باريس-‘‘القدس العربي’’:
يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصر في الفترة بين 27 و29 يناير/كانون الثاني الجاري لأول مرة منذ انتخابه، وقبيل الزيارة دعت ثمان منظمات حقوقية بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش السلطات الفرنسية إلى وضع حد للتغاضي عن الانتهاكات الكارثية لحقوق الإنسان في مصر مقابل تأمين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية لفرنسا.
وتطفو على السطح صفقات بيع الأسلحة الفرنسية لمصر؛ حيث يسعى الجانب الفرنسي خلال الزيارة إلى إقناع مصر باقتناء سبع مقاتلات عسكرية من طراز رافال، كما أن المفاوضات بين الطرفين حول شراء مصر لسفينتين عسكريتين فرنسيتين وصلت مراحل متقدمة.
وتشير المعطيات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي للبحوث في مجال السلم، إلى أن مصر كانت ثالث مستورد للسلاح في العالم خلال الفترة بين 2013 و2017، وشكلت فرنسا المزود الأول لها حيث استحوذت على نسبة 37% من مجموع صفقات مصر لاستيراد الأسلحة. ومن زاوية أخرى؛ نجد أن مصر كانت المستورد الأول للصناعات العسكرية الفرنسية الموجهة للخارج حيث اشترت 25% من مجموع الصناعة العسكرية الفرنسية المعدة للتصدير وهو ما يعادل رقم أعمال يناهز 7 مليار دولار منذ 2014.
وبطلب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2015، تم اقتناء 24 مقاتلة فرنسية من طراز رافال مع إمكانية شراء 12 مقاتلة أخرى، إضافة إلى سبع سفن حربية ما تزال ثلاث منها قيد التصنيع حاليا. هذه الصفقات وغيرها عززت التعاون بين فرنسا ومصر في المجال العسكري.
كما تجدر الإشارة إلى أن الصفقة المتعلقة بشراء اثنتي عشرة مقاتلة من طراز رافال كانت قد تم تجميدها بسبب فيتو أمريكي بموجب قانون تجارة السلاح الدولي؛ والذي يمكن واشنطن من تعطيل تصدير الأسلحة في أي مكان من العالم طالما أنها تضم مكونات مصنوعة في الولايات المتحدة كما هو الحال مع القاذفات التي تستخدم في طائرات رافال.
غير أنه تم التوصل إلى حل دبلوماسي لهذا الموضوع؛ حيث أقنعت فرنسا الولايات المتحدة بالسماح لها بإكمال الصفقة مقابل البحث عن حل يؤدي إلى التخلي عن المكونات الأمريكية.
وبعد أن كانت فرنسا قلقة من قدرة مصر على تسديد فواتير عسكرية ضخمة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة؛ صرح وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير، خلال زيارته إلى القاهرة الأحد الماضي، أن “مصر خطت في عهد السيسي خطوات هامة نحو التعافي الاقتصادي وتم اتخاذ قرارات شجاعة جعلتها إحدى الأسواق المهمة بالنسبة للمؤسسات الفرنسية”.
كما أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تساعدان في تمويل صفقات السلاح التي تعقدها مصر. ولهذا السبب تأمل مجموعة نافال الفرنسية لصناعة السفن أن تتراجع الحكومة المصرية عن اختيار مجموعة “تي كا إم إس” الألمانية بدلا عنها؛ لشراء سفينتين عسكريتين وذلك بسبب رفض الرياض دعم هذه الصفقة نتيجة توتر علاقاتها مع برلين على خلفية جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.
ولا تنتقد المنظمات الحقوقية بشكل مباشر إجراء تلك الصفقات الكبرى لتوريد السلاح الذي تبرره مصر بمحاربة الإرهاب؛ بل تنتقد ما تصفه بصمت فرنسا إزاء ممارسات نظام السيسي مقابل مصالحها الاستراتيجية. مع ذلك تطالب هذه المنظمات فرنسا بوقف تصدير الأسلحة التي تستخدم ضد المدنيين في مصر مثل العربات المصفحة الصغيرة ووسائل المراقبة والتتبع.
وكانت منظمة العفو الدولية قد اتهمت الحكومة الفرنسية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بالاستخفاف بالقانون الدولي عبر استمرارها في تصدير أسلحة تُستخدم في عمليات قمع مميتة في بعض الدول كمصر. وقالت المنظمة في تقريرها الذي نشرته تحت عنوان: “مصر .. استخدام الأسلحة الفرنسية في قتل المعارضة”، إن فرنسا تواصل نقل السلاح إلى مصر، رغم الحظر الذي تبناه الاتحاد الأوروبي، ورغم عدم اتخاذ إجراءات للمحاسبة من جانب الحكومة المصرية. وأشارت إلى أن قوات الأمن المصرية استخدمت ناقلات جنود مُدرَّعة، زوَّدتها بها فرنسا، في تفريق مظاهرات وقمع المعارضة، بشكل عنيف ومتكرر، مما أسفر عن وقوع قتلى.
إلى ذلك جانب ذلك؛ يتوقع أن تتطرق مباحثات ماكرون في القاهرة لقضية وفاة المدرس الفرنسي إريك لانغ تحت التعذيب داخل إحدى مفوضيات الشرطة بالقاهرة عام 2013 والذي تطالب عائلته ومحاميها بكشف الحقيقة كاملة بشأن هذا الموضوع.
فقد صرحت والدة وأخت إريك في بيان أصدره محامي العائلة، الجمعة، بأن العائلة لا تفهم كيف تتخلى الدولة الفرنسية عن مواطن فرنسي كان ينبغي أن تضع كامل ثقلها السياسي لكشف ملابسات قتله في مصر. وأكدت العائلة التي تتابع الملف منذ 5 سنوات أن السلطات الفرنسية لم تبذل جهوداً كافية للكشف عن الحقيقة، معربة عن أملها في أن يتطرق الرئيس إيمانويل ماكرون لهذا الموضوع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بهدف الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمن يتحمل مسؤولية قتل هذا المواطن الفرنسي وكيف قتل ولماذا تم تعذيبه حتى الموت؟
وتثير قضية مقتل إريك لانغ المقيم في مصر منذ عشرين سنة الكثير من الجدل، حيث لقي حتفه داخل إحدى مفوضيات الشرطة في القاهرة في 13 سبتمبر/أيلول عام 2013 أسبوعا واحداً بعد اعتقاله بتهمة عدم اصطحاب وثائقه وخرق حظر التجول المفروض لحظتها بعد الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وذلك رغم أن القضاء المصري أمر بإخلاء سبيله.
وقد حكمت محكمة مصرية على ستة أعوان أمن بالسجن سبع سنوات بتهمة تعذيب وقتل المواطن الفرنسي؛ لكن دون التحقيق في الجهة الأمنية التي أمرت باعتقاله وتعذيبه.