سنة ميزتها الاحتجاجات الشعبية المتوجة بالحراك الشعبي، الذي بدأ في الثاني والعشرين من شباط/فبراير. احتجاجات راودها حلم القضاء على زمن الفساد والفاسدين، وانتهاء عهدة بوتفليقة سببت الكثير من المتاعب والقرف للجزائريين، بسبب تعنت المؤسسات وانغماسها في الفساد.
وسيوثق الإعلام المحلي للمرة الأولى الحراك الذي بدأ قويا في تناغم بين الشعب والجيش، الذي جعل العالم يعترف بذلك. وكيف لا والشعار كان الجيش الشعب “خاوة خاوة”.
لم يعد هناك خوف من مدير متسلط أو من غفير يمنعك من الوصول لمكتب المدير. اعتقد الجميع أن الأمور ستعود لنصاب العدل وتساوي الفرص. لكن انقلب السحر على الساحر، ودخلت الشكوك وسط الحراكيين والتخوين والمصالح الشخصية، التي غيرت من مسار الحراك.
سقط شعار “خاوة خاوة وتمرد الأخوة وكثرت الاعتقالات. لم يعد الجزائري يهنأ في العيش الآمن، على كل المستويات كأنه في دوامة مشاكل وآلام غير منتهية. فحصيلة الحوادث المرورية مفجعة، والاقتصاد مريض بالصفقات المشبوهة ودخول رجال المال أرباب الجزائر وأرباب السياسة السجن، والثقافة في احتضار، وزادها الحفل الذي خلف خمس ضحايا دموية .
وحال المواطن واقف هل يفكر في المستقبل أم يعيش اللحظة الآنية وكيف يملأ القفة من السوق. وكل المجالات تشهد غليانا دون نتيجة لحد الساعة.
ضغط الوضع السياسي على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية لم يعد خافيا. كثر التحايل والتزوير والدجل والعنف ضد الأطفال والنساء وعلى الجميع. انتخابات وتعيين رئيس للبلاد بالرغم من الاقبال الضعيف عليها. تعيينات كأنها عشوائية أو كما يراد لها أن تكون. العجب لم يعد يملأ العين. وزمن الثقة غادر الناس ولم يعد الناس يؤمنون بشيء ويأمنون جانب أحد.
تحتاج الجزائر لتوحيد الصفوف فعلا وللتنازل عن الاختلافات الايديولوجية وعن الترفع الجهوي وأن تصمت خطابات التخوين والصاق التهم العشوائية يمينا ويسارا. وهذا هنا دور الإعلام والتلفزيونات المحلية، فخير الأمور أوسطها لنستقبل السنة الجديدة بخير. وكل عام والعالم ينعم بالسلام ويكف الأقوياء بطشهم عن الضعفاء.
أم تعرض أطفالها الستة للكفالة
أغرب مشهد في الجزائر 2019
تناقلت فضائيات جزائرية “دزاير نيوز” و”النهار” قضية السيدة زهرة خليفي من مدينة ورقلة في الجنوب الجزائري، والتي تعرض أبناءها على من يريد التكفل بهم، بسبب الفقر المدقع وتخلي زوجها عن أبنائه الستة ليجدوا أنفسهم في الشارع ودون مأوى!
الزوج المدمن على المخدرات والكحول، والذي كان يعنفها بقسوة، أنقلتها للمستشفى لتلقي العلاج. وبعد تقديم شهادات طبية وتقييم الضرر الذي لحق بها تم تطليقها، لكنها لم تظفر بنفقة أولادها، وبقيت تقتات مما يتكرم به الجيران عليها وأهل الإحسان. بدون مأوى سكنت أشهرا في “ديار الرحمة”، التي تستقبل الطفولة المسعفة والنساء ضحايا العنف.
وفي الأخير تطلب من الوالي أن يمنحها سكنا لتستر أولادها وعملا لتعيلهم وتكفيهم ذل السؤال. عشنا وشفنا. كم تألمنا ونحن نتفرج على فيلم “الكراج” والفنانة نجلاء فتحي وهي تتخلى عن أبنائها. أبكتنا مشاهد السينما فكيف في الواقع. ربما عدم التصديق يذهلنا ولا يبكينا!
موت العقل…الخرافة والقوة
كيف كان رد الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي أمام موت محمد شحرور، المفكر الإسلامي المثير للجدل، وفي اليوم الموالي لوفاة الراقي بلحمر مقتولا بطعنات خنجر. وبعدها مباشرة وفاة قائد الأركان قايد صالح؟
لسنا هنا لنقارن بين مكانة الرجال الثلاثة، وقيمتهم ومكانتهم، بل كبشر يتساوون أمام الموت، وكيف تفاعل الناس معهم؟
اللهم لا شماتة. بالرغم من مسارات الثلاثة، إلا أنّ هناك من تشفى أو لم يرد الترحم عليهم، فهناك من شكك في أسس تفكير الرجل الأول، وهناك من تشفى في موت الثاني، والانتهاء من زمن الخرافة التي روجت لها وسائل الإعلام وأعطتها مكانة أكثر من العقل. ومن رأى في رحيل قائد الأركان انتهاء قبضة اليد الحديدية على الديمقراطية ومشروع الدولة المدنية، التي أصبحت من مطالب الحراك. من “خاوة خاوة” إلى أن تنصل أحد الأخوين من الآخر. الإنسان أضعف المخلوقات يتقوى بالتشفي من الموت، الذي يطاله ولا يستطيع رده. ماذا لو ترك تلك القوة ليزرع أشياء جميلة حوله، ليترك أثرا يخلده فلا تنفع الشتائم والأحقاد ولا تبنى الأمم.
ودائما يكون تشفي المتعلمين والمثقفين أشد شراسة وفتكا باعتباره يفهم البشر وطبائعهم. لكن لا يدركون حجم الاستبداد، الذي في داخلهم، فلقد حولوا فضاءات التواصل الاجتماعي لحلبات صراع غير محمودة العواقب، والتي تؤثر سلبا على المجتمع. وفي الأخير لا يزرعون في تربة لنمو الفكر والتسامح وقوة الحجة. وإنما يتحولون لرقاة يطوعون جان الإعلام والتواصل الاجتماعي لفائدة أفكارهم وسوداويتهم. يغيرون في الرأي العام كما يحلو لهم ويبقى المجتمع متعلقا بحبل خرافتهم وخرافة الرقاة غير الشرعيين.
نوال المحمودي بطلة ميناء سوسة التونسي
صحيح ما يجيبها إلا نسوانها، ينطبق هذا المثل على ما يحدث في تونس وما تناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بشأن القمح المسرطن، الذي كشف عن فساد أكبر وأخطر في ميناء سوسة، والذي فجرته فيديوهات الإعلامية عربية حمادي، والتفاعل الكبير والتضامن مع السيدة نوال المحمودي من طرف التونسيين وغيرهم.
فيديوهات الإعلامية بينت الضغوطات والتهديدات التي تعرضت لها السيدة نوال المحمودي، باعتبارها متفقدة مركز المراقبة الصحية للحدود في ميناء سوسة، وهذا بعد كشفها للعديد من القضايا الكارثية. هذه السيدة، التي لم يتركوا لها فرصة الإدلاء بتصريحاتها في وسائل الإعلام. السيدة التي حاولوا رشوتها ولم يفلحوا. وقاموا بالاعتداء عليها جسديا وحطموا سيارتها. هي التي أنصفتها وسائل التواصل الاجتماعي في هبة تضامنية، فتونس لم تعد تحتمل خسارة الشرفاء.
اكتشفت في عام 2010″ وجود مرض الصفير في المحرس في “عين تشلاية” الناتج عن استهلاك مياه غير صالحة للشرب وانقذت 800 مواطن بمساعدة معتمد المحرس آنذاك.
وغيرها من القضايا وآخرها ما اكتشفته وفضحته هذه السنة المتعلق بقضية أنابيب تحاليل الدم المنتهية الصلاحية في 2017 والتي بقيت تستعمل بالرغم من خطورتها على صحة المرضى، والتي تدلس النتائج الحقيقية وفي نهاية المطاف المواطن من يدفع الثمن وهي حياته ولا يمكن للطب الشرعي اكتشاف سبب الوفاة وهو الأنابيب المنتهية الصلاحية، لكن قد يرجعها لسبب آخر. والنتيجة تنحية المدير الجهوي. وكذلك كشف صفقة الأدوية المنتهية الصلاحية وقيمتها 300 مليون. إلى قضية القمح المسرطن، الذي كشفت كل المستور. حيث رفضت السيدة نوال المحمودي الإمضاء على قبول عملية انزال حمولة القمح المسرطن الآتي من أوكرانيا ورومانيا على متن باخرتين إحداهما بلغارية حاملة 250 ألف طن من أوكرانيا وواحدة حاملة 16 ألف طن من رومانيا. وتصدت لعملية الانزال تلك على أرض تونس بعد أن تأكدت من عدم صلاحية القمح، كما انتبهت إلى أن مياها عفنة كانت تصب من الباخرتين داخل مياه تونس الساحلية. لكن مصالح الصحة والفلاحة أزعجتهم صراحتها وحاولوا إبعادها عن الميناء، وأنزلت الشحنة بعدما وقع على ذلك مسؤول كبير في وزارة الفلاحة. وغادرت الباخرتان الميناء دون حسيب أو رقيب. مخلفة أسباب أمراض وأوبئة. وتوجه القمح الموبوء العفن لشركتين للتوزيع والاستهلاك التونسي ولخزائن وزارة الفلاحة. والتي وزعت قمحا على الفلاحين في منطقة النفيضة مجانا. مما جعل هؤلاء يقومون بوقفة احتجاجية لرفض هذه المعونة المسمومة.
هكذا تحيا البلدان بمواطنيها الشرفاء وبتضحياتهم الجسام. فاستجابت لشكاويها هيئة مكافحة الفساد، التي وقفت لجانبها وأعادتها لمنصب عملها، والتي قررت حمايتها، كما جاء في فيديو عربية حمادي الأخير بشأن تداعيات القضية.
كما تكفلت الهيئة بكل الملفات والقضايا المثارة بداية من جثث الأجانب الذين توفوا في الميناء وهم يحملون أمراضا خطيرة ومحاولة نشرها. كذلك تصريحات رئيس هيئة مكافحة الفساد، الذي تحدث لوسائل الإعلام حول تضارب تصريحات وزراء التجارة والفلاحة والصحة بشأن الشحنة. فبينما يصرح وزير التجارة أن الشحنة أرجعها من حيث أتت. صرح وزير الفلاحة أنه أتلفها أو وجهت لاستهلاك الحيوانات. بينما تنصلت وزيرة الصحة من مسؤوليتها. وهذا ما يؤكد أن الرأي العام والتضامن الكبير مع السيدة الشجاعة أتى أكله ونتائجه وأربك المسؤولين. الملف بين يدي العدالة وللقضاء الكلمة الفيصل.
كما أشعل هاشتاغ “دردرها تصفى”، الذي أطلقه مواطن تونسي مقيم في أمريكا الرأي العام التونسي بشأن صفقة القمح المسرطن وغيرها من ملفات الفساد ووعد بالكشف على ملفات أخرى خطيرة.
كاتبة من الجزائر