ادلبيرت
يحار بعضنا أحيانا في التمييز بين القصيدة والأغنية، سواء عندنا أو عند الآخرين. ولعل مرد الصعوبة إلى أن القصيدة يمكن أن تُغنى؛ فيما الأغنية التي تُكتب لتكون أغنية قد لا تكون أكثر من كلمات موقعة أو موزونة أو مقفاة. على أن بعض الأغنيات مثل «ما الحياة» لأدلبار قصيدة حوارية بين الأب والبنت، تأخذ بصيغة تذكيرية تجعل الجملة الشعرية أو المغناة تتأدى في تراتيب وتراكيب مخصوصة محكومة بإيقاع من شأنه أن يشحذ فعل التذكر ويحد الطريقة التي تنتظم بها الخبرة الشعرية. ونقدر أن وعي هذه القاعدة التذكرية التي تجري عليها القصيدة هو السبيل إلى اكتناه سجلها الغنائي. ومن أظهرها:
بنية العطف وبنية الاستطراد. أما الأولى فتعطف السؤال على الجواب، وتحول دون تداخلهما. وهي بحكم تكريرها تتيح للسامع أن يظل في الصميم من السياق الذي يجري فيه الكلام وربما تتيح له أيضا استعادة هذا السياق، ما دامت بحكم ثباتها ـ تحول دون عطب المنطوق، وتبني خطا من «الاطراد» داخل بنية «الاستطراد» التي تقوم عليها القصيدة/ الأغنية. أما بنية الاستطراد فتجعل الأغنية صورة أشبه بالأحجية الصينية، وكأنها صناديق داخل صناديق، أو هي ترد في هيئة من العناقيد. وقد يذهب في الظن أن هذا الضرب من الاستطراد من شأنه أن يشتت انتباه المتلقي، وهو ينقله من موضوع إلى آخر، الأمر الذي يقتضي نوعا من الاطراد يجعل المتلقي منشدا إلى «الفضاء السماعي « الذي تجري فيه القصيدة. على أن الصيغة الحوارية تنهض بجانب من هذا الاطراد أو التواصل اللفظي الذي يحكم بنية الشفاهية، لما تتوفر عليه من دينامية الصوت أو حيويته؛ وهو أشبه بصدى يتردد في جنبات القصيدة/ الأغنية.
ولعل هذا ما يجعلها تدور على محورين متجاذبين: جسدي وذهني، تشدهما استعارة واحدة، أو هي تراوح بين هذا وذاك .فهذه القصيدة/ الأغنية أداء شفوي وبصري في آن، أو هي تنشأ في حيز من ذاكرتين متجاذبتين: سماعية من جهة وبصرية من أخرى.
الشاعر كالمغني سامع، سواء جهر بالصوت أو لم يجهر؛ أو هو المستمع الأول لقصيدته أو لأغنيته، وكأن هناك أذنا داخلية تتعهد الصوت وتراقبه، حذفا أو زيادة أو نقصانا أو تعديلا
إن الكلمات في القصيدة، كما هي في هذا النمط من الأغاني «تعبيرات»، وهذا يعني من ضمن ما يعني أن المتقبل (السامع) يعبر منها إلى المعنى المقصود؛ بدون أن يسوق ذلك إلى القول إنها شفيفة غير سميكة أو ليس لها كيان. فهذه الكلمات أو التعبيرات إنما تتمثلها المخيلة. وهي في ما نحن فيه، فتح أفق للكلمات من حيث هي «أشياء» مرئية، إذ هي التي تجسدها أو تضفي عليها هيئة أو صورة وتختزلها في «رسم خيالي». وهذا الرسم الذي يذكي الحدس مثلما يذكي الإدراك ينضوي إلى سجل المرئي، بدون أن يبرح سجل المسموع. فإذا كان الشاعر/ المغني مثله مثل الآخرين يفكر بالجسد وفي الجسد، فهو ينشد بالجسد وفي الجسد أيضا. فليس ثمة شعر خالص، مادام الشاعر ـ مثل المتقبل (السامع) ـ يقصد أو ينشد معنى ويبلغه بواسطة فعل- يحشد له الصوت والأذن معا لإنتاج خطاب يمكن للمتقبل أن يظفر فيه بالمعنى المنشود وأن يفهمه.
ولكن ذلك لا يسوق إلى القول بتماه تام بين الأغنية والقصيدة، فللسماع أكثر من خاصية تميزه عن النظر. من ذلك أنه يعقد علاقة بنفسه، ترسي «الذات» وتستدعي مجازا من نوع خاص. فالسماع على وشيجة بالصوت، بل هو الذي يعلم الصوت، أو هو الذي يراقبه. وطريقة الشاعر في أداء قصيدته، لا تتأتى بدون دربة أو مراس، ومن الصعوبة بمكان القول إن شاعرا مثل محمود درويش أو نزار قباني ينشد على السجية أو يلقي القصيدة كما يمكن أن يلقيها أي كان. فلعل إنشاد الشعر، هو الذي يضفي على القصيدة هيئتها الموسيقية المسموعة، أو لنقل إنه الإيقاع مسموعا، أو إنه يتأدى على النحو الذي تتأدى به « النوتات الموسيقية». وتترتب عن ذلك نتائج يغفلها أكثرنا، فنحن نُعنى بالقصيدة من حيث هي نص مدون أو مكتوب، ونصرف همتنا إلى اكتناه لغتها وتراكيبها وأوزانها وصورها، ونغفل عن كونها إنشادا أو غناء يتعهده الشاعر بالطريقة ذاتها التي يتعهد بها إنشاءها، وأن للإنشاد أثرا في شعرية القصيدة، وبخاصة عند الشعراء الذين يحبون أن يُغنى شعرهم.
الشاعر مثل المغني أو صاحب «الكلمات» ينشئ وينشد ويغني في آن، وكأنه يملي على نفسه. وهذا يعزز رأينا في أن الإنشاد ليس مجرد أداء لاحق على القصيدة، وإنما هو يتأدى في سياق إنشائها لحظة بلحظة، وكل منهما ينشد لنفسه قبل أن ينشد أو يغني لغيره. والإنشاد كالغناء كيفية في القول الشعري. وكيف أكتب أو كيف أقول تساوي كيف أنشد، وماذا أكتب أو ماذا أقول تساوي ماذا أنشد.
والقصيدة خاصة المغناة هي كالأغنية محفوظة في ذاكرة المغني؛ وهي أشبه بلوح موسيقي أو حامل موسيقي. إنها باختصار «نص صامت» حتى يضاف إليه اللحن.
الشاعر كالمغني سامع، سواء جهر بالصوت أو لم يجهر؛ أو هو المستمع الأول لقصيدته أو لأغنيته، وكأن هناك أذنا داخلية تتعهد الصوت وتراقبه، حذفا أو زيادة أو نقصانا أو تعديلا. وكلاهما لا ينشد بالجسد أو في الجسد فحسب، وإنما ينشد من حيث هو جسد أيضا، أي أن الكلمات ترتسم في أغوار الجسد، في حركة غير محسوسة، بدون أن يجهر بها الصوت.
وكلاهما لحظة الإنشاء/ الإنشاد/ الغناء، ذات وموضوع في آن. وإذا كان الرائي يمكن أن يكون مرئيا، لأن البصر يمكن أن يرتد إلى صاحبه ـ فإن النظر يجعل من الذات موضوعا؛ وكأن الذات غريبة عن نفسها. على حين أن السمع يجعل الجسد حاضرا لذاته أو هو يلحم الصوت والجسد معا. فالشاعر ذات تعبر، بدون أن تكون هناك مسافة بينها وبين جسدها، كما هو الشأن عندما ينظر ويرى.
أما هذه القصيدة/ الأغنية التي أنقلها إلى العربية؛ وأرجو أن يستمع إليها القارئ مغناة في لغتها الأم، فهي نص غنائي وجداني، القصد منه الغناء. على أن الأغنية في السياق الذي أنا به، موضوعها القصيدة نفسها. وفي ضوء هذا يمكن التمييز بين أغنية شعبية وأغنية «سوقية» وأغنية فنية. والأولى قد تكون مجهولة المؤلف متهم الأصل؛ أو أن مؤلفها منسي في الأغلب الأعم. وهي تنقل بواسطة التقليد الشفوي، الأمر الذي يفضى إلى تغيير تراتيبها اللحنية والوزنية. وهي تُتغنى في مقاطع يطرد لحنها، بواسطة قافية أو لازمة، بالأحداث أحداث الحياة والموت والحب… أما «السوقية» أو «الهابطة» فتتعلق بكلمات لا جدة فيها ولا طرافة من حيث التركيب والبناء والصورة. فيما الفنية تعني أثرا فنيا مغنى، يتميز بما يتوفر عليه من وحدة الإلهام: إلهام الشاعر والموسيقي. على أننا ما أكثر ما ننسى صاحب الأغنية.
ما الحياة
ما الموسيقى؟
ـ هي صوت يتعطر
ما الإحساس؟
ـ هو الروح تضطرم
والتحية؟ ما هي؟
ـ قبلة لامرئية
والحنين؟
ـ ماضٍ مأكول
والطيش؟ ما هو؟
ـ زمن نبذره
والزمن الغابر؟ ما هو؟
ـ يدكِ في يدي
والفرح؟ ما هو؟
ـ أحلامٌ تجاهد
والرفق؟
ـ ملائكة يدعو بعضها بعضا
والرجاء؟ ما هو؟
ـ السعادة وهي تنتظر
وقوس قزح؟
ـ نُصب تذكاري حي
ما معنى أن نكبر؟
ـ أن نصنع أوقاتا أولى
وما الطفولة؟
ـ النعومة في بيجاما
لكن قل لي أبي، ما الحياة؟
ـ أنت ترين يا صغيرتي
الحياة قليل من هذا كله، ولكنها أنت تحديدا أنت
ما الندم؟
ـ شبح يتسكع
والرتابة؟
ـ الرغبات وهي تذوي
ما الجوهري؟
ـ ما نعتقد فيه كل يوم
والذكرى؟ ما هي؟
ـ رسم في الذاكرة
والابتسامة؟
ـ ريح في الشراع
والشعر؟
ـ شبكية صيد ذات نجوم
ما اللامبالاة؟
ـ الحياة دون ألوان
ما العنصرية؟
ـ وهنٌ في القلب
ما الصداقة؟
ـ جزيرة الكنوز
والتسكع بدل المدرسة؟
ـ فركوشة لفيثاغورس
(اعتقال المصارع رجله برجل خصمه وصرعه)
ما الحكمة؟
ـ تنتان في التيبت
ما السعادة؟
ـ الآن الآن أو فلنْ
لكن قل لي أبي ما الحياة؟
ـ أنت ترين يا صغيرتي
الحياة قليل من هذا كله، ولكنها أنت تحديدا أنت
في حكاياتك
في بحرانك
في صخب ضحكاتك التي لا تنقطع
الحياة هنا، الحياة هنا
في دولاب ذكرياتنا
ورجائي في أن أراك تشيخين
الحياة هنا، الحياة هنا
بابا…
كاتب تونسي
شعر/ غناء لأدلبار ـ ترجمة وتقديم: منصف الوهايبي