لندن- “القدس العربي”: في واحدة من المرات النادرة.. لا يراودنا نحن كعرب، مشاعر الخوف والقلق من مواجهات منتخبات الصفوة في نهائيات كأس العالم، بفضل سلسلة المفاجآت المدوية، التي جعلتنا نطلق العنان لأحلامنا، ونصدق أن المسافات بيننا وبين منتخبات العالم الأول في كرة القدم، لم تعد ضوئية كما فهمنا من الأجيال السابقة، لدرجة أننا الآن نملك منتخبا، بدون مبالغة أو تطبيل، ليس فقط على نفس مستوى كبار اللعبة في أوروبا وأمريكا الجنوبية، بل يخشى الجميع مقابلته.
قبل ضربة بداية المونديال، كان بعض من أصدقائي المغاربة، يتعجبون من ثقة المصريين الزائدة في قدرة أسود أطلس على مقارعة وصيف وثالث العالم النسخة الماضية، ربما كانت جزءا من التكتيك المغربي الشهير، الذي يرتكز على فكرة التحوط والحذر من “عين الحسود”، وربما لنظرتهم التي تتماشى مع لغة العقل وحسابات الساحرة المستديرة، لأسباب تتعلق في المقام الأول لثقل وخبرة المنافسين المباشرين كرواتيا وبلجيكا، بخلاف قوة المنتخب الكندي الواعد والصاعد بسرعة الصاروخ في عالم كرة القدم.
لكن منذ لحظة فوز محمد صلاح ورفاقه على منتخب الشياطين الحمر، في آخر مباراة ودية قبل بداية كأس العالم، بدا للجميع وكأن مهمة المغرب في المجموعة الحديدية ليست مستحيلة، والأمر لا يتعلق فقط بانخفاض أو تراجع نسق الأداء الجماعي والفردي لكرواتيا وبلجيكا، بحكم تقدم أغلب القوام الرئيسي هنا وهناك في السن، بل أيضا للجودة والإمكانات الهائلة التي يمتلكها المدرب وليد الركراكي، وكانت تحتاج فقط من ينفض عنها الغبار، الذي تركه المدرب البوسني وحيد خاليلوزيتش.
وحسنا فعل المدرب الوطني، بعمل ما يمكن وصفه بـ “إعادة هيكلة” لمنتخب الأسود الأول، وذلك بأبسط الأدوات، كل ما في الأمر أنه أعاد الأمور إلى نصابها الصحيح، فاتحا صفحة جديدة مع كل اللاعبين بدون استثناء، أسفرت بأثر فوري عن تجاوز كل خلافات ومشاكل الماضي، بما في ذلك صداع الاكتفاء بمشاهدة حكيم زياش ونصير مزراوي وأسماء أخرى تتألق مع أنديتها، ولا يستفيد منها المنتخب، ليجني ثمار نيته الصادقة، بالتطور المذهل في مشروعه من مباراة لأخرى.
لاحظ عزيزي القارئ، أنه بلغة الأسهم والمؤشرات في عالم البورصة، هناك صعودا نيزكيا في اتجاه حركة المنتخب المغربي، والعكس 180 درجة بالنسبة لخصمهم العدو في دور الـ16، وشاهدنا جميعا الهبوط الملموس في منحنى أداء لا روخا من مباراة لأخرى، من ملامسة الكمال والروعة في ليلة اكتساح كوستاريكا بالسبعة، إلى الهزة الكبيرة في التعادل أمام ألمانيا، ثم الاستيقاظ على كابوس الأداء الهزيل والهزيمة المحرجة أمام الساموراي الياباني، وكأن فريق لويس إنريكي، كان يعتقد أنه جاء إلى الدوحة لخوض مباراة استعراضية أمام كوستاريكا، ثم سيعود اللاعبون إلى أنديتهم لاستكمال منافسات الليغا وباقي الدوريات الأوروبية قبل عطلة عيد الميلاد.
في المقابل، اللهم لا حسد، يسير منتخبنا العربي بخطوات عملاقة إلى الأمام من مباراة لأخرى، وما يدعونا للتفاؤل العقلاني، أن الأداء الفردي والجماعي في تحسن مستمر، بالمصطلح الكروي الدارج “دخلوا أجواء البطولة”، كما المنتخبات التي تكشر عن أنيابها مع الوقت في البطولات المجموعة، وهذا كان واضحا في جرأة وتحرر اللاعبين أمام بلجيكا ثم كندا، مقارنة بحذرهم ومبالغتهم في احترام المنافس في اللقاء الافتتاحي أمام كرواتيا.
الآن كل ما يحتاجه المنتخب المغربي في ملحمة إسبانيا، هو الحفاظ على حالة الزخم واللعب بنفس الروح القتالية، التي كان عليها اللاعبون في الشوط الثاني أمام بلجيكا وكندا، بمعنى آخر نسيان ما حدث في الدور الأول، والتعامل مع هذا الإنجاز، على أنه صفحة من الماضي وقد أغلقت، لتجنب التوابع والعواقب الوخيمة للمبالغة في الاحتفال بالانتصارات التاريخية.
أما غير ذلك، فلا خوف على الأسود الذين تعادلوا بقائمة وأسماء أقل جودة مع نفس المنافس بنتيجة 2-2 في روسيا، في ظل وصول كل اللاعبين لأفضل حالاتهم، وفي مقدمتهم حكيم زياش، الذي أعاد إلى الأذهان لمساته الساحرة مع أياكس، وبالمثل النصيري وأمبراط وأبو خلال والبقية، بدأ يظهر تأثيرهم مع زيادة سرعة ونسق الأداء، نتيجة للتصاعد المبشر في المستوى الفني والبدني للكل بدون استثناء، مدعوما بمساندة جماهيرية، تحاكي مشاهد حصار وضغط الخصوم هناك في “مركب محمد الخامس”.. فهل يفعلها زياش ورفاقه يوم الثلاثاء ويكتبون التاريخ كأول منتخب عربي يخوض مباراة في ربع نهائي كأس العالم؟ نتمنى أن تكون ليلة مونديالية من ليالي ألف ليلة وليلة.