروبي، بمراجعة بنود قانون اليويفا للعب النظيف، ليس فقط للخسائر الفادحة التي تتكبدها الأندية في الوقت الراهن، بل أيضا لصعوبة تطبيق القواعد الصارمة، بإلزام الأندية بعمل موازنة بين حجم الإنفاق والأرباح على مدار ثلاث سنوات، وواقعيا، يمكن القول إن الموسم الجاري، خارج المساءلة القانونية أو على الأقل نصفه الثاني يصعب احتسابه ضمن بند السنوات الثلاث، ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يتطرق لهذا الملف في اجتماع الثلاثاء الماضي، إلا أنه سيطرح على الطاولة بمجرد أن تعود الحياة إلى طبيعتها، ولو بإقامة المباريات وراء أبواب مغلقة.

 

توابع الزلزال

عاجلا أو آجلا، سيظهر تأثير الوباء التاجي على منظومة كرة القدم بأكملها، وستكون البداية بأسعار اللاعبين ورواتبهم، ونفس الأمر ينطبق على المدربين، وقد ظهرت المؤشرات الأولية، بما فعله مدرب المنتخب الألماني يواكيم لوف والمدير التنفيذي أوليفر بيرهوف في هذه المبادرة، بإخبار المسؤولين في اتحاد الكرة برغبتهم في تقليل رواتبهم، تماشيا مع الظرف الصعب التي تمر البشرية عموما وليست ألمانيا بمفردها، وبعد الخسائر المتلاحقة التي تتكبدها الأندية وشركات الرعاية والشبكات التلفزيونية صاحبة الحقوق الحصرية، سيحرم لاعب كرة القدم من رفاهية مساومة ناديه بعروض أخرى، لأن تفاقم الأزمة الاقتصادية سيجبر الأندية على بيع لاعبيها بأسعار أقل من قيمتها السوقية، لإيجاد سيولة نقدية، في ظل توقف كل مصادر دخل الأندية الثابتة، كذلك اللاعب سيجد نفسه مضطرا للخضوع لقاعدة “العرض والطلب”، تلك القاعدة التي كان يستغلها النجوم والأسماء الكبيرة للحصول على رواتب خيالية في سنوات تضخم الأسعار، ربما تنقلب عليهم بداية من أول نافذة انتقالات، ليس هذا فحسب، بل هناك متغير آخر ستتعامل معه الأندية والمؤسسات وتضعه في عين الاعتبار في المستقبل القريب جدا، بإضافة بنود جديدة في العقود لتفادي تكرار كارثة هذا الشهر والشهر المقبل، حيث تعيش الأندية مأساة بالمعنى الحرفي للكلمة في الوقت الراهن، بتحمل رواتب بالملايين للاعبين والموظفين، بخلاف تكاليف العلاج والالتزامات الأخرى الثابتة، وهو ما ستنتبه إليه الأندية في قادم المواعيد حتى لا تضطر لتحمل هكذا مبالغ ضخمة بلا فائدة. فقط لندرك حجم الكارثة التي تعيشها أندية كرة القدم، ناد مثل ريال مدريد، أغلق أبوابه ومكاتبه وحول نشاطه عن بعد، بما في ذلك تدريبات اللاعبين من المنازل، والاكتفاء بالأعمال الهامشية للموظفين عبر الإنترنت، وفي الغالب سيبقى على هذا الوضع لفترة ليست قصيرة، ما سيسفر عن خسائر أقل ما يقال عنها “فادحة”، لن تقل بأي من الأحوال عن ربع مليون يورو، منها 150 مليون يورو من عائد البث التلفزيوني المتجمد مع موت اللعبة إكلينيكيا، والباقي من تذاكر المباريات ومداخيل جولة “البيرنابيو”، التي تجذب ما يزيد على مليون مدريدي وشخص سائح ومشجع، ينعشون الخزينة سنويا بأكثر من 20 مليون من نفس العملة، وبطبيعة الحال الأمر لا يقتصر على نادي الملوك بمفرده، بل على الجميع بدون استثناء، ما سيؤثر بشكل سلبي على طموح الأندية وقوتها الشرائية في الميركاتو الصيفي، بمعنى أن الواقع المرير سيجبرهم على تحديد حجم الإنفاق، وهنا سيقع الضرر الأكبر على أندية الدوري الإنكليزي الممتاز، خاصة بعد إعلان تجميد الحياة في أعرق ملاعب العالم لنهاية أبريل/ نيسان!

لا يخفى على أحد أن أندية البريميرليغ تعول كثيرا على عائد البث التلفزيوني الضخم لتمويل صفقات الصيف، وهذا سبب الطفرة الهائلة على مستوى الإنفاق في السنوات الماضية، والحديث ليس عن الأندية الكبيرة التي تملك ملاعب عملاقة وعلامات تجارية عالمية بحكم الشعبية الطاغية في كل بقاع الأرض، بل عن الأندية المتوسطة والصاعدة من “تشامبيون شب”، هؤلاء اعتادوا على الإنفاق ببذخ في الآونة الأخيرة، كما فعل ولفرهامبتون بضم راؤول خيمينيز من بنفيكا في صفقة تخطت حاجز الـ30 مليون يورو وأمثلة كثيرة تتجلى في الأرقام الثابتة عن إنفاق الأندية الإنكليزية في صيف 2019، بتخطي الأغلبية حاجز الـ100 مليون جنيه إسترليني، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستعود الحياة “الوردية” كما كانت مع عودة الحياة للملاعب؟ لنكون صادقين، دعونا نتفق أن الأمر سيستغرق بعض الوقت، أعاذنا الله وإياكم، وضع كرة القدم الآن لا يختلف كثيرا عن الشخص المصاب بالوباء الملعون، إذ أنه لا يتماثل للشفاء في يوم وليلة، بل يحتاج فترة عزل والخضوع تحت الملاحظة الطبية، وبجانب الصراع مع الألم، يتكبد خسائر مادية ومعنوية بالتوقف عن مصدر دخله شهر وأحيانا أكثر، والأكثر قسوة ابتعاده عن المجتمع، هكذا هي اللعبة الآن، تعاني من صداع وألم “كورونا”، بالشلل الذي يحكم سيطرته على مفاصلها بسرعة سيحكى عنها للأجيال القادمة، وبعد العودة كما أشرنا أعلاه، سيتم ضغط المباريات في مدة زمنية قصيرة، لكن ليس بهذه السهولة، بل بإجراءات احترازية، ستقتل الكثير من جوهر وشغف اللعبة، بخوض المباريات بدون جماهير، أو بأعداد رمزية لاستحالة عودة التجمعات بشكل طبيعي قبل أن يعلن العلم فوزه على كورونا في مباراتهم الجارية حتى هذه اللحظات، ومن يتابع الأحداث على رأس الساعة، يعي جيدا أن الرعب لن يزول قبل حلول أغسطس/ آب المقبل، هذا إن نجح رئيس نادي هوفنهايم ديتمار هوب وفريق علماء معمل “كيري فاك” في الوصول إلى اللقاح المضاد قبل بداية فصل الصيف، كما تعهد في حديثه الذي أثار جدلا الأسبوع الماضي، بسبب تلميحاته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تسريب محاولاته لنقل صفوة العلماء والمتخصصين الألمان إلى بلاد العم سام، ليكون المصل حكرا على الأمريكان وحدهم، وبصرف النظر عن حرب الدول العظمى التي تتسابق لإعلان اكتشاف للقاح قبل الجميع، فهدفنا كبشر الآن “هزيمة هذا المنافس العنيد”، بعد ذلك سيعود كل شيء في الحياة إلى ما كان عليه قبل انتشار الوباء، لكن كما اتفقنا بشكل تدريجي وبتضحيات كثيرة من كل عناصر اللعبة، على رأسهم المشجع، الذي سيتعين عليه تقبل الأوضاع الجديدة التي ستطرأ على لعبته المفضلة ولو لموسم واحد.

 

ماذا سيحدث الموسم المقبل؟

حتى وقت كتابة هذه الكلمات، ما زالت الاقتراحات لم تتوقف، سواء بشأن فرضية نهاية الموسم، بأنباء تتحدث عن إمكانية إلغاء الموسم، وأخرى تؤكد احتمالية استمراره، على أن ينتهي في أي وقت في فصل الصيف، هذا بعد اجتماع اليويفا الذي أسفر عن تأجيل اليورو ليونيو/ حزيران، لكن في كل الأحوال، هناك سيناريوهات أخرى مطروحة بشأن الموسم المقبل، المحتمل أن يبدأ في وقت متأخر، وحدوث ذلك بعد الخروج من الأزمة المالية الطاحنة التي تلوح في الأفق، مع عدم تأهيل اللاعبين بشكل جيد بما فيه الكفاية في معسكر الاستعداد الصيفي، وفي ظروف اقتصادية عالمية ليست مثالية، قد تأتي اقتراحات بالاكتفاء بإقامة دوري من دور واحد، بحيث لا يلعب أي فريق على أرضه مباراتين متتاليتين، بجانب إلغاء مسابقات الكؤوس المحلية، خصوصا إنكلترا، التي ستضطر بنسبة كبيرة للتضحية بواحدة من كأسي المحترفين أو الاتحاد الإنكليزي، وأغلب التوقعات تصب حول اقتراح تعليق كلأس المحترفين العام المقبل، خاصة بعدما فقدت الكثير من الشغف والأهمية، بالتعامل معها على أنها حقل تجارب للشباب الأقل من 21 عاما، وهناك اقتراح آخر بتعليق الكأسين في الموسم المقبل، حفاظا على سلامتهم ولياقتهم في الموسم الصعب الذي سينتهي باليورو بعد تأجيله 12 شهرا، وربما يسير هذا الاقتراح على باقي الدول المتضررة من الفيروس مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، كذلك الاتحاد الأوروبي سيحاول التخفيف قدر المستطاع بتقليل عدد مباريات دوري الأبطال واليوروبا ليغ في الموسم الجديد، على أمل يكتمل الشفاء بنسبة 100 % بعد اليورو، حيث يعود الإطار الزمني “المقدس” للمباريات كما كان قبل الأزمة الحالية، وكذلك تعود الجماهير لملء كل المقاعد في المدرجات، والشبكات التلفزيونية أصحاب الحقوق الحصرية تعود لجني الأرباح من المشاهدات طوال الأسبوع، وبالتبعية يعم الرواج على الجميع، بدلا من الركود الحالي الذي هز عرش إمبراطورية كرة القدم، وكل هذه السيناريوهات ستتوقف على موعد إنهاء غطرسة كورونا.

 

 

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية