ماذا وراء الثمن الذي دفعته إسرائيل في قضية المتسللة إلى سوريا؟

حجم الخط
0

كان رئيس الحكومة نتنياهو سيسرّ لو أُحضرت عظام ايلي كوهين كي تدفن في إسرائيل قبل الانتخابات. فهو على قناعة بأن هذه الخطوة، التي لم تنجح حتى الآن ويرافقها نشر إيماءات كاذبة، كانت ستزيد عدد مقاعده في الكنيست. ومن أجل ذلك، استعان نتنياهو برئيس الموساد، يوسي كوهين، وبالاستخبارات العسكرية وبيارون بلوم، ممثل رئيس الحكومة لشؤون الأسرى والمفقودين.

لكن الشخص الرئيسي هو الرئيس الروسي فلادمير بوتين، فهو الذي يستطيع استخدام رافعة تأثيره، على فرض أن بشار الأسد يعرف مكان بقايا جثة كوهين. ربما يكون هذا هو تفسير موافقة نتنياهو على صفقة التبادل المشكوك فيها مقابل الإسرائيلية د. التي تسللت إلى سوريا (تم تقديم لائحة اتهام ضدها)، والتي خلق إطلاق سراحها سابقتين على الأقل.

هذه هي المرة الأولى التي توافق فيها حكومة إسرائيل على دفع فدية مقابل مواطن اجتاز الحدود بإرادته. في السابق، وافقت على دفع عشرات ملايين الدولارات نقدياً أو عن طريق سلع مثل النفط، من أجل إطلاق سراح الطيار رون أراد. هناك واجب أخلاقي لدفع فدية حتى مقابل جنود تم أسرهم. ولكن لا يوجد مبرر للدفع من أموال دافع الضرائب مقابل مدنيين.

حتى الدول الغربية والعربية، التي دفعت فدية لإطلاق سراح مواطنيها احتجزتهم منظمات جريمة في لبنان وسوريا وأفغانستان وأمريكا الجنوبية، اشترطت ذلك بأن يكونوا قد اختطفوا أو احتجزوا رغماً عنهم ولم يتطوعوا بالعبور إلى الجانب الآخر. تكلفة الفدية مقابل فتاة هي مليون دولار تقريباً، وسيتم دفع هذا المبلغ للشركة الروسية التي تنتج لقاح “سبوتنيك”، الذي سيعطى للجيش السوري وجهاز المخابرات السوري ومقربي نظام الأسد.

السابقة الثانية هي أنها المرة الأولى التي صممت فيها شرطة إسرائيل والنيابة العامة على منع نشر اسم الفتاة. من أجل ذلك، تم إصدار أمر بمنع النشر بمصادقة المحكمة، حتى بعد انتهاء التحقيق. منذ الخمسينيات، نشر دائماً اسم كل إسرائيلي، مدنياً كان أم جندياً، أعيد من السجن أو الأسر في دولة معادية أو كان محتجزاً في أيدي منظمة إرهابية. مثلاً، اجتاز شلومو “مرسكي” بن يهودا في منتصف الخمسينيات الحدود إلى سوريا وأطلق سراحه في صفقة تبادل. في العام 1961 تسلل مردخاي لوك (“الرجل الذي يحمل حقيبة”) بإرادته إلى قطاع غزة. وفي العام 2004 تطوع الحنان تيننباوم بالذهاب إلى صفقة مخدرات في أبو ظبي واختطفه مقاتلو حزب الله ونقل إلى لبنان. وفي مئات الحالات الأخرى أيضاً تم نشر أسماء إسرائيليين اجتازوا الحدود وتسللوا إلى دول معادية.

حالة د. وسابقات من الماضي تثير قضايا مهمة تتحدى حكومات إسرائيل، التي تجد صعوبة في التعامل معها. ما هي حدود مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها؟ هل حكم الجنود أو من كانت أرسلتهم إلى مهمات مثل حكم المدنيين؟ هل يستحق المواطنون الذين خالفوا القانون أن تعمل الدولة على إطلاق سراحهم؟ وإذا عملت، أليس من واجبها معاقبتهم؟ وبدون صلة بمسألة تقديمهم للمحاكمة، هل يجب مطالبتهم بتعويض الدولة عن الأضرار المالية التي تسببوا بها؟ وثمة محاولة من المحاولات الجدية لمناقشة هذه الأمور كانت في العام 2008، عندما أمر وزير الدفاع في حينه، إيهود باراك، بتشكيل لجنة فحص برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق مئير شمغار. كل ذلك في أعقاب انتقاد حاد للجمهور لعدد من صفقات التبادل وعلى رأسها صفقة تننباوم. في هذه الصفقة الفضائحية وافقت حكومة أريئيل شارون على إطلاق سراح نحو 400 إرهابي مقابله ومقابل جثث ثلاثة جنود إسرائيليين. وبعد انتهاء عمل اللجنة في 2012 ناقشت حكومة نتنياهو التقرير، لكنها لم تتبن استنتاجاته.

على الرغم من أن التقرير سري ولم ينشر رسمياً فقد تسربت منه بعض التفاصيل. يتحدث التقرير عن سلم أولويات وعن تناسب. وتفرق اللجنة بين المدنيين والجنود، وتقول إنه يجب التمييز بين أربعة سيناريوهات يتم من خلالها اشتقاق موقف الحكومة والتزامها، حسب ترتيب تنازلي للأهمية: جندي أُسر أثناء نشاط عملياتي، وآخر في أعقاب نشاط إرهابي، واجتاز مواطن إسرائيلي بالخطأ الحدود وتم اعتقاله، واجتاز آخر الحدود بإرادته. الثمن الذي يكون على إسرائيل دفعه يجب أن يكون متناسباً في كل من هذه المجموعات. يجب إطلاق سراح الجندي الأسير أو المخطوف مقابل عدد غير كبير من السجناء وجثث قتلى العدو. جثة الجندي سيتم استعادتها مقابل الإفراج عن جثة عدو أو سجين واحد. من الواضح أنه مقابل إعادة مدنيين، الذين بالتأكيد هم مدنيون اجتازوا الحدود بإرادتهم، الثمن يجب أن يكون أقل.

حكومة شجاعة يجب عليها وضع خطوط حمراء واضحة: من اجتاز الحدود إلى دولة معادية بإرادته، وهو مستقر نفسياً، لا يستحق أن تهبّ الدولة لمساعدته. ولكن عندما تتلكأ الحكومة في قضايا مصيرية مثل أزمة كورونا أو المشروع النووي الإيراني أو المفاوضات مع السلطة الفلسطينية أو الاتفاق مع حماس الذي سيسمح بإعادة جثامين الجنود (والمفقودين المدنيين الذين اجتازوا الحدود بإرادتهم إلى غزة)، فإن توقع محاولة تبني سياسة عقلانية في كل ما يتعلق بالأسرى والمفقودين والمتسللين بإرادتهم، يكاد يقارب الصفر. عندما تُتخذ القرارات حسب نزوة وبدون أي نقاش جذري ومعمق، يبدو أن د. لن تكون المتسللة الأخيرة. والثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل إطلاق سراحها هو سابقة لثمن أعلى بكثير ستضطر إلى دفعه في المستقبل.

بقلميوسي ميلمان

 هآرتس 15/3/2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية