ماذا في مشروع أميمة الخليل والكوريغراف بيار جعجع؟

زهرة مرعي
حجم الخط
0

عندما رقص الصم على أنغام «عصفور» وصوت أميمة وحضورها صارا لهم أجنحة

بيروت ـ «القدس العربي»: تجذب حفلات خريجي وطلاب «مدرسة العمل للأمل للموسيقى» جمهوراً كبيراً نظراً للتنوع الفني والغناء التراثي الذي تتضمنه. هذا إلى جانب الحيوية التي يتمتع بها ذلك النشاط المشغول جيداً. قد يكون حفل «إنت والغنية» هو الأول الذي يتمّ إحياؤه في بيروت بعد إعادة إفتتاح المسارح وصالات السينما. حفل تميز بحضور جمهور كبير ضاقت به المقاعد مما ترك كثيرين يتابعونه وقوفاً. قد يكون سبب الحضور الكبير كامناً في عنوان الحفل ومشاركة الفنانة أميمة الخليل، وكذلك حضور الكوريغراف الأصم بيار جعجع، دون إغفال عامل الرغبة الجامحة لدى جيل الشباب بكسر الحجر الناتج عن الجائحة.

برنامج «إنت والغنية» الذي تشاركت فيه أميمة الخليل مع باسل رجوب وفراس شارستان، تضمّن أغنيات من ألحان مرسيل خليفة، وأخرى لسيد درويش، إلى جانب مجموعة من أغنيات التراث السوري والسرياني ونهر الفرات. رحّب الحضور بالمقطوعات جميعها، لكنه تفاعل بحب وتقدير وتشجيع مع أغنية «عصفور» حين أدتها أميمة الخليل بمرافقة لوحة تعبيرية راقصة صممها بيار جعجع وقدّمها مع ثلاثة من زملائه الصم. وفي أدائه بدا جعجع كمدرب للفريق جسداً يتناغم بإحساس بالغ مع كل كلمة تصدر من صوت أميمة الخليل، ومع كل نغمة موسيقية تتسلل إليه عبر المسرح الخشبي، وكذلك الفرقة بكاملها. أميمة والفريق الراقص المعبر بالحركة والإحساس قوبلوا بترحاب كبير مع إلحاح للعودة إلى المسرح مجدداً.
هذا الحفل الناجح إلذي تولت تنظيمه «مدرسة العمل للأمل للموسيقى» أخذنا إلى حوار مع أميمة الخليل وبيار جعجع لنكتشف أننا سنكون قريباً مع مشروع مشترك يجمعهما.
○ ماذا تقول أميمة الخليل في هذا التعاون؟ وكيف ولد حفل «إنت والغنية»؟
• قدمت مع باسل رجوب عازف الساكسوفون وهاني سبليني مشروع «وجد» سنة 2015 لليلتين متتاليتن على مسرح مونو. ومؤخراً تلقيت اتصالاً من باسل الذي يعيش مع عائلته في جنيف ليسألني المشاركة في حفل لمدرسة «العمل للأمل للموسيقى». شجعني على المشاركة كونه يتعاون معهم في ورشات عمل، ولديه فكرة إيجابية عن الطلاب الذين يدربهم. كما أخبرني بوجود فراس شارستان ضمن الحفل. أكدت رغبتي بالمشاركة لأنه ينطلق من إيماني الثابت بأن الفن يبدأ مع الناشئة ومن الجيل الجديد. وعندها يمكننا أن نقول إن الأجيال بدأت مسيرتها على الطريق الصحيح. حضور بيار جعجع تمّ برغبة مني لكوني أعمل معه على مشروع مشترك متكامل. وهو إلى الآن أعدّ رقصتين لأغنيتن. طلبت من بيار المشاركة في الحفل برقصة على انغام أغنية «عصفور» وهي الأشهر من بين أغنياتي. عندها اقترح أن يكون على المسرح بالتعاون مع فريق. وكان له ما أراد، وكان له أيضاً الزمن المطلوب للتمارين التي جرت بحضوري، وفي الوقت نفسه بدأت معه تعلّم لغة الإشارة. فثمة مشاهد سيتم تصويرها وفيها أنفذ لغة الإشارة بالتعاون مع بيار جعجع. إذاً هكذا كان حضور «عصفور» وبيار جعجع في أمسية العمل للأمل.
○ وكيف اخترت أغنياتك لهذا الحفل؟
• كانت الرغبة بمنح القسط الأكبر من زمن الحفل لطلاب مدرسة «العمل للأمل للموسيقى» لتقديم برنامجهم. وفيما خصّ أغنياتي فالخيارات تمّت بالتوافق بيني وبين باسل رجّوب وباسل شارستان ومنسقة الموسيقى في المؤسسة فرح قدور.
○ لأول مرّة ربما نشاهد رقصة تعبيرية للصم على المسرح. ما هو المشروع الذي جمعك مع بيار جعجع وصولاً إلى المسرح؟
• شاهدته للمرّة الأولى يؤدي رقصة على أنغام أغنية «أهدافي» التي كتبها نزار الهندي ولحنها هاني سبليني، بطلب من القائمين على مشروع «أيامي» في الأمم المتحدة. و«أهدافي» أغنية تتناول أهداف التنمية المستدامة الـ17 والتي أطلقتها الأمم المتحدة لمرافقة هذا المشروع حتى سنة 2030. كانت الحاجة ضرورية لمن يقدم لغة الإشارة، وإذ بالقائمين على المشروع يتعرّفون إلى بيار جعجع الأصم المتخصص بالكوريغرافي ويمارسها كراقص ويدرّب آخرين. عندما شاهدته يرقص في الحفل لفتني جداً قبل أن أعرف أنه أصم. شعرت بأن صلته مختلفة بالموسيقى، وقررت التعرّف إليه. وللأمانة أقول بأني اعتقدته أجنبياً، وبالسؤال عرفته جيداً. وكان لقاؤنا الأول في مؤسسة «إيغاب» التي درس فيها والتي تهتم بالصم. في زيارتي لهذه المؤسسة كنت أدرك سلفاً أني سألتقي بيار جعجع، فحملت له هدية أسطوانة «خليني غنيلك» وتعارفنا. رغب بالرقص على إحدى أغنياتي فبحث على يوتيوب فوقع اختياره على «شب وصبية» وصمم لها كوريغرافي ورقصها، وأرسل لي الفيديو عبر الإيميل. في الواقع صعقني أداؤه. بعدها أرسلت له عبر الإيميل رقم هاتفي وتمنيت عليه أن نتواصل. وهذا ما حصل، نحن نتواصل وبصدد بناء مشروع مشترك.
○ وما هو سبيل التواصل بينكما؟
• عبر الكتابة. كما أننا بدأنا معاً رحلة دراسة لغة الإشارة، فبيار جعجع معلمي. ومن ثمار التعاون المشترك سنكون قريباً مع أغنية جديدة وعنوانها «صوتي مش إلك». هذا التعاون الأول أنجزنا منه التصوير والمونتاج، في حين تحتاج الموسيقى لعمل إضافي. والأغنية من كلمات جرمانوس جرمانوس وألحان هاني سبليني، وسجل الغيتار ندى سبليني من ألمانيا، في تعاون هو الأول بيننا.
○ وهل لديك تصور ما لمسار التعاون المستقبلي مع بيار جعجع ككوريغراف؟
• بيار جعجع يمتلك التكنيك ودرس الرقص بهدف الإحتراف. يحفزني الفن الذي ينضح من هذا الشاب والذي يسكنه من أخمص قدميه إلى شعر رأسه، للتعاون معه باندفاع. خاصة وأن بيار يهتم جداً بمجتمع الصمّ، ويعطيه من وقته أكثر مما يعطي للرقص الذي قرر احترافه. يهمه تقديم المساعدة للصم حيث يتمكن. لهذا أعتبره مفتاحاً لهذا المجتمع وأرغب شخصياً بدخوله. ويعنيني جداً إحساس بيار بصوتي كشاب أصم، ولهذا لن أترك الأمر يمر مرور الكرام. أسعى بجهد لتعزيز العلاقة بهذا المجتمع والوصول إلى آخرين إلى جانب بيار جعجع.
○ هل بتّ على دراية كيف يشعر بيار جعجع الموسيقى؟
• أعرف أن بيار متمكن من سماع النغمات وليس الكلام. لديه نسبة ضئيلة من السمع، ويقتني سمّاعات تساعده للمزيد من التواصل مع النغمات عبر إطلاق الصوت إلى حده الأقصى على الـ»بافل». وعندما يتواجد على أرض خشبيبة تصله ذبذبات الصوت عبر جسده، ويشعر الإيقاع، فيما الكلام مكتوب أمامه مما يمكنه من تصميم لوحته. وبالمناسبة أطلقت بالتعاون مع بيار موقعاً.

2021-07-24_01-30-33_854861

بيار جعجع: نحن العصفور الذي يحلم بالحرية

○ ما هي انطباعاتك إثر حفل «إنت والغنية» والرقص إلى جانب الفنّانة أميمة الخليل وهي تؤدي «عصفور»؟
• انطباعاتي عالية بمدى الإحساس مع صوت أميمة مع أشهر أغنياتها التي تحكي عن الحرية. أحسست والفريق أننا هذا العصفور الذي يحلم بالحرية. كنت وهذا الفريق كالعصفور الذي انطلق إلى فضاء لم يكن فيه من قبل. كوننا لأول مرّة كفريق نعبّر أمام جمهور يسمع ويصغي. وأميمة تقول له «ما تخاف وشوف الشمس..» وفريقي عبّر عن هذا المعنى تحديداً بوقوفه أمام جمهور يسمع.
○ هل توقعت كل هذا الترحيب بك وبزملائك الذين توليت تدريبهم بنفسك؟
• أعرف وقع حضوري كمؤد منفرد، لكني لم أتوقع هذا التجاوب الكبير مع فريقي من الصم «عبلا وجومانة الحداد وعلي الأتات». عَمِلنا بجهد وتفاني، وحصلنا على ثمرة مشجعة كي نكمل هذا الطريق الصعب لنا كصم.
○ ماذا تقول لك الموسيقى؟ وهل هي التي أخذتك إلى التخصص بالرقص؟
• في الموسيقى إيقاع يجعل جسدي يرتجف معها، ويحثني على التعبير عن هذا الشعور. كوني أصم اخترت لغة الموسيقى أداة لي لأقول ما أريده للناس الصم، وغير الصم خاصة.
○ ماذا عن مشروعك المشترك مع الفنّانة أميمة الخليل؟
• لأول مرّة أجدني منغمسا وبشكل يومي في مشروع بعدّة أشكال موسيقية واتجاهات تعبيرية مناسبة لها. وأنكبّ على قصائد شعر كانت بعيدة وغير واردة في حساباتي. قرّب تلك القصائد من إحساسي كأصم صوت أميمة. وأصبح أمراً سهلاً أن أفهم وأتكيف مع أشكال موسيقية متعددة وغنية تؤديها أميمة، منها الصاخب ومنها العكس. وأنا هنا أحتار فيما أختار من كل هذا التنوع لأصمم عملي، وأقدمه للجمهور.
○ هل تتمكن من كسب عيشك من خلال تعليم الرقص والكوريغرافي؟
• بالتأكيد لا. لا يكفيني ما أتقاضاه من التعليم، لكني أتدبر أمري بصعوبة بغياب المؤسسات الرسمية التي من واجبها أن تهتم بي وبمجتمع الصم ككل. لن أستسلم، ولن أتوقف أمام الصعوبات التي تواجهني. سأكمل. الفن حليفي ومحركي ومعيني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية