لندن ـ «القدس العربي»: خرج عشاق كرة القدم الحقيقية، بعدد لا بأس به من الدروس المستفادة في الدفعة الأولى لمعارك إياب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا، والتي شهدت مفاجآت تندرج تحت مسمى «مدوية»، والأمر لا يتعلق بالنتائج المغايرة تماما لما حدث في مواجهات ذهاب فبراير / شباط فحسب، بل أيضا في الإثارة وحدة المنافسة داخل المستطيل الأخضر، خاصة من الفرق التي كانت مرشحة للخروج بسهولة أو بفضيحة تاريخية، وفي الأخير حدث العكس على أرض الواقع.
سم الأفاعي
بدأت الإثارة والدروس المستفادة، بالهزة العنيفة التي أحدثها المدرب الإيطالي سيموني إنزاغي وفريقه الإنتر في قلب «آنفيلد»، بتقديم مباراة تكتيكية من أعلى طراز أمام صاحب الأرض ليفربول، ولو نتذكر قبل القمة الإنكليزية – الإيطالية، كانت جُل الترشيحات تصب في مصلحة عملاق البريميرليغ، لعدة أسباب، أبسطها أفضلية التفوق بهدفين نظيفين في ذهاب «جوسيبي مياتزا»، وأيضا الحالة الفنية والنتائج الرائعة التي يحققها يورغن كلوب ورجاله في الأسابيع الماضية، وقبل هذا وذاك، سجل أحمر الميرسيسايد المميز في مبارياته على ملعبه، بتفادي الهزيمة في آخر 29 مباراة أمام الأنصار. في المقابل كان النيراتزوري يدفع ثمن توابع سقوطه في مباراة الذهاب، بسلسلة من النتائج المخيبة لآمال الجماهير، منها التجرع من مرارة الهزيمة أمام ساسوولو بثنائية نظيفة، والتعادل السلبي مع جنوى في الجولة قبل الأخيرة للكالتشيو، وبنفس النتيجة مع غريم المدينة في ذهاب نصف نهائي «كوبا إيطاليا»، فقط استعاد نغمة الانتصارات قبل 3 أيام من رحلة الشمال في إنكلترا، باكتساح ساليرنيتانا بالخمسة، لكن بمجرد أن أطلق الحكم الإسباني ماتيو لاهوز، صافرة ركلة البداية، بدأ يظهر سم فريق الأفاعي، وبالأحرى بصمة ذاك الرجل المنحوس في مواجهاته أمام خصومه المباشرين منذ بداية الموسم، ولاحظنا خبث المدرب في الطلاسم البشرية التي عزل بها ثلاثي الهجوم محمد صلاح وديوغو جوتا وساديو ماني عن الوسط، بتكليف موفق لفيدال وبروزوفيتش بالدخول في العمق، وهذا يفسر انعدام انطلاقات هداف ليفربول وشريكه السنغالي، الاستثناء كان في المشاهد التي تخلى فيها الحظ عن صلاح بارتطام تسديداته من داخل مربع العمليات في القائمين الأيسر والأيمن، ومن حين لآخر، كان يأخذ كيرتس جونز المبادرة، بالاعتماد على سرعته ومهارته في المراوغة، لخلخلة التكتلات في المناطق المفضلة لأصحاب السرعات في الثلث الأخير من الملعب، لكنها لم تشكل أدنى خطورة على مرمى الحارس سمير هاندانوفيتش، خاصة في الشوط الأول، الذي كانت فيه الأفضلية للفريق الإنكليزي على الورق، والدليل على ذلك، أن التهديد الوحيد على حامي عرين الضيوف في أول 45 دقيقة، جاء من الملاذ الآمن لكلوب في المواعيد المعقدة، برأسية الكاميروني جويل ماتيب من ركلة ركنية، وهذا إن دل على شيء، فحتما على القراءة والتحضير الجيدين من قبل شقيق طيب الذكر سوبر بيبو إنزاغي.
اللحظة الفارقة
بعيدا عن فرصتي صلاح، كان واضحا أن الإنتر قرر قلب الطاولة على ليفربول في الشوط الثاني، بالتحرر أكثر من المناطق الدفاعية، وتكثيف عملية الضغط على حامل الكرة في منتصف ملعبه، ونتج عن ذلك، مشاكل بالجملة على دفاع ووسط ليفربول، تجلت في معاناة اللاعبين في عملية إخراج الكرة والتدرج بها بسهولة إلى منتصف الملعب، بسبب الانتشار الجيد والزيادة العددية للاعبي الإنتر في كل مكان في وسط الملعب، بجانب الحالة الفنية والذهنية الغريبة التي كان عليها أكثر من نصف القوام الرئيسي للريدز، مثل ترينت ألكسندر أرنولد، الذي بصم على واحدة من أقل مبارياته هذا الموسم، وبالكاد ظهر بنسخة تحاكي التي كان عليها في أسوأ أوقاته في الموسم الماضي، ووضح ذلك من خلال، الغارات التي شنها أليكسيس سانشيز وبيريشيتش وهاكان أوغلو من جانبه، غير أنه لم يقدم الإضافة المعروفة عنه في النواحي الهجومية، تاركا محمد صلاح يعاني الأمرين مع بروزوفيتش وفيدال والمدافع الثالث الذي يكمل الكماشة أو الحصار الثلاثي مع حامل الكرة من صلاح وماني، هذا في الوقت، الذي تواجد فيه البرتغالي جوتا بجسده فقط، ربما لتأثره بالإصابة التي عانى منها، أو ربما لقوة الحصار المفروض عليه من سكرينيار ودي فري، لكن المحصلة النهائية كانت للنسيان، حتى الظهير الطائر أندي روبرتسون، اصطدام بجدار عازل اسمه دومفريس، عرف كيف يغلق كل الطرق المؤدية إلى مرمى هاندانوفيتش من جانبه، بنفس الكيفية التي أغلق بها بيريشيتش وباستوني الطريق على أرنولد في الجانب الآخر، وهي لحظات النشوة والتفوق التي أحسن الفريق الإيطالي استغلالها، وبطريقة تُدرس من قبل رجل المباراة وهو المدرب سيميوني، وشاهدنا كيف حافظ على هدوء رجاله وبالأخص لاوتارو مارتينيز، بعد إهداره فرصة سهلة في أول 10 دقائق من الشوط الثاني، بتسديدة تفوح منها الرعونة وهو على بعد خطوات من شباك الحارس أليسون، بعدها ركض المدرب نحو اللاعبين وجهازه المعاون، لمنع أي ردة فعل سلبية من شأنها أن تؤثر على تركيز القناص، وكان له ما أراد، باللوحة الإبداعية التي رسمها نفس اللاعب بعد دقائق تعد على أصابع اليد الواحدة، بإطلاق تصويبة تلامس سرعة قذائف مدفعجي التسعينات غابرييل باتيستوتا، معها اختلط الحابل بالنابل في «الآنفيلد»، حيث وصلت معنويات الطليان إلى عنان السماء، والعكس لممثل البريميرليغ، الذي عاش لحظات عصيبة بكل ما تحمله الكلمة، وكاد يدفع ثمن تهاونه بالضيف، لولا سذاجة سانشيز في لحظة تهوره على فابينيو، بدهس قدم الأخير، بدون قصد، في حماس ما بعد هدف لاوتارو، معها قُتل الطموح داخل اللاعبين والمشجعين، على عكس الانتفاضة التي تلت الهدف، ومع مرور الوقت، سارت المباراة في الاتجاه الآمن لكلوب وفريقه، بعدما أجبر مدرب الإنتر على إعادة ترتيب أوراقه في الوسط والدفاع على حساب النواحي الدفاعية، كما فعل في تبديل كوريا بصاحب الهدف، ما عقد المهمة على النيراتزوري، وجعل فكرة هز شباك أليسون للمرة الثانية بعيدة المنال، وهو ما حدث، بانتهاء المباراة بهدف المهاجم الأرجنتيني الوحيد، ليخرج الإنتر مرفوع الرأس بعرض أقل ما يُقال عنه يليق باسم وسمعة حامل لقب جنة كرة القدم، كدرس عملي جديد بأن التوقعات شيء وأحكام وقواعد كرة القدم شيء آخر.
الفرصة والشخصية
في اليوم التالي لمعمعة الأفاعي والريدز، قضى جمهور كرة القدم في كل أرجاء المعمورة، ساعة ونصف الساعة أشبه بالحلم الخاطف في آخر ليالي الشتاء، والحديث عن دراما «سانتياغو بيرنابيو» بين ريال مدريد وباريس سان جيرمان، التي فاقت خيال ملوك الإثارة والتشويق في هوليوود، خاصة بعد البداية المرعبة للفريق الفرنسي الضيف، ونجاحه في أخذ المبادرة قبل نهاية الشوط الأول، معها، اعتقدت الأغلبية الكاسحة، أن فريق الأحلام الباريسي سيضاعف غلته التهديفية، استكمالا لتفوقه الكاسح على فريق المدرب كارلو أنشيلوتي، منذ صافرة بداية ذهاب «حديقة الأمراء»، لكن ما حدث في الشوط الثاني، جاء على عكس التوقعات 180 درجة، بظهور ما يُعرف بشخصية وهيبة النادي الملكي في بطولته المفضلة، منتفضا بقيادة الحكومة كريم بنزيما، كالأسد التي يقاتل حتى آخر قطرة دم دفاعا عن مملكته، بينما الفريق الفرنسي، عاد إلى فصوله الباردة في الأوقات الحرجة في دوري الأبطال، وهي حالة من فقدان التركيز بشكل جماعي، كأن الفريق ضمن بطاقة الترشح، لمجرد أنه متفوق بهدفين نظيفين، ولاحظنا مبالغة اللاعبين في الاعتماد على الحلول الفردية في أول 10 دقائق، بنفس الطريقة التي تعامل بها «بي إس جي» أمام برشلونة في نفس المرحلة الموسم الماضي، الفارق أن الحظ تخلى عن ليونيل ميسي ورفاقه القدامى في 3 أو 4 محاولات مؤكدة، ولم يكن محظوظا بما فيه الكفاية بالهزيمة برباعية نكراء في ذهاب «كامب نو»، بينما الريال، عاد بأقل الخسائر من عاصمة الحب والموضة، بهدف مبابي الوحيد في الوقت المحتسب بدل من الضائع، وكان أكثر حدة وذكاء في استغلال لحظات ضعف الغول الباريسي، لتنقلب من مباراة على الورق «من طرف واحد»، إلى قصة مختلفة عن الأشواط الثلاثة السابقة بينهما، وحدث ذلك بفضل العقلية المتوارثة هناك في مدينة «فالديبيباس»، والتي ترتكز على اللعب بجدية وروح تتماشى مع اسم وتاريخ أعظم وأشهر مؤسسة كروية على وجه الأرض، وتجسدت في قائدهم كريم بنزيما، الذي سحب البساط من تحت أقدام الجميع في المستطيل الأخضر، باعتباره رجل «الريمونتادا» الأول، وصاحب قرار إرباك الحارس جيجي دوناروما، بالتدخل المفاجئ عليه في لقطة الهدف الأول. ومن شاهد المباراة، رأى كيف انقلبت المباراة رأسا على عقب بعد هذا الهدف بالذات، معه تفكك أصدقاء ليونيل ميسي، وكان ذلك، تزامنا مع ظهور التأثير الإيجابي لتدخل ميستر كارليتو، بإقحام البرازيلي رودريغو على حساب ماركو أسينسيو، ورجل الشوط الثاني مناصفة مع بنزيما، اليافع كامافينغا بدلا من الألماني المخضرم توني كروس، لدوره السحري، في تأخير عملية وصول الكرة لنيمار وفيراتي، بضغط في منتهى الشراسة على حامل الكرة منهما، لمنع وصول الكرة بأريحية لمبابي أو ميسي في الثلث الأخير من الملعب، وهذا ما تسبب في انعدام الخطورة على مرمى الحارس تيبو كورتوا طوال الشوط الثاني، أو كما قال أنشيلوتي في حديثه مع الصحافيين بعد المباراة: «كان هناك فريق واحد في المباراة في آخر 20 دقيقة»، في إشارة إلى هيمنة الميرينغي على مجريات الأمور، أو بلغة النقاد وكرة القدم «سيطر على المباراة بالطول والعرض».
علامات استفهام
صحيح يُحسب للعملاق المدريدي إيمانه بحظوظه في الشوط الثاني، لكن هناك تفاصيل أخرى ساهمت في الفوز بهاتريك أبو إبراهيم ردا على هدفي مبابي في الذهاب والإياب، منها القرار الغريب الذي اتخذه المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، بالعودة إلى الوراء لتأمين المناطق الدفاعية مع الاعتماد على الهجمات المعاكسة، تلك الطريقة التي نادرا ما تنجح أمام العمالقة، تماما كما فعلها أمام بايرن ميونيخ في ربع نهائي النسخة الماضية، بالتركيز على نقاط قوة المنافس، بدلا من الاستعراض بالأسلحة الفتاكة التي يمتلكها في تشكيلته، ومن سوء طالعه وطالع النادي الباريسي، أن أكثر من لاعب مؤثر في التشكيلة الأساسية كان في أسوأ حالاته، في مقدمتهم أسد أطلس أشرف حكيمي، الذي تضاعف عليه الحِمل بعد مشاركة كامافينغا على مسافة قريبة من فينيسيوس في الجهة اليسرى، بجانب تحركات بنزيما خلف حكيمي، والأسوأ على الإطلاق، ثنائي الدفاع كيمبيمبي وماركينيوس، كلاهما فقد تركيزه بعد هدف بنزيما الأول، تأكيدا على الانتقادات التي يتعرض لها الفريق الباريسي من حين لآخر، حول نقطة ضعفه الواضحة على مستوى خط الدفاع، لعدم امتلاكه مدافع من الطراز العالمي، حتى بعد ضم سيرخيو راموس، الذي لم يستفد منه النادي، لمعاناته مع لعنة الإصابات منذ قدومه من ريال مدريد، ولأن التاريخ أراد تكرار نفسه، كان حارس المرمى المسؤول الأول عن انقلاب المباراة، مثل بوفون في موسمه الوحيد مع «بي إس جي» ومن سبقه وتبعه، وكان سببا مباشرا في خروج ممثل الليغ1 من البطولة، التي يحلم بها الرئيس ناصر الخليفي منذ وصوله إلى سُدّة الحكم قبل عقد من الزمن، ناهيك عن استمرار لوغاريذم ليونيل ميسي، بظهوره بنسخة توصف بالصينية في الإعلام الجديد، مقارنة بالنسخة المرعبة التي كان عليها مع فريقه السابق برشلونة، هذا ولم نتحدث عن اختفاء القائد نيمار طوال الشوط الثاني، وبالمثل ماركو فيراتي ودانيلو بيريرا وباريديس، مع ذلك لم يُحرك البوش ساكنا لإنقاذ فريقه قبل فوات الأوان، في الوقت الذي استفاق فيه وسط الميرينغي، بترك المهام الدفاعية لفالفيردي وكامافينغا، لينثر الكرواتي لوكا مودريتش سحره وإبداعه، كما أمتع الأعين بتمريريته العبقرية لفينيسيوس جونيور، التي أسفرت في النهاية عن الهدف الثالث، وسبقها بدقيقة واحدة، ضرب الدفاع الباريسي باللمسة التي وضعت بنزيما وجها لوجه مع دوناروما في الهدف الثاني. أما المدرب الأرجنتيني، فتذكر إدريس غايي بعد استقبال الهدف الأول، ولم يتدخل بعد ذلك إلا بعد خراب مالطة، بالدفع بأنخيل دي ماريا وجوليان دراكسلر على حساب بيريرا وحكيمي، لكن الريال كان قد أجهز على المباراة وقبض على نتيجتها بيد من حديد، في رسالة أو درس جديد لعالم كرة القدم، بأن الفوز بدوري الأبطال يحتاج أشياء أخرى لا علاقة لها بسخاء المال والتعاقد مع أفضل اللاعبين، مثل التسلح بالتاريخ والشخصية، وبقليل من الحظ في مشوار الذهاب إلى النهائي، وهي الأشياء المتوافرة في الريال أكثر من أي ناد آخر، باعتباره النادي الأكثر تتويجا بالكأس بـ13 مرة، بفارق 6 ألقاب عن أقرب مطارديه ميلان، ولعل هذا يفسر سر تمسك وإصرار مبابي على الذهاب إلى ريال مدريد.
وفي عالم مواز لهذه الوجبات الكروية الدسمة، كان مانشستر سيتي يُبعد «عين الحسود» عنه، بالاكتفاء بالتعادل السلبي مع سبورتنيغ لشبونة في إياب ملعب «الاتحاد»، بعد الفوز في ذهاب لشبونة بالخمسة، ليكون ثاني الفرق الإنكليزية التي ضمنت مقعدها في دور الثمانية، بعد 24 ساعة من نجاة ليفربول من أفاعي الإنتر، وفي سهرة الثلاثاء، حدث ما كان متوقعا، بمعاقبة بايرن ميونيخ لضيفه ريد بول سالزبورغ، بسباعية نكراء مقابل هدف يتيم، ردا على تجرؤ ممثل شركة مشروبات الطاقة وخروجه بنتيجة التعادل في ذهاب النمسا، في مباراة كان بطلها وعريسها الأول الجلاد روبرت ليفاندوسكي، الذي خرج بثلاثة أهداف (هاتريك) مثل بنزيما، ليزيح مهاجم أياكس سباستيان هالر من صدارة هدافي التشامبيونزليغ بوصوله لهدفه الـ12، بفارق هدف عن الإيفواري وأربعة عن محمد صلاح، بعد تخلي الحظ عنه بطريقة لا تصدق أمام النيراتزوري، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستشهد الجولة الختامية لإياب دور الـ16 مفاجآت خارج التوقعات كما حدث يومي الثلاثاء والأربعاء؟ دعونا ننتظر ومشاهدة ممتعة للجميع.