بايدن متحدثا من فندق "والدورف أستوريا"
القدس- “القدس العربي”:
لم يدر في خلد الفلسطينيين الذي قاموا بنحت جملة “مثلما بنى آباؤنا وفعلوا نبني ونفعل” على الواجهة العلوية الأمامية لمبنى معماري فلسطيني بني عام 1929 أن يصبح مستهل لإقامة الرئيس الأمريكي جو بايدن في القدس في اليوم الثاني لزيارته للمنطقة، حيث عقد فيه سلسلة اجتماعات، من بينها لقاء ثنائي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد.
وفي تفاصيل ما نشر فإن بايدن نزل ضيفا في مبنى يعتبر من أعرق المباني الفلسطينية بمدينة القدس المحتلة، لكن ما يغيب عن تاريخ المبنى هو أنه مبنى المجلس الإسلامي الأعلى، أو ما يسمى اليوم “فندق دالاس” أو فندق “والدورف أستوريا”.
ولن يقدر أحد على معرفة أهمية التوثيق الذي يقوم به الموثق البصري المقدسي طارق بكري، صاحب مبادرة “كنا وما زلنا”، إلا من خلال تجارب نشر دالة وفي الوقت المناسب، بحيث تفعل فعلها الكبير والصادم أحيانا في إنعاش الذاكرة الفلسطينية، وتحديدا في لحظات حاسمة يكشف فيها عن بعض معطيات سرقة الاحتلال لكل مقومات التجربة الحضارية الفلسطينية.
ما نقصده هنا هو النشر الذي قام به الموثق بكري مطلع الأسبوع الحالي على المنصات الاجتماعية، حيث نشر عشرات الصور الغنية بالمعلومات حول الفندق وتاريخ تأسيسه وبالتفصيل الصادم. فما هي حكاية المبنى التاريخي العريق الذي أقام به بايدن في مدينة القدس؟
إلى جانب قمة الرئيس الأمريكي بايدن مع لبيد الذي خصص للحديث الأمريكي: “عن اندماج إسرائيل في المنطقة” والالتزام الأمريكي “بأمن إسرائيل” كان هناك تأكيد إسرائيلي على “بناء تحالف نحتاجه جميعًا في الشرق الأوسط وتحدثنا عن التهديد الإيراني من أجل ضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، إنه أمر مهم للعالم كله، وليس لإسرائيل فقط”. إلى جانب ذلك عقد بايدن قمة أخرى افتراضية مع رؤساء كل من دول الهند والإمارات في ذات الفندق الذي يطلق عليه اليوم اسم فندق “والدورف أستوريا” بعد أن قامت شركة الفنادق العالمية والدورف أستوريا Waldorf-Astoriaبتجديده.
ويشير التاريخ الحقيقي لهذا المبنى، بحسب ما نشره بكري، إلى “مظلمة تاريخية بحق الشعب الفلسطيني”. حيث يعود تاريخ المبنى لما قبل تأسيس ما يسمى بدولة إسرائيل، إذ أنشئ الفندق باسم فندق البالاس Palace.
ويقع الفندق الذي أنشأه المجلس الإسلامي الأعلى، بالقرب من مقبرة مأمن الله غرب مدينة القدس.
وكان صاحب فكرة إنشاء هذا الفندق هو الحاج أمين الحسيني، الذي أراد تشييد المبنى على الطراز المعماري الأندلسي. وقد تميز الفندق بفخامته حتى أنه شبه بقصر الحمراء في غرناطة من قبل البعض.
رغب الحسيني بإنشاء المبنى على الطراز المعماري الأندلسي، مما أعطى المبنى طابعاً مميزاً عرف بفخامته، حيث كلف بالأشراف على عملية البناء المهندس التركي النحاس بك.
وفي عام 1933 تمت مناقشة مقترح لإنشاء جامعة المسجد الأقصى، حيث تبرع المجلس الإسلامي الأعلى بتقديم المبنى ليصبح أحد كليات الجامعة المقترح أن يتم انشاؤها، لكن سرعان ما استولى الانتداب البريطاني عليه ومنع أي تطور فيه.
وبحسب الوثيقة التي نشرها موقع مجلة الدراسات الفلسطينية فإنها تضمنت النظام الأساسي للمؤتمر الإسلامي العام الذي أقره المؤتمر في جلسته العامة الرابعة عشرة المنعقدة يوم الثلاثاء في 6 شعبان 1350 هجرية / 15 كانون الأول / ديسمبر 1931 القدس15 كانون الأول/ ديسمبر 1931 وهو النظام الأساسي للمؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في مدينة القدس أواخر العام 1931 بدعوة من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ومفتي الديار المقدسة، الحاج محمد أمين الحسيني، وحضره شخصيات من العالمين العربي والإسلامي. ومن غايات المؤتمر تعزيز التعاون بين المسلمين وحماية المصالح الإسلامية وصيانة المقدسات، وإنشاء جامعة تسمى “جامعة المسجد الأقصى” في القدس.
لكن الأقدار عاكست نية ورغبة الفلسطينيين، فحمل عام 1936 استيلاء الانتداب البريطاني على المبنى، حيث جرى تحويله إلى مقر حكومي لسلطة الانتداب البريطاني، أما عام 1948 فقد استولى الاحتلال الإسرائيلي على المبنى بحكم القانون الذي يسمح للاحتلال السيطرة على أملاك الغائبين، ومنذ احتلاله من سلطات الاحتلال الاسرائيلية وحتى عام 2003 استعمل المبنى كمقر لوزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية.
ويضم المبنى 200 غرفة، 45 منها تبدو كأجنحة مع حمامات.
وبحسب ما نشره بكري، فإن المبنى كان يضم 3 مصاعد لاستخدام النزلاء في مفارقة تدلل على التطور العمراني الفلسطيني في حينه، إلى جانب مطعم فخم ميز الفندق، وأعطاه مظهرا فخما، بالإضافة إلى وجود تدفئة مركزية اعتبرت في حينها نوع من أنواع الرفاهية.
ولا يزال الفندق يحتفظ حتى أيامنا هذه بالنقش العربي الأصلي على واجهته الأمامية، والذي ينص على العبارة: “مثلما بنى آباؤنا وفعلوا نبني ونفعل. بنى هذا النزل المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين سنة ١٩٢٩”.
وفي سياق متصل طالبت عائلات فلسطينية الولايات المتحدة بإلغاء مخطط بناء مجمع السفارة الأمريكية الجديد في القدس المحتلة.
وقالت العائلات في حديث صحفي إن الأرض التي تم اختيارها لبناء المجمع هي أرض ذات ملكية خاصة لهذه العائلات وتمت مصادرتها بعد النكبة عام 1948.
جاءت هذه المطالبات والتي تعززت أثناء زيارة بادين، مع العلم أن مقر السفارة الأمريكية الحالي يقع في حي “أرنونا” بالقدس، ولكن تم الاتفاق قبل عام ونصف على نقله.
والعائلات التي تمتلك الأرض التي ستقام عليها السفارة الأمريكية هي عائلات: حبيب وقليبو والخالدي والرزاق والخليلي، وقدموا عقود الإيجار التي وقعت بينهم وبين حكومة الانتداب البريطاني قبل عقود.
وكانت الحكومة البريطانية تدفع لهذه العائلات إيجارًا سنويًا مقابل استخدام أرضهم كقاعدة عسكرية، لكن الاحتلال الصهيوني استحوذ على جميع أملاك الفلسطينيين في منطقة غرب القدس عام 1950، بموجب قانون يدعى قانون أملاك الغائبين، وهو قانون يسمح لها بتملك جميع أملاك اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا في النكبة.