ماضون في الخراب تحت موسيقى الجنائز

بهذا الترشح لعهدة رئاسية خامسة مشؤومة، تكون الجزائر قد خطت خطوة خطيرة نحو المجهول. لم يسمع الرئيس أو من يتخفى في ظله لنداءات أكثر من 13 مليون جزائري خرجوا في مظاهرة سلمية، حسب الإحصاءات الأمنية. لم يحدث هذا الخروج الجماهيري الكثيف إلا مرة واحدة بعد استقلال الجزائر، عندما هب الشعب المتعطش إلى الحرية نحو الشوارع، فاحتلها وملأها زغاريد وفرحاً وحباً ورقصاً. كان المد البشري هذه المرة كبيراً وسلمياً، ومخيفاً أيضاً لمن ظنوا أن الخنوع هو منتهى الشعوب، تحت شعار واحد: لا للعهدة الخامسة التي ظلت معلقة كفكرة. حتى أكثر الناس تشاؤماً كان يرى أن الرئيس، إذا كان هناك رئيس، سيسمع لهذه النداءات، ويخرج من الباب الواسع الذي كان كل يوم يضيق قليلاً، وما يزال يزداد ضيقاً.
حالة بوتفليقة تختزل حالة الحاكم العربي، فقد رفض أن يكون ربع رئيس، وفرض نفسه على المؤسسة العسكرية التي جاءت به، وفعل ما شاءه، ومارس سلطانه بقوة. ابن النظام المدلل الذي اخترقه في سن مبكرة مباشرة بعد الاستقلال، وكان يعرف طبيعة النظام. كان أكثرهم ثقافة، ويعرف جيداً الأمور التي يجب مسها، وتلك الممنوعة عليه وتحتاج إلى وقت. وظن الجميع بعد انتخابه بحماسة جماهيرية خارقة في كبريات القاعات الرياضية بأن الجزائر حصلت أخيراً على رئيس سيتكلم بصراحة، ويجادل حتى ولو كان متمركزاً حول نفسه. لكن مع الزمن ظهر الكثير من عيوبه الخطيرة، القيمة لم تعد للأفضل ولكن لابن الجهة، بل الحفرة، الذي يقول نعم وينفذ ويحني رأسه. ومع ذلك فقد صمت الشعب، واعتبر ذلك طقساً وطنياً سبقه آخرون إليه. هو الرجل الذي أوقف الإرهاب، استناداً إلى قانون الرحمة ثم المصالحة الوطنية التي أعادت للقتلة شأنهم، ورمت في عارضة الطريق المناضلين والوطنيين، الذين دافعوا عن الجزائر في الزمن المظلم، وقال الناس ليكن، المهم السلام مقابل حرب أهلية أكلت البلاد وحولت تاريخها إلى رماد. فقد وجه الرئيس البلاد نحو التنمية بغض النظر عن النتائج الضعيفة. وانتهت (دورتي الرئاسة) مثلما ينص الدستور على ذلك. وكان محبوباً. وكما يفعل الرؤساء العرب، فاقدو البصر والبصيرة، غير الدستور، مدد العهدة عشرية أخرى، عهدتين خارج القانون.
الأكثر فداحة من هذا كله، فقد خسر الرئيس موعده مع التاريخ. ماذا لو فعل ما فعله مانديلا؟ الخروج من الولاية الأولى (1994-1999)، كم كان سيظل كبيراً في الوجدان الجزائري. أو على الأقل يتحايل كما فعل بوتين، لكن المصيبة الكبرى تجلت بعد الأزمة الصحية التي خلفتها الجلطة الدماغية فيه، فتغير مسار البلاد كلياً. أصبح النهب مفضوحاً، في وضح النهار، والكوارث ظاهرة دون أن يمس أو يحاكم من كانوا وراءها، آخرها كانت حاوية 7001 كيلو كوكايين التي سقط وراءها الكثير من الرؤوس السياسية والعسكرية. وأحاط بالرئيس مجموعة أفراد يمثلون شرائح مجتمعية، مافيوية، نقابية، عسكرية، مالية خرجت من العدم، سيطرت كلياً على مقدرات البلاد، وفي ظرف وجيز حولت 688 مليار التي كانت تحمي الجزائر من مخاطر الهزات، إلى رماد، بل وحرفت المسارات، واشترت السلم المدني بلا أي برنامج اقتصادي حقيقي، وأضعفت المؤسسة العسكرية على أسس انتقامية بحتة، إذ هي الوحيدة التي جابهت الأصولية الإرهابية المقيتة، مهما كانت ملاحظاتنا عليها. وكان ذلك يعني أن العد التنازلي قد بدأ. وتحول الرئيس إلى رهينة. يُحضر سينمائياً في كل ظهور تلفزيوني بالماكياج وأدوات تكبير الصوت، لكن عينيه الغائبتين كانتا تبينان بما لا يدع مجالاً للشك أن الرئيس كان خارج كل شيء. لم يرحموا لا سنه الذي بلغ أرذله، ولا تاريخه، ولا حالته.
مع الزمن، بدأت تتكون دوائر أخرى أكثر أتساعاً لتفسد المجتمع كلياً، فبدأ المستعاشون يصرون على أن الرئيس في صحة جيدة، وأن أعداء الوطن والعملاء هم من كانوا يرون ذلك فقط. وتكونت اللجان في كل مكان، وبدأت المنظمات العريقة والجمعيات تدخل معترك المديح للاستفادة من الريع النفطي، وأنشئت صحف فنزلت على أصحابها الذين باعوا ضمائرهم، مثل «خبزة طاحت على كلب راقد»، كما يقول المثل الشعبي، قبل أن يرميهم الذين وضعوهم في المزبلة، ففقّروهم في ثانية، وانتهت أدوارهم في تشويه صور كل رافض لقانون النهب والكذب والسرقة. بينما في الجهة المقابلة، كان يسجن إطارات الدولة الذين رفضوا الولاءات، وبدأ الحراقة، سادة اليأس الكلي، يرمون بأنفسهم في البحار على متن قوارب الموت، وإلى اليوم لم تطالب الجزائر بجثث الآلاف منهم. يحدث هذا في بلاد منتجة للنفط والغاز واليورانيوم والذهب. وتحول النهب إلى «سيستم»، إلى نظام مهيكل له سادته وحماته، والمدافعون عنه، والمستفيدون منه.
فخامة الرئيس في كل مكان، لكن بلا صوت. تسامح الجزائريون مع رئيسهم، لكن المأساة هي أن الرئيس موجود وغائب أو مغيب، ورهينة. كان في إمكانه-وهذا الخطأ الثاني-أن يعلن عن رئاسيات مسبقة عندما عرف وضعه الصحي، قبل تطبيق قانون العطالة الصحية الدستورية، ويأتي الأمر خيارياً حفاظاً على ما تبقى من صورة الجزائر ورئيسها. هل يعقل أن تكون تلك هي صورة الجزائر العظيمة التي تحمل إرثاً تاريخياً ونضالياً إنسانياً عظيماً؟ هل هذه هي جزائر العربي بن مهيدي، ديدوش مراد، السي امحمد بوقرة، عبان رمضان، بوضياف، علولة، جميلة بوباشا… وأجيال الاستقلال المشبعة بالقيم الثورية؟ لقد أخطأت الجزائر طريقها للأسف، ولم تعد كلمة ثورية إلا قوقعة تخفي وراءها نهباً وفساداً جعل من كل الورشات الوطنية العظمى المشكلة للبنيات التحتية وسائط للنهب وسرقة المال العام. مثال الطريق السريع شرق غرب الذي كان يفترض أن يكلف ثماني مليارات، فكلف في النهاية 18 ملياراً؟ أين ذهبت العشرة مليارات؟ وقس على ذلك. والأمر الخرافي في ذلك، في الوقت الذي كانت تنتظر فيه الجماهير انسحاب الرئيس بسبب مرضه، ترشح لولاية خامسة، واقترح أنه في حالة فوزه، وسيفوز إن بقي شيء اسمه الجزائر، بأنه لن يبقى إلا سنة؟ عبقرية الذين يعيشون في ظل الرئيس كانت بائسة. ما جدوى سنة حكم بعد عشرين سنة سبقتها؟ واضح أن الحراك الشعبي فاجأ عصابة الظل، ولم يمنحها الوقت الكافي لمحو الآثار، وترتيب شؤون بيت النهب المقنن، وتحضير من يقود الدولة ويحميهم من محاكمات أكيدة. فقد عروا البلاد من كل إمكانية للدفاع، ودفعوا بها إلى واجهة الموت؟ وسيمضون بها نحو خراب أكيد تحت موسيقا الجنائز. وليس بعيداً، في حالة الانهيار الكلي، أن تصبح الجزائر مرتعاً للضباع، وأن يعود قتلة البارحة من الأبواب المشرّعة، بعد أن خرجوا من منافذها الضيقة، بعد أن سرقت مجموعة الظل، من الجزائر، كل قابلية للحياة، وربما الاستمرار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية