ماذا يحدث في التلفزيون الجزائري؟ حافلات الموت من تونس إلى المغرب مرورا ببلد الشهداء

يعيش التلفزيون العمومي الجزائري، حالة مزمنة غريبة وغير مفهومة، ليس أقلها تقاعسه عن احتضان ودعم وإشهار أعمال جزائرية كبيرة، أسوة في التلفزيونات الوطنية في باقي دول العالم.
فضيحة جديدة بطلها عضو في لجنة قراءة الأعمال التلفزيونية، فحسب صحيفة «الشروق» أقدمت اللجنة على منح الموافقة لسيناريو مسلسل رمضاني بعنوان «النفق» وصاحب النص هو عضو لجنة القراءة.
وقد انطلق العمل في المسلسل مؤخرا فقط، مع العلم أن اللجنة نفسها أوقفت عملا كان بدأ تحضيره بعنوان «عايدة»، وهو مسلسل اجتماعي كانت ستخرجه ياسمين شويخ، وقد تم اختيار حتى الممثلين، حيث أوكلت أدوار البطولة فيه إلى مصطفى لعريبي وعايدة كشود، لكن تم توقيف العمل ورفضه بحجة أن الوقت تأخر، وأن العمل لن يكون جاهزا لرمضان المقبل، لكن الفريق نفسه قام بإطلاق عمل آخر!
وقد أقدمت اللجنة منذ يومين على إسقاط اسم عضو لجنة القراءة للتغطية على الموضوع. ولكن من جهة أخرى تم منح صفقة إنتاج مسلسل «النفق» على أساس صفقة بالتراضي للمنتجين، وخلافا لقانون الصفقات، التي تنص على فتح الأظرفة أمام الجميع، ليمنح المشروع للمنتج، الذي يقدم أحسن عرض، لكن لجنة التلفزيون تسلمت الأظرفة من أصحابها ومنحت الصفقة لشركة بالتراضي ودون احترام لقانون الصفقات العمومية. الأمر الذي يخلف حالة استياء في أوساط المنتجين وأصحاب النصوص، الذين قدمت أعمالهم ورفضت دون تقديم حجج مقنعة لهم.
وما زال الجزائريون حائرين أيضا لماذا يستمر منع التلفزيون عرض الفيلم الجزائري الطويل «بابيشا»، لمخرجته مونيا مدور، رغم قبوله في ترشيحات القائمة الطويلة لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي ممثلا للبلاد هذا العام.
ففي 21 سبتمبر/أيلول الماضي كان مقررا عرضه للجمهور الجزائري، على أن يبدأ جولته في قاعات السينما، عبر محافظات البلاد، قبل إلغاء العرض نهائيا.
و«بابيشا» هو مصطلح في اللهجة المحلية الجزائرية، يقصد به الفتاة الجميلة، لكن في بعض مدن البلاد المحافظة تعتبر هذه الكلمة مخلة بالآداب.
وكما فهمنا أن المركز الجزائري لتطوير السينما الحكومي أرجع سبب إلغاء العرض إلى أنه خارج عن نطاق سيطرته.
في وقت تظهر بعض التسريبات، التي تقول إن الفيلم منع لأسباب سياسية، لأن طاقم الفيلم رفع شعار الحراك «يتنحاو قاع» (عبارة شهيرة في الحراك الشعبي الجزائري وتعني فليتنحوا جميعا)، ولكن لا شيء مؤكّدا لحدّ الآن. فالى متى سيبقى عرض الأعمال الجزائرية مشكلة سياسية كبرى، رغم أن السينما في جميع دول العالم لم تعد تتهيب من تناول أي شيء يثري الحياة ويمجد التاريخ ويعكس الواقع.
فهل نتفاءل خيرا برفع الحظر عن فيلم «زيغود يوسف»، الذي ظل حبيس الأدراج لسنوات، حيث قال وزير المجاهدين أول أمس إن الحكومة قررت رفع التجميد عن تصويره، إضافة إلى إطلاق فيلمين عن كل من «أحمد بوقرة» والـ«سي الحواس».
هل هي صحوة طال انتظارها لانطلاق هذا المشروع السينمائي الضخم، الذي من شأنه أن يلقي الضوء على محطات وجوانب كثيرة من ثورتنا التحريرية في الشمال القسنطيني خاصة، حيث شهدت الولاية التاريخية الثانية تنظيم هجومات عبرت عن وحدة الشعب والتفافه حول جيش التحرير الوطني، مما يجعل من كفاح «زيغود» ورفاقه الأبطال صورة ملحمية زاخرة بالقيم، التي يحتاجها شعبنا اليوم.
وكما نعلم أن فيلم «زيغود يوسف» ظل حبيس الأدراج لسنوات طوال، بسبب، كما يُقال، صراع بين وزير الثقافة الأسبق عز الدين ميهوبي وكاتب السيناريو.
في انتظار انطلاقات وانفراجات للتلفزيون الجزائري تعكس طموحات واهتمامات أوسع للمجتمع الجزائري الخلاق.

ألبومات من القهر والاهمال

تغص وسائل التواصل الاجتماعي في دول المغرب العربي بأخبار ضحايا حادث «عين السنوسي» في باجة التونسية، شباب يحدوهم الأمل وتغمرهم البهجة لزيارة منطقة من أجمل المناطق التونسية، هي «عين الدراهم».
الحادث لم يقع في تلك المنعرجات الخطيرة المتشحة بالجمال والفتنة، كحية رقطاء تبهر بألوانها المتماهية مع الخضرة ولون السماء ولازردية البحر.
منعرج كبير جعل السائق الشاب يفقد السيطرة على الحافلة فتقع من عل وترتطم بالأرض والحجارة مخلفة وراءها دماء ودموعا.
اختفت الابتسامات وأغاني الطريق الجماعية وصمت الجميع. رحلة الفرح والاستجمام وتجديد الطاقة والتحايل على روتين الحياة اليومية وقهرها. الرحلة التي من المفترض أن تكون رائعة، والتي جمعت شباب تونس من مختلف المناطق تحولت الى مأتم كبير. تسع وعشرون ضحية وعشرات المصابين. هناك من فقد أكثر من ابن أو ابنة، هكذا تنقل لنا شاشات تونسية. صورة سيدة على وجهها معالم الفاجعة تفقد ثلاثا من بناتها، كن على متن الحافلة. اللهم ارزقها صبر أيوب. سوار بلاغة، ابنة تطاوين تموت في مستشفى شارل نيكول. ومن الحزن يتبعها والدها. صور الضحايا عمت مواقع التواصل الاجتماعي تصرخ من الوجع. والدة السائق المتوفى تصرح أنه كان حديث الزواج، وزوجته حامل في الشهر الثالث، وقام بالعمل وسياقة الحافلة بوساطة من أحد موظفي الداخلية ليعود بعدها بخمسين دينارا مصاريف البيت. لم تتحقق أحلامه وأحلام غيره. كذلك صدم موت بطلة «الكيك بوكسينغ» الناشئة هبة عبد اللاوي مدربها وكل طاقم الاتحاد التونسي للكيك بوكسينغ. يا رب لطفك.
ما أثقل اليوم عليك يا تونس وعلى جيرانك ومحبيك في كل مكان.
لكن لم تنته الأحزان ولم تقتصر على البر وحفره ولا مبالاة المقاولين وأرباب المشاريع، الذين لا يهمهم سوى المال. ففي اليوم نفسه ينقلب قارب على متنه شباب متذمر من كل شيء، لا يهمه سوى قطع البحار. فلا شيء يخسره أكثر مما خسر. يحاول النجاة ولو بقشة. انقلب قارب المهاجرين قبالة شواطئ إيطاليا مخلفا ثماني عشرة ضحية.
في المغرب أيضا، حافلة ركاب تنزلق في الطريق السيار، بعد يوم على حادثة باجة، عند نقطة «واد مليل»، وكانت آتية من فاس ومتجهة نحو تازة. أمطار وانزلاقات وسرعة السائق المفرطة خلفت سبع عشرة ضحية من ضمن خمسين راكبا أصيبوا كلهم. وهناك من لفظ أنفاسه في موقع الحادث وآخرون في المستشفى، وما زال المصابون يرقدون تحت العلاج.
معظم الركاب كانوا سيواصلون رحلتهم نحو الحسيمة شمالا. لكن تشاء الأقدار أن تنتهي الرحلة في هكذا مأساة. مآسي هذه الشعوب كبيرة، وترقيعات المسؤولين السياسية والتنموية لم تعد تجدي نفعا، فهم غير مكترثين لما يحدث نتيجة تلاعب المقاولين ومسيري النقل الخاص والعام.وفي مساء ذاك اليوم، خلف حادث سير بين حافلة نقل الطلاب وسيارتين سياحيتين في الجزائر أربعة قتلى من الطلبة في حدود السادسة والنصف من يوم الاثنين على الطريق المسمى الرايس.
هذه الطرق تحصد بدورها ما تبقيه الحروب وحلقات العنف في كل أشكالها. «لا مفر من القضاء والقدر»، لكن المتمعن في كم الحوادث المرورية، يدرك تلك المقولات الخالدة التنبؤية (الجفريات) لبعض الشيوخ والأولياء بأن الثلث يموت في البحر والثلث بالحديد والثلث يهجر!
والمشهد كله يوحي بطوفان من نوع آخر، طوفان الأحزان. اللهم رحمتك!

نهاية مأساوية في مصحة التجميل

منال فتاة مغربية جميلة جدا، وفي ريعان الشباب، لم تقصد مصحة التجميل في «عين الذئاب» من أجل شد عضلات الوجه أو نفخ خدود أو تكبير شفاه، بل لشفط دهون البطن، ودون علم أهلها. ذهبت معتقدة أنها ستنهي المسألة بسرعة، كما أخبرها بذلك الطبيب المختص. لكنها لم تعد. حتى استدعي أهلها لاستلام جثتها.
دخلت منال البركة مصحة «قيتس» للقيام بالعملية وخرجت جثة هامدة في مصحة أخرى، مصحة الساحل في القرب من المصحة الأولى.
علامات استفهام عديدة صدرت من خال الضحية، مصرحا بها لمختلف المواقع (شوف تيفي…لالا مولاتي…) البنت دخلت على رجليها سليمة معافاة وخرجت جثة هامدة حاملة سرها معها. وفجر خال الضحية عديد القضايا الخطيرة، فهو يريد التحقيق في جريمة اغتصاب أيضا، ويريد أن يحصل على تقرير الطب الشرعي، الذي يبين سبب الوفاة. ويطالب أعلى مسؤول في الأمن بفتح ملف العيادة التي كانت لها سوابق من قبيل الأخطاء الطبية، ووقد تكون جرائم اغتصاب وهتك عرض في حقيقتها. لكنها بقيت طي التجاهل والكتمان.
أمام صمت الضحايا – لعدم استطاعتهم مواجهة أصحاب النفوذ – استسلموا للأمر وضاع حقهم. بينما أهل منال لا يريدون الصمت بل اظهار الحقيقة، التي لا تكون سوى بتقرير طبي معه خبرة الطب الشرعي ويصاحبها التصريح بالدفن.
كما لا يمكنهم السكوت على مماطلة وتسويف إدارة المصحة، فلهم الوقت الكافي للقيام بتلك الإجراءات وإلا فإنهم سيلجأون لخبرة مضادة في أوروبا.
الخال – وعلى لسان الأسرة كلها – يناشد أعلى سلطة قضائية في البلاد والمتمثلة في جلالة الملك أن ينصفهم وأن يعتبر منال ابنته وأن يظهر حقها.
هم لا يريدون تعويضا ماديا، بل يطالبون بمعاقبة مرتكبي هذه الجريمة، وأن يكون القضاء عادلا ونزيها والقانون فوق الجميع.
صرخة تبين حجم المعاناة مع المصحات الخاصة التي لا تقل سوءا عن المستشفيات العمومية، فهمها الوحيد جمع الأموال في الطرق كلها. فلا يُعقل اجراء عشرات العمليات في يوم واحد! هنا يغيب التركيز والعمل المتقن الدقيق وتزهق أرواح الناس. ثم يقولون بكل بساطة خطأ طبي الله غالب.
كما طالبت والدة منال بإرجاع حق ابنتها في معرفة تفاصيل ما حدث بالضبط وأن لا تغير مجريات القضية بالرشوة، وهي أيضا ناشدت وزير العدل أن يعتبر منال ابنة له، كما تطالب الأميرة للا مريم بالتدخل. في انتظار تقرير نزيه وعدالة نزيهة. ربما سيطفئ ذلك حرقة أهل منال وترتاح في قبرها.

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية