اللّحظةُ التي قررت فيها بريطانيا إجراء استفتاء شعبي على عضويتها في الاتحاد الأوروبيّ كانت تُطلق في الوقت ذاته أزمة ثقة عميقة مع الجيران الأوروبيين، وما لبثت تخسر مع تقدّم المفاوضات بين الجانبين بشأن بريكست من رصيد سمعتها عندهم لا سيّما بعد الانقسام التام حوله في مجلس العموم، والشّلل الذي أصاب نخبة لندن السياسيّة، كما الأداء السيىء لرئيسة الوزراء المُستقيلة تريزا ماي.
الأوروبيّون صدمتهم تلك الأزمة المتلفزة على الهواء مباشرة، وحفِل إعلامهم وصحافتهم بمواد تصف جارتهم بـ«الأمّة التي تنتحر»، و«المثيرة للشفقة»، و«المتعلقة بالأوهام»، ولم يسلم أحد تقريباً، سواء كبار المفاوضين أو الزعماء البريطانيين، من اتهامات ذات عيار ثقيل كما «عديم الكفاءة» أو «غير واقعيّ» أو حتى «مهرّج».
وقد أجمل نائب ألمانيّ كان يتحدّث في مقابلة تلفزيونيّة حول «بريكست» الحالة البريطانيّة بقوله: «نحن الأوروبيين بقينا لوقت قريب نرى بريطانيا أنموذجاً للدبلوماسيّة الفعّالة، والقدرة على ضبط الانفعالات، ومصنع السياسة العمليّة والواقعيّة. لكن ذلك كلّه تغيّر مؤخراً، ولا أعتقد أن ثمّة أوروبيّا واحدا ما زال يحتفظ بهذه الصورة عن جارتنا إلى الآن».
«بريكست: وراء الأبواب المغلقة»: الشّتائم موثقة
نزيف السّمعة هذا، الذي تعانيه بريطانيا، لم يكن مقتصراً على ساحة الإعلام وثقافة الطبقات الشعبيّة في أوروبا، بل هو – وفق الفيلم الوثائقي الجديد «بريكست: وراء الأبواب المغلقة» – صيغة تغلب على تفكير الفريق، الذي يدير الاتحاد الأوروبيّ (من مقرّه الرئيس في بروكسل)، حتى أن بعض هؤلاء لم يكلّف نفسه عناء إخفاء احتقاره لبريطانيا وللسياسيين البريطانيين، ووثّقت عدّة مواقف ألقيت فيها شتائم علنيّة وتهكمات قاسية، بينما هم يتابعون تطورات الأحداث في لندن، لا سيّما جدالات مجلس العموم المتكررة حول «بريكست»، ذلك رغم المعرفة الأكيدة للحاضرين بأن كلّ شيء يقولونه موثّق بالكاميرات.
الوثائقي الذي عرضته القناة الرابعة في «بي بي سي»، عشيّة التصويت للانتخابات الأوروبيّة هذا الشهر – على جزأين – تضمّن تسجيلات حيّة لأجواء عمل فريق المفاوضات بشأن «بريكست» من جهة بروكسل، بعد أن سمح عضو البرلمان الأوروبيّ (عن بلجيكا) ومنسق المفاوضات جاي فيرهوفستات لكاميرات فريق «بريكست: وراء الأبواب المغلقة» بمتابعته خلال سنتين مذ فعّلت بريطانيا طلب الخروج من الاتحاد رسمياً، وانتهاءً بالاجتماع الأخير للقادة الأوروبيين، والذي مُنحت فيه المملكة تأجيلاً أخيراً للتوصل إلى اتفاق بشأن تفاصيل (الطّلاق) أو المغادرة بدونه في موعد أقصاه نهاية شهر أكتوبر / تشرين الأول المقبل.
في الوثائقيّ مثلاً يظهر أحد مساعدي فيرهوفستات منتشياً وهو يتحدّث عن مشروع الاتفاق، الذي وافقت عليه تريزا ماي، قائلاً «لقد حولناهم إلى مستعمرة». وتضاحك آخرون بينما يتحدثون عن مفاوض بريطانيّ كبير ليعلّق أحدهم: «لقد قال لي السيّد أولي إنّه حالما تنتهي هذه المرحلة فإنّه سيتقدّم للحصول على جواز سفر بلجيكيّ».
بينما سخر فيرهوفستات نفسه عدّة مرات من تريزا ماي، كلما ظهرت على الشاشة لتدلي بتصريح لدرجة أنه استخدم أحياناً ألفاظاً سوقيّة نابية.
في لعبة الأمم لا شيء يأتي بالصدفة
لا شكّ إذن أن سمعة بريطانيا قد اهتزّت وأن تصوراً ما عن أمّة البقالين، كما سماهم أحد الأدباء الفرنسيين قد تغيّر جذرياً وعلى أوسع نطاق.
والتساؤل هنا ليس عمّن يتحمّل المسؤوليّة عن ذلك – تريزا ماي وحكومتها والنخبة السياسيّة البريطانيّة – بل هل كان الأوروبيّون أصلاً موهومين بشأن بريطانيا وأن «بريكست» مدّهم بالضوء كي يقتربوا ويروا الأمور على حقيقتها، أم أن بريطانيا كانت بالفعل «أنموذجاً للدبلوماسيّة الفعّالة، والقدرة على ضبط الانفعالات، ومصنع السياسة العمليّة والواقعيّة» قبل أن يتغيّر شيء ما في المعادلة خلال السنوات القليلة الماضية؟
لا يعرف الكثيرون – رغم أن ذلك موثّق بتفاصيله – أن صورة بريطانيا في الذهن الأوروبيّ صيغت بعناية دقيقة من قبل منظومة بروباغاندا رسميّة أسسها ووجّهها شخصياً وينستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالميّة الثانية – واستهدفت ثلاث دوائر مختلفة من الجمهور: مواد للاستهلاك المحليّ لعموم البريطانيين، وأخرى موجهة للجمهور على البرّ الأوروبيّ، كما مواد خصصت لكسب ودّ الرأي العام على الجانب الآخر من الأطلسي لتأييد اشتراك الجيش الأمريكي في المجهود الحربيّ ضد ألمانيا.
وقد تركزت الدّعاية الموجهة خلال المرحلة الأولى من الحرب عبر مختلف أدوات التأثير، أفلامٌ سينمائيّة ونشرات إخباريّة وأشرطة وثائقيّة، كما مطبوعات بأشكالها صحافاً ومجلات ونشرات، لدعم جهود المخابرات البريطانيّة إطلاق أعمال مقاومة محليّة عبر المناطق، التي سيطر عليها الألمان سريعاً، سواء في فرنسا أو بلجيكا أو النرويج وغيرها، عبر تقديم صورة مقذعة عن النازيين، وتمجيد أعمال حقيقيّة أو مختلقة للمتمردين على الاحتلال.
وكانت تلك أيضاً دعاية مفيدة لشحذ همم البريطانيين أنفسهم في مواجهة تهديد مزعوم بغزو ألماني متوقع للجزيرة، ودفعهم لتقبل الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات.
لكن بعد معركة «العلمين» الفاصلة (نوفمبر/تشرين الثاني 1942) والتي كانت لحظة انكسار الاندفاعة الألمانيّة وانقلاب الموازين لمصلحة الحلفاء، فإن تشرشل أصدر تعليماته لمؤسسة البروباغاندا الرسميّة بتحويل جهود الدّعاية نحو تكوين «صورة كليّة إيجابيّة عن بريطانيا تعظّم حظوظ المملكة في صياغة عالم أوروبا ما بعد الحرب، وتقوّي نفوذها الذي كان يأفل مقابل صعود أمم أخرى».
وهناك وثيقة من الأرشيف الوطني البريطاني كانت بمثابة تقرير كتبه عام 1942 مدير الخدمة الموجهة إلى أوروبا في «بي بي سي إيفون كيرباتريك لوصف نظرة الأوروبيين العاديين السلبيّة عموماً عن «بريطانيا المتعجرفة التي لا يمكن الاعتماد عليها، لأنها لا تدرك هي نفسها ما الذي تريده فعلاً!»، وهو أمر مذهل في مطابقته للواقع الحاليّ للنخبة البريطانيّة، بعد أكثر من ثمانين عاما، فكأن لا شيء تغيّر بالفعل.
لكن تقرير كيرباتريك تضمّن أيضاً توصيات اطلعت عليها أعلى مستويات القيادة البريطانيّة لإطلاق حرب ناعمة كبرى موازية للأعمال العسكريّة بهدف تصوير بريطانيا دولة عظمى ذات مؤسسات ديمقراطيّة تدعم التقدّم بالتوافق بدلاً من الثورات الدمويّة الفاسدة، وتمتلك ثقافة سياسيّة واجتماعيّة وفكريّة وعلميّة تؤهلها لتكون قائدة لأوروبا مرحلة ما بعد الحرب.
واقترح كيرباتريك أن يتم تمييز بريطانيا عن بقية الأنظمة السياسيّة عبر جهود الدّعاية تلك بوصفها «أنموذجاً للدبلوماسيّة الفعّالة الخالية من الانفعالات، والقادرة على اتخاذ خطوات وقرارات عمليّة وواقعيّة» وأنها «حضارة أوروبيّة أصيلة من خلال إظهار أعمال المفكرين والمثقفين البريطانيين لتبدو رائدة الفكر الأوروبيّ منذ عصر النهضة». وقد اتخذ تشرشل وقتها قراراً فورياً بتبني توصيات كيرباتريك، ووجهت ميزانيات ضخمة لتحويلها إلى دعاية موجهة مكثفة عبر قنوات السينما والتلفزيون والرّاديو، كما المطبوعات الثقافية والإخباريّة والكتب التي كانت تحملها طائرات سلاح الجو الملكي وتلقي بها للأوروبيين وراء الخطوط النازية.
تراث بروباغاندا تشرشل متناثراً
وهكذا تكرّست تلك الصورة المُختلقة عن بريطانيا وفق ما أراده تشرشل وفريقه، وساعد على استمرارها لعقود في أذهان الأوروبيين انشغال الدّول جانبي القنال الإنكليزي في عمليات إعادة بناء ما دمرته الحرب، والتحاق بريطانيا لاحقاً بالاتحاد الأوروبيّ.
كلّ ما فعلته تريزا ماي هو أنها أطاحت – على الشاشات وأمام العالم برمته – بجهود ثمانين عاماً من بروباغاندا تشرشل المتراكمة، التي تبدو معها الدّعاية السوفياتيّة مجرد لعب هواة، وحوّلتها إلى رماد تذروه رياح الحقيقة.
هذه بريطانيا – كما كانت دائماً – نخبة متعجرفة تتعلق بأوهام عظمة بائدة ولا تعرف تماماً ما الذي تريده، ويحق للأوروبيين – وغيرهم بالطبع – أن يتعاملوا معها، كما هي دون أوهام.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية بريطانية – لندن