مايسترو للحرب.. وفتاوى لـ «دلو الثلج»

حجم الخط
0

نشر الموسيقيّ السوري طاهر مامللي على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» صورة لمشهد من مدينة دمشق يعلوها الدخان الأسود، ويبدو أنها مأخوذة إثر القصف الأخير على حي جوبر شرقي دمشق، أرفقها بكلمات تقول «من شرفتي أستلهب الموسيقا.. الله محيي الجيش». (مراجعة تعليقاته الأخرى تؤكد أنه تقصّد أن يقول «أستلهب» لا «أستلهم» ما يعني أن الحماسة قد بلغت عنده أوجها). الصورة بدت مكتظة بالبنايات والمآذن، كأي صورة معتادة لدمشق، ولن تكون الغيوم السوداء فوقها مشهداً مفرحاً إلا لأعدائها، فكيف لموسيقي يتُوقع أن يكون لديه من الرهافة ما يجعله يتأسف على مجرد مشهد الحرائق، أياً كان مشعلُها، كيف له أن يفرح؟!
مامللي، وهو موسيقي معروف ألّف الموسيقى التصويرية لمعظم وأشهر المسلسلات السورية، أعلن عن موقفه أكثر من مرة، أبرزها ما كتبه يوم خطاب القسم الأخير لبشار الأسد: «كان لي شرف كتابة موسيقى دخول سيد الأمة»، وهو يقصد الموسيقى التي رافقت دخول الأسد إلى القاعة التي سيؤدي فيها القسم، حيث جرى استنساخ تنصيب وقَسَم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الموسيقيّ السوري يصل هذه المرة حداً لم يبلغه من قبل في الانتشاء بمشهد تدمير المدينة، وهذا ليس موقفاً نادراً لمثقفي النظام الذين اعتادوا، ومنذ اندلاع الثورة في مهدها الدرعاوي، على إطلاق تصريحات من قبيل «سنجعل من درعا حقل بطاطا»، في إشارة لاستغنائهم عن سكان تلك المدينة.
كذلك كان لمثقفي النظام وقفتهم في وجه زملائهم الذي وقّعوا بياناً تضامنياً مع أهالي درعا المحاصرة مطالبين بإدخال المؤن والأدوية وحليب الأطفال، فما كان منهم إلا أن هاجموا موقّعي البيان (سموه تهكّماً «بيان الحليب»)، في حملة إعلامية كبيرة، وبتهديدات حملت بعضهم إلى التراجع (أو على الأقل تفسير وتبرير مواقفهم) على الشاشة الرسمية.
ولم يكن بيان «سينمائيو الداخل» (سينمائيو النظام) بأقلّ من ذلك، حين اتهم وخوّن السينمائيين السوريين من أنصار الثورة السورية، معرّضاً إياهم لخطر الملاحقة الأمنية بعد اتهامهم الباطل بإفساح المجال لاسرائيليين بالتوقيع على بيانهم.
حاول بعض مثقفي النظام أن يمثّل ويتقنّع بدور المحايد الذي يقف في الوسط، ولم يفلحوا بالطبع. حان الوقت للكشف عن أفظع ما لديهم، وهل هناك أفظع من أن يتحوّل الموسيقي إلى مايسترو حرب؟

لكل مقام دموع

فجأة انتبه موالو النظام السوري إلى أن هناك مأساة للّاجئين الذين هجّرهم «داعش»، من إيزيديين ومسيحيين وسواهم، راحوا يتداولون صور النزوح المؤلمة تحت عناوين مستعارة من مأساة اللاجئين السوريين، فحصلنا على عناوين جديدة من قبيل «التغريبة الإيزيدية»، «التغريبة المسيحية». لا شك أن اللاجئين يستحقون التعاطف والتضامن، أياً كانوا، وأياً كان من هجّرهم، لكن هؤلاء المتباكين لديهم دموع تبكي على مهجّري «داعش» وليس لديهم دموع تبكي مهجّري النظام السوري، أولئك الذين بلغوا تقريباً نصف الشعب السوري بين نازح ولاجئ. لديهم ضمير صاح من أجل مهجّري العراق، وليس لديهم ضمير من أجل مهجّري بلدهم.
الأمر نفسه ينطبق على صور أسرى الحرب من جيش النظام السوري الذين اعتقلهم «داعش» وسيقوا بالمئات إلى الإعدام، إنها صور مؤلمة ومؤسفة ولا يرضى بها ضمير. لكن هذه الصور التي استنفرت الجميع ضدها، خصوصاً من موالي النظام، أليست الصور نفسها، الفظاعات نفسها التي ارتكبها النظام في ساحات التظاهر السورية، وفي المعتقلات؟! حقوق الإنسان هي حقوق الإنسان، وانتهاك كرامة الأسرى مدان على أي جهة يكون. لن نستغرب هذه الازدواجية من النظام وأنصاره، فغياب العدل، وانتهاك حقوق البشر وكرامتهم من أهم أسباب اندلاع الثورة السورية.

كاميرا في عرض البحر

اللاجئون السوريون والفلسطينيون عبر البحر هم الأقل حظوة في تغطية تلفزيونية لائقة، فالهجرة عبر البحر أكثر سرية من غيرها، ثم إن الناس، وهم في أعالي الموج، لن يفرغوا إلى الكاميرا، كما يصعب أن تلتقطهم كاميرا بالمصادفة. لطالما شهدنا على اليابسة السورية عين الكاميرا وجهاً لوجه مع فوهة بندقية القناص، وأحياناً مع مدفع الدبابة، أما في البحر فالصور شحيحة للغاية. صحيح أن الموت في عرض البحر لا دم فيه، ولا قطع رؤوس، لكنه يبدو الأشدّ مأساوية، مأساوية تبدأ من لحظة اتخاذ الناس قرار العبور بين شاطئين، وتسليمهم بأن يضعوا حيواتهم بين يدي الله. التقارير التلفزيونية ما زالت مقصرة في ذلك، وكذلك السينما التسجيلية التي يمكن أن تروي (بل ينبغي أن تسجل) عالماً على الحد الفاصل بين الحياة والموت.

الفنان السوري لاجئاً

الفنان السوري المهاجر إلى التلفزيونات العربية، المصرية واللبنانية والخليجية، وجد نفسه في مهب تقاليد لم يعرفها من قبل في بلده حيث كل شيء مضبوط وتحت سيطرة نظام حديدي. حيث صحف لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة كل كلمة فيها تحت السيطرة، صحفيوها في الغالب تحت السيطرة، وهم كذلك قليلون لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين.. فجأة وجد أكثر الفنانين السوريين تحفظاً وضبطاً لظهوره الصحفي، تيم حسن على سبيل المثال، وجد نفسه في مهب صحافة لا ترحم، لا تكتفي بتناول أداء الفنان وعمله ومسلسلاته، بل تمدّ يدها إلى كل مكان، الزواج والطلاق، الأكل والشرب، الأجور، وسواها. هذا إلى جانب تصريحات منسوبة وملفقة يصعب ضبطها. الفنانون السوريون وجدوا أنفسهم في عالم مترامي الأطراف، وقد كانوا مطمئنين إلى حديقتهم «الدرامية» الصغيرة الضيقة. لكن هذه الشهرة الاستثنائية، والأجور المضاعفة لها ضريبتها أيضاً، لا يريد الفنانون أن يصدقوا ذلك، ولعلهم ما زالوا يحلمون بقوانينهم القديمة لتسيير هذا العالم الجديد. إنه ضياع آخر، أشبه بالخروج من «الكهف السوري» إلى عالم، لا نقول إنه أفضل، ولكنه حقيقي أكثر، وصادم.

فتاوى لـ «دلو الثلج»؟

آخر ما يخطر في البال أن يتطلب «دلو الثلج» المشهور عالمياً فتوى دينية من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» السعودية، فالـ «دلو» أدخل الـ «هيئة»، على ما يبدو، في دوامة، حيث لا تتوفر المعطيات اللازمة للبتّ في هذا الأمر، وهي لذلك طلبت عرض الأمر على «هيئة كبار العلماء» من أجل أخذ الرأي الشرعي فيه. حتى الساعة اكتفت بعض الفتاوى بالتلميح إلى أن في الأمر «مخالفة للذوق العام»، وأنه «لا يعتبر منكراً». علينا أن نتوقع في الأيام القادمة عاصفة من الفتاوى حول موضوع «دلو الثلج»، لن تترك الناس يتصرفون بعفوية وتلقائية حتى في هذا الشأن الحياتي التفصيلي. بعد مرح الماء والثلج إلى مرح الفتاوى.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية