تستبق صحف الممانعة ظهور الفيلم «A Private War» (حرب خاصة) في صالات السينما اللبنانية بهجوم رخيص، أبعد ما يكون عن النقد السينمائي، إن لم نقل إنه ملفّق في غرف المخابرات. هجوم طال الصحافية ماري كولفن – موضوع الفيلم – التي قضت بقصف للنظام السوري على حي بابا عمرو الحمصي ( 2012) راح ضحيته المئات، إلى جانب صحافيين أجانب، كما طال مخرج الفيلم ماثيو هيثمان، من دون أن يدخل في تناول الفيلم إلا لماماً.
يقرر الهجوم الصحافي الممانع أن كولفن، مراسلة الحرب الأمريكية، إنما «تهرب من تعاستها وخيباتها الشخصيّة إلى الجبهات عبر العالم»، و»تنقل وجهة نظر غربيّة محض عن مسارات حروب الإمبراطوريّة خدمةً لبيوتات الإعلام المتخصص في تصنيع الأخبار الكاذبة»، هي «المعروفة بتهورها في العمل الميداني حيثما دعاها الواجب الإمبراطوري». هذا بالإضافة إلى وصفها بأنها «لم تكن تتمتع بموهبة كتابة استثنائيّة أو بقدرة على التفكير المستقل»، بل و«فشلت عدّة مرات في تقديم ولو مسودات لكتب اتفقت مع عدة ناشرين على تأليفها».
لا يتورع ذلك الهجوم عن تناول حتى إصابتها بشكل تهكمي ولاذع: «فقدتْ إحدى عينيها أثناء تغطيتها الحرب الأهليّة في سيريلانكا. من حينها، صارت تضع غطاء عين قرصان أسود حيثما ذهبت»! ويستنتج: «تجربتها تلك أصابتها بأمراض عصبيّة جعلتها أكثر تهوراً». هكذا ببساطة، يتحول جرحها المعبود إلى «عين قرصان» في صحف الممانعة.
لا تكتفي تلك «الكتابة» بهذه الشتائم التي يمكن أن تلصق بأي صحافي غربي، بل تصل إلى مستوى الصحافة الصفراء، من دون أي مجاز، لتتحدث في أمور شخصية لا سند لها، تصل إلى حدّ الغمز من قناة الرئيسي الفلسطيني الراحل ياسر عرفات: «تورطت كولفين في زيجات فاشلة وعلاقات غراميّة (ويقال إنها كانت صديقة شخصيّة لياسر عرفات وكانت تسافر معه في طائرته الخاصة، وقد عثر في أغراضها على عقد ثمين من اللؤلؤ كان أهداها إياه احتفالاً بتوقيعه اتفاق أوسلو سيئ السمعة) وأدمنت السجائر والكحوليات».
كل ذلك لأن كولفن لم تكن شاهدة على حرب النظام على السوريين وحسب، بل تحوّلت، إلى جانب زملاء كثر، إلى واحدة من ضحاياه. وها هي تخلّد اليوم بفيلم هوليودي قد يصبح هو الآخر شاهداً على الربيع العربي وثورة السوريين، الذين يسطع علمهم في قلب الإعلان الترويجي المشوّق.
ماري كولفن أصابتهم بالذعر في حياتها، فقصفوها ومحوا حي بابا عمرو بأكمله، وها هي تقض مضاجعهم في مماتها أيضاً، فيحاولون قصفها شخصاً، فيلماً، وأسطورة.
منشار بانكسي
لم يستنفد بعد فيديو تمزّق لوحة بانكسي في مزاد «سوذبيز»، الذي يظهر لوحة «الفتاة والبالون» تتمزق تلقائياً بعد بيعها بأقل قليلاً من مليون ونصف دولار، وقد أراد فنان الغرافيتي البريطاني الغامض للوحته أن تلقّن المقتنين ومجتمع الأغنياء درساً. نكتشف من جديد أن الفنان خطط لإتلاف لوحته بشكل نهائي، لكن تمزّقها على نحو ما رأينا سيجعل منها، على ما تقول «سي أن أن»، لوحة أغلى.
لكن أبعد مما أراد بانكسي، فقد تحوّل الفيديو إلى ملهم، شاهدنا أعمالاً عديدة على مواقع التواصل، تستلهم الفكرة في الإعلان، على نحو معاكس مثلاً حين تستبدل صورة فتاة البالون بسيارة تنزل من أسفل اللوحة كما هي تماماً من دون مفاجآت، أو على نحو كاريكاتيري عندما تظهر حبات البطاطا في الصورة لتنزل من الأسفل مقطعة جاهزة للقلي.
كذلك استخدمت الفكرة في تظاهرات سياسية غاضبة، ورسوم كاريكاتيرية، وكان للعرب حصتهم حيث استُلهمت لوحة بانكسي لمواكبة حدث سياسي طازج هو اغتيال خاشقجي. لقد وضعت صورة الصحفي السعودي البارز في أعلى اللوحة لتنزل من أسفلها مقطعة تماماً. ربما يكون الاستلهام العربي، المقاربة العربية، هي الأنسب للوحة بانكسي، إذ يتطابق فعل النشر، ووجود المنشار في قلب لوحة بانكسي، مع آلية ارتكاب جريمة خاشقجي، بحسب الرواية الرائجة إعلامياً، والتي تقول إنه جثة الرجل قطعت بمنشار.
الفيديو نفسه، استخدم للفكاهة، للاحتجاج، للإعلان، لكن عربياً لم يكن له سوى ترجمة وحيدة.. دموية للغاية.
خديجة
تتوالى أمامنا منذ عشرين يوماً (وبلا هوادة) فيديوهات وصور تفصّل كيف ارتكبت جريمة خاشقجي. لا نحسب أن جريمة في العالم عاشها الناس على الهواء، بهذا التفصيل المديد، إصبعاً إصبعاً، قطرة دم إثر أخرى، فيديو وراء الآخر، كما في جريمة خاشقجي.
الصور، باعتبارها جميعاً تعود إلى كاميرات مراقبة، كلها مأخوذة من مكان مرتفع، كل شيء تحتها أقل من حجمه الطبيعي.
سنرى على التوالي الطائرات الخاصة على مدرج المطار، مبنى القنصلية، السيارات المعتمة، منزل القنصل، هناك إحساس ثقيل تتركه الصور المتلاحقة بأن يداً قدرية هائلة تحرك كل تلك الأشياء، مثلما الماريونيت يُتحكم بها بخيوط.
في قلب ذاك الزحام هنالك أحياناً إشارة ما، إلى امرأة واقفة أمام باب القنصلية، خديجة خطيبة خاشقجي المتروكة في الشارع. لكنها ترد كشاخص، كعلامة ثابتة على أن الرجل مرّ من هنا لآخر مرة، الفيديوهات وكاميرات المراقبة لن ترى فيها إلا شيئاً، يضاف إلى كومة الوسائط والأدلة.
ما من كاميرا قريبة ترصد وجهها، حيرتها، كم مرة نظرة إلى ساعة يدها، خطاها المترددة على الرصيف، وربما دموعها، أي كل ما يكون عليه الإنسان. إنه آخر ما يهتم له علم الجريمة.
كاتب فلسطيني سوري