أخيرًا وبعد طول انتظار أوشكت العطلة الصيفية على الانتهاء، لتبعث الحياة من جديد في ملاعب القارة العجوز، بجداول المباريات المزدحمة أسبوعيًا بداية من مساء الجمعة حتى آخر ساعات الأحد، بخلاف الحدث الأعظم، الذي يلهب مشاعر الجماهير قبل اللاعبين، وينتظره عشاق الطرب الكروي كل ثلاثاء وأربعاء، لسماع اللحن الخالد (We Are the Champions)، الذي يعقبه مشاهدة أرقى فنون اللعبة الشعبية الأولى في العالم، هذا ما ننتظره بمجرد أن يُسدل الستار على موسم الشائعات وانتقالات اللاعبين، المعروفة بفترة “الفراغ الصيفي”، التي ملأها وحده المنتخب الجزائري، بتتويجه التاريخي بالكان الفرعوني.
أفشل الكبار
وكما نعرف، فشل جُل الكبار في الدوريات الخمسة الكبرى في تحقيق ولو 50% من أهدافه الموسم الماضي، والبعض منهم كان الموسم الماضي بالنسبة لهم، مجرد عدد، أضيف لسنوات من التعثر، سواء محليًا بالابتعاد عن المنافسة على لقب الدوري والألقاب المحلية عمومًا، أو قاريًا، بالاحتياج أحيانًا إلى معجزة لضمان حجز تأشيرة اللعب في الكأس ذات الأذنين، وآخرون يكتفون بشرف العروض الهوليودية في دور المجموعات، وعندما يحين وقت الجد في برد فبراير القارص، مع الأدوار الإقصائية، يكونون عادةً أول المغادرين من الباب الصغير، إما لآفة الغرور والثقة الزائدة، أو لأشياء أخرى لا تخضع للمنطق، يكون لعاملي النحس والحظ دورًا كبيرًا في حدوثها. وبإلقاء الضوء على أبرز كبار أوروبا، الذين ختموا الموسم الماضي بشكل كارثي بأتم معنى الكلمة على غير العادة، يأتي نادي القرن ريال مدريد، بتقديم واحدة من أسوأ حملاته على الإطلاق في القرن الجديد وفي كل العصور بوجه عام، بعيدًا عن مصيبة خروجه من كل البطولات في ظرف 6 أيام، وما سبقها من قرارات أشبه بالجريمة المكتملة الأركان، ببيع كريستيانو رونالدو وعدم جلب بديل على نصف مستواه حتى، فالفريق أنهى موسمه في الليغا في المركز الثالث للعام الثاني على التوالي، وهذا أمر لم يعتد عليه مواليد التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، والأدهى من ذلك، أن الفشل المحلي، جاء في أوج نجاحات الريال قاريًا، عندما احتكر دوري الأبطال 4 مرات في ظرف 5 سنوات. عمومًا جسّد فلورنتينو بيريز المقولة الشهيرة “أن يأتي متأخرًا خيرًا من ألا يأتي أبدًا”، بتحرك ملحوظ في الميركاتو الصيفي المشعل حتى الآن، بإنفاق ما يزيد عن 300 مليون يورو، لتدعيم مشروع زيدان بالخماسي الجديد رودريغو، ميليتاو، فيرلاند ميندي، لوكا يوفيتش وإدين هازارد، لكن إذا نظرنا إلى هذه الأسماء، سنجد أو الوحيد الذي يعرف جيدًا أن مكانه في أمان هو النجم البلجيكي، أما البقية بدون استثناء، فسيواجهون تحديات بالجملة لإقناع صاحب الصلعة الشهيرة بمكان دائم في مشروع إعادة هيبة وكبرياء اللوس بلانكوس.
المنحوس الباريسي
بالنسبة للفريق الباريسي، فمشكلته تبدو مختلفة عن ريال مدريد، ولم يكن موسمه الأخير مجرد موسم للنسيان، بل تراكم لسنوات من الضياع، خصوصًا على مستوى البطولة المستهدفة من قبل رئيس النادي السيد ناصر الخليفي، كأس دوري أبطال أوروبا، التي يضعها في المقام الأول منذ وصوله لسُدّة حكم “حديقة الأمراء” عام 2011، والأمر المحير بحق، أنه برغم زيادة حجم الإنفاق على الفريق في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، إلا أن أوضاعه تسير من سيئ إلى أسوأ في البطولة الحلم بالنسبة لرجل الأعمال القطري، يكفي أنه في أول مشاركة للفريق بعد ثورة التغيير تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول لنصف نهائي الأبطال، لولا قاعدة احتساب الهدف باثنين خارج القواعد، بتعادله مع برشلونة في عاصمة الضوء بهدفين للكل وبهدف لمثله في “كامب نو”، وذلك في نسخة 2012-2013، بينما في آخر 3 مواسم، وبعد وصول حجم الإنفاق لأرقام غير مسبوقة، والإشارة إلى صفقتي نيمار جونيور وكيليان مبابي، أدمن الفريق الخروج من دور الـ16، بطرق وسيناريوهات لا تصدق، على شاكلة السقوط بالستة في ليلة الريمونتادا الشهيرة أمام برشلونة، والهزيمة أمام مانشستر يونايتد في باريس بنتيجة 3-1، بعد الفوز في “أولد ترافورد” بهدفين نظيفين، وكأن هناك حالة من النحس تلازم “إلبي إس جي” كلما خاض مباراة إقصائية في البطولة الأهم بالنسبة لإدارته وجماهير، لا تفهم إذا كان اللاعبون يتأثرون بالضغط، أم أنهم يبالغون في الاستهتار والتراخي أمام المنافسين، لكن الحقيقة الواقعة تقول، إن الأمور لا تسير كما مخطط لها أبدًا بسبب تفاصيل أقل ما يُقال عنها “تافهة” وليست حتى “التفاصيل البسيطة”، والمفاجأة غير السارة هذا الصيف، تزايد “صداع” نيمار، وظهور ملامح تمرده بحثًا عن الرحيل، أو بالأحرى لعودته مرة أخرى لناديه السابق برشلونة، هذا في الوقت الذي لا تستطيع فيه خزينة البلو غرانا تحمل تكاليف إطلاق سراحه من “حديقة الأمراء”، ولا حتى الإدارة الباريسية عازمة على بيعه بسهولة، ما يعني أن المغامرة بالإبقاء عليه عكس إرادته ورغبته، سيكون أشبه بالقنبلة الموقوتة، إما ستنفجر في وجه توماس توخيل وغرفة خلع الملابس، خاصة لو أصر على موقفه الواضح والصريح، بتعمد افتعال المشاكل، كما فعل بتخلفه عن موعد العودة في اليوم المحدد لبدء تدريبات الاستعداد للموسم الجديد، أو قد يحدث العكس، وتخرج هذه الشحنة في وجه المنافسين، وبالمناسبة هذا ليس مستبعدًا على الإطلاق، فكم من لاعب عالمي تغيرت مسيرته إلى الأفضل، عندما شعر أن رحلته على المحك.
يُقال عن نيمار لاعب “يوتيوب” بامتياز، والمغزى الحقيقي أنه لاعب استعراضي من الدرجة الأولى، وهذه حقيقة رسختها أبحاث دقيقة تابعت دقة تصويباته وقراراته في المباريات السهلة وفي المباريات التي يخوضها تحت ضغط لا يصدق، وكانت النتيجة إن إبداعه يقل بنسبة صادمة كلما وضع تحت ضغط، الاستثناء الوحيد كان مباراة ريمونتادا الستة، التي يعتبرها حتى وقتنا الراهن، المباراة الأجمل في تاريخه كلاعب، لكن الضغط الذي عانى منه في الفترة الماضية سيكون مختلفًا عن ضغط المرحلة القادمة. في الماضي، كان يعاني من ضغط داخلي، يجعله مضطربًا في المباريات الصعبة، على سبيل المثال مباراة ريال مدريد في ذهاب دور الـ16 الموسم قبل الأخير، كان شبه مختفيًا في أغلب أوقات المباراة التي خسرها فريقه 3-1، لكن في المستقبل القريب، سيلعب تحت ضغط رئيس النادي والمدير الرياضي الجديد، ربما تنجح الخطة ويكون أسلوب الضغط والتهديد هو العلاج الحقيقي لتقويم سلوكه في المرحلة القادمة، بدلا من معاملة “السوبر ستار”، التي لم يُحسن استغلالها، بالأخص في نهاية الموسم الماضي، عندما بالغ في هجومه على حكم مباراة مانشستر يونايتد، ثم بتعديه على مشجع ولو كان مستفزًا، والأخيرة كانت ورطة اتهامه باغتصاب فتاة برازيلية في باريس قبل حوالي 3 شهور. على كل، يمكن القول بأنه بنسبة كبيرة سيبقى مع النادي لموسم آخر، خاصة بعد إلزامه على السفر مع الفريق في الجولة الاستعدادية للموسم الجديد، فضلاً عن عودته للتدريبات الجماعية مرة أخرى، وكما لفتنا، سيكون موسمه الفاصل مع الفريق، إما بترك البصمة المنتظرة منه، وتقديم يد العون لكيليان مبابي والبقية، لحل عقدة دور الـ16 لدوري الأبطال، أو سيضع سمعته ومستقبله على المحك إذا لم يتقبل قرار إلزامه بالبقاء وواصل افتعال المشاكل، ستكون ضاربة قاصمة لخطط باريس الموسم المقبل، منها خسارة مادية بانخفاض قيمته السوقية، وأيضًا عدم استغلال الموقف بضم نجم عالمي آخر يريد التضحية من أجل شعار النادي، بمعنى أدق سيكون نسخة جديدة من غاريث بيل، الذي انخفضت قيمته لأكثر من 50% بعد تراجع مستواه مع الريال آخر عامين، ولا ننسى أن نيمار بالكاد خارج الخدمة منذ إصابته الأولى التي ألمت به في فبراير 2018 وليست الأخيرة، لذا دعونا ننتظر ما سيقدمه صاحب الـ27 عامًا هذا الموسم، ربما يتحدى نظرية تأثره بالضغط، ويستعيد صورته الهوليودية التي رسمها لنفسه عندما شق طريقه في أوروبا مع برشلونة عام 2013، وهذا تقريبًا ما يحتاجه باريس سان جيرمان، ليذهب بعيدًا في الكأس ذات الأذنين، بجانب حل عقدة مركز حراسة المرمى، باستغلال الأزمة الحالية بين مانويل نوير وبايرن ميونخ، وإذا فعلها الخليفي وأتى بالجدار العازل الألماني وقلب دفاع آخر في منتصف العشرينات مع ماركينيوس وتياجو سيلفا، ورأس حربة مهمته استغلال أنصاف الفرص، بدلاً من الأوروغوياني إدينسون كافاني، الذي بدأ يتأثر بعامل تقدمه في السن كما وضح عليه الموسم الماضي، إذا فعل ليوناردو 50% من ذلك بعد ضم ديالو وإدريسا غاي، مع الفوز برهان نيمار، قد يكون المستقبل مشرقًا كما يريد رئيس النادي، أو على الأقل تقدير لن يكون مأساويًا كما حدث في الموسم الماضي، بالخروج بالدوري المحلي فقط.
السيدة العجوز والتعساء الإنكليز
ثالث الكبار، الذين خيبوا آمال جماهيرهم الموسم الماضي، كان يوفنتوس، بالرغم من احتفاظه بلقب الدوري للموسم الثامن على التوالي، وذلك بطبيعة الحال للصورة النمطية التي ظهر عليها الفريق في نهاية الموسم، بسبب أفكار المدرب السابق ماسيميليانو أليغري، الكلاسيكية، التي لا تتناسب مع الطفرة التي يعتزم أندري أنييلي القيام به، بوضع البيانكونيري على نفس مستوى الأندية التي تلعب كرة قدم حديثة، ولا تمانع الاستثمار الضخم، إلا في أضيق الحدود، كما فعل يورغن كلوب في ليفربول وبيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، وبقية الأندية التي تعمل لتدشين مشاريع طويلة الأجل، وليس للاحتفاظ ببطولة الدوري المحلي كل موسم، وهذه السياسة، بدأها الرئيس الملياردير عندما جلب كريستيانو بأكثر من 100 مليون، لكن مشكلته الوحيدة كانت تكمن في غياب المدرب القادر على نقل اليوفي من فريق كلاسيكي على فريق قادر على مواكبة الأفكار الأوروبية الحديثة، وأليغري بعقليته التحفظية المعروفة عنه، كان من الصعب الإبقاء عليه لموسم أكثر من خطة جلب الأبطال في مدة زمنية لا تزيد عن عقد رونالدو -3 سنوات-، لذا كان الحل الأفضل، مسك العصا من المنتصف، بالتعاقد مع ماوريسو ساري، المعروف عنه أفكاره القريبة نوعًا ما من الفيلسوف الكاتلوني، وفي نفس الوقت، لديه DNA الإيطالية، وأهم من ذلك، اكتسب خبرة لا بأس بها أوروبيًا، بقيادة تشيلسي للفوز باليوربا ليغ، الآن ما يحتاجه المحاسب البنكي السابق، هو نقل السيدة العجوز للمستوى الذي يريده أنييلي، وذلك بتقديم كرة قدم حديثة، وعمل طفرة في قطاع كرة القدم بأكمله، تمهيدًا للخطة المستقبلية القادمة، بالتعاقد مع بيب غوارديولا بعد انتهاء عقده مع السيتي، في نفس اليوم الذي سينتهي فيه عقد ساري مع اليوفي، حيث يُقال إن اليوفي يخطط للمضي قدمًا في سياسته الطموحه، لحل عقدته مع دوري الأبطال بأي ثمن. والمطلوب الآن، جني ثمار ما تم إنجازه في آخر عامين، بظهور بصمة ساري، عندما يعمل للمرة الأولى مع عناصر أقوى من خصومه، نعرف أنه في السابق كان يلعب بفرق وإمكانيات محدودة عن خصومه سواء مع نابولي أو مع تشيلسي في زمن كلوب وبيب، وهذا في حد ذاته، تحدي للمدرب الستيني، ليثبت بشكل عملي أنه يقارن بصفوة مدربي العالم، وليس مجرد مدرب بأفكار هجومية مختلفة عن الآخرين، ومن المؤكد، أنه سيجد الدعم والحماية الكافية من الإدارة، لحل أزمته الوحيدة عندما يفقد السيطرة على أعصاب في الأوقات الفاصلة على الألقاب أو أزمته الشهيرة مع كيبا، أو شجار دافيد لويز وأحد اللاعبين قبل مباراة نهائي اليوربا ليغ، مثل هذه المشكلات، ستكون من الماضي مع ناديه الجديد، ومن يدري، قد يفعلها ساري عندما يجد المناخ الذي يساعده على تطبيق أفكاره وإستراتيجيته، وواقعيًا، يمكن القول بأنه يملك تشكيلة تحتاج فقط من يحركها بشكل صحيح، أو بمعنى كروي أدق يحسن توظيفها لأفكار هجومية بدلاً من التضييق عليهم بأفكار بعيدة كل البعد عن الكرة الحديثة.
يبقى فقط من كبار أوروبا المنتظر عودتهم بعد طول غياب محليًا قبل قاريًا، مانشستر يونايتد وآرسنال، بالنسبة للشياطين الحمر، الذين يحلمون بالعودة للمنافسة على لقب البريميرليغ، للمرة الأولى منذ تقاعد فيرغسون عام 2013، يبدو في وضعية أفضل نوعًا ما من المدفعجية، الغائبين بالتبعية عن المنافسة على نفس اللقب من قبل غريمهم بعقد من الزمن، وهذا الأفضلية بفضل القدرة المالية، التي تمكن إد وودوارد في الوقت الحالي للتفاوض على برونو فرنانديز وهاري ماغواير، وذلك بعد ضم آرون بيساكا ودانييل جيمس، في المقابل، تجمع كل المصادر المقربة من غرفة صناعة القرار في آرسنال، أن الميزانية المتاحة للتدعيم لا تزيد عن 40 مليون إسترليني، لك أن تتخيل عزيزي القارئ أن هذا المبلغ يتقاضاه أحد عواجيز أوروبا أو أمريكا اللاتينية في الموسم الواحد في الصين، هذا في الوقت الذي يعرف فيه مشجع النادي أكثر من غيره، أن القائمة المتاحة لا تقارن بالخماسي المرشح على المنافسة على اللقب، باستثناء القوة الضاربة في مركز الهجوم، عدا ذلك، ستكون المقارنة ظالمة بين التشكيلة الأساسية للفريق والخماسي الكبير، ما يعني أن أوناي إيمري بحاجة لمعجزة حقيقية لإنهاء الموسم ضمن الأربعة الأوائل، والعكس بالنسبة لليونايتد، القريب من تجديد عقد دي خيا وينتظر كذلك أليكسيس سانشيز بالنسخة التي كان عليها في كوبا أمريكا، ومع التدعيمات المنتظرة قبل غلق الميركاتو، قد تكون البداية الحقيقية لعودة الوجه الحقيقي لليونايتد، على الأقل سيجمع نقاط أكثر من الموسم الماضي، وبالتبعية سيعود قريبًا إلى دوري الأبطال، ولأن كرة القدم لعبة مجنونة وأحيانًا لا تخضع للعقل، قد تحدث أشياء أخرى في الحملة الجديدة، أو قد يبقى هؤلاء الخمسة “محلك سر”.