ما التحديات التي تواجه اليسار الصهيوني اليوم؟

حجم الخط
1

يناضل اليسار الصهيوني طوال الوقت في جبهتين، ضد اليمين وضد اليسار المتطرف. اليمين هاجمه لأنه غير صهيوني، في حين يهاجمه اليسار المتطرف لأنه ليس يساراً.

 في  أثناء صراع حول إقامة الدولة، قالت الحركة التنقيحية التي أسسها زئيف جابوتنسكي بأن موقف اليسار الصهيوني المعتدل ضد البريطانيين خيانة للصهيونية، وهكذا أيضاً موافقته على خطة التقسيم المقرونة بتنازلات عن أجزاء من الوطن. ووجهت أوصاف مثل خونة وبيتان وكويزلينغ، بين حين وآخر، لدافيد بن غوريون وزعماء آخرين في حركة العمل.

بعد إقامة الدولة والصمود أمام غزو الدول العربية وترسيخ الاستقلال والاعتراف الدولي بدولة اليهود وهجرة الجمهور إلى البلاد، كان من الصعب اتهام مباي ومن يترأسها بالخيانة. لذلك، اختفت هذه النغمة بشكل عام من مصطلحات حركة “حيروت” برئاسة مناحيم بيغن، حتى لو كانت برزت من جديد أثناء جدال مشحون في مسألة التعويضات من ألمانيا.

بعد حرب الأيام الستة وبداية النقاش حول مستقبل المناطق والنظرة للفلسطينيين، عاد محرك الخيانة وبصورة أشد بإلهام من بنيامين نتنياهو. وبدأ جزء من متحدثي اليمين بوصف الاستعداد للتنازل الجغرافي وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، كموقف غير شرعي في الحوار الصهيوني، الذي يختلف معه اليمين، وتنكر لأهداف الصهيونية، إذا لم يكن خيانة حقاً، ووصلت هذه المقاربة إلى الذروة بقتل رابين. وتحول مفهوم “يسار” إلى كلمة ازدراء، وجرى عرض من هو “يساري” على الأغلب وكأنه غير صهيوني، وربما حتى مؤيد للإرهاب. ووصلت الأمور أحياناً إلى درجة أن أجزاء من اليسار خافت هي نفسها من مفهوم “يسار” مثل خوفها من مرض معدٍ.

وفي اليسار المتطرف، بالمقابل، وخصوصاً أوساط الحركة الشيوعية والمقربين منها في البلاد والعالم، تم اتهام حركة العمل الصهيونية بأنها ليست حركة يسارية حقيقية، واعتبرت حركة وطنية متطرفة وكولونيالية، بل وفاشية أحياناً. في ذروة فترة القمع والإرهاب الستالينية، كان للحزب الشيوعي الإسرائيلي وللجناح المتطرف في مبام أيضاً، وقاحة اتهام مباي بالقومية المتطرفة والكولونيالية؛ لأنها تنكرت لحقوق العرب في أرض إسرائيل، في الوقت الذي قمعت فيه الإمبريالية السوفييتية كل حركة وطنية، ليس فقط في أرجاء الاتحاد السوفييتي، (في الشيشان وأوكرانيا ودول البلطيق، وبالطبع الحركة الصهيونية في أوساط يهود الاتحاد السوفييتي)، بل أيضاً في دول شرق أوروبا التي تحولت بعد تحريرها من الاحتلال الألماني بقوة الحراب السوفييتية إلى توابع لموسكو. تحرر مبام من معظم هذه المواقف، لكنها سمعت بعد حرب الأيام الستة من جهة اليسار المتطرف في البلاد، ويمكننا قراءتها على الأقل مرتين في الأسبوع في صفحات هذه الصحيفة.

من هذه الناحية، تشبه الهجمات من طرفي الطيف السياسي على اليسار الصهيوني تلك الهجمات التي تعرضت لها الاشتراكية الديمقراطية المعتدلة في الغرب.فقد هاجم اليمين الاشتراكيين الديمقراطيين وتم عرضهم كتوأم للبلشفية والنظام السوفييتي (انظروا كتابات فريدريك فون هايك وملتون فريدمان)، في حين اعتبرهم الشيوعيون عملاء للرأسمالية. وقد بالغ الشيوعيون في ألمانيا في ذروة نضالهم ضد النازية عندما وصفوا الاشتراكية الديمقراطية بالاشتراكية الفاشية. كان فظيعاً الضرر الذي تسبب به وسم الديمقراطية هذا.

في السياق الإسرائيلي، من الواضح لماذا -سواء اليمين أو اليسار المتطرف- اختاروا محاولة تقويض، وكل لأسبابه، مكانة العنصر الصهيوني المعتدل. الحقيقة البسيطة هي أن اليسار الصهيوني كان هو المسؤول أكثر من أي مجموعة سياسية أخرى عن إقامة دولة إسرائيل وبقائها بعد حرب الاستقلال وترسيخ مكانتها في الداخل والخارج. فإنشاء الهستدروت ومساهمتها في الاقتصاد والاستيطان اليهودي في البلاد، ومركزية الحركة الكيبوتسية واسهامها في القدرة الدفاعية في 1948، ودور الهاغاناة والبلماخ في إنشاء قوة الدفاع الإسرائيلية، واضحة للعيان: ليس لليمين أي مساهمة مشابهة وموازية في تاريخ الصهيونية. إن الادعاء بعدم وجود فرق بين اليسار الصهيوني واليمين الصهيوني في الماضي والحاضر ادعاء مضلل، فالفرق بينهما كان بارزاً في اللحظة الحاسمة التي كان من الواضح فيها أن الموافقة على خطة التقسيم هي التي مكنت من الحصول على الشرعية الدولية لإقامة الدولة في أعقاب قرار 29 تشرين الثاني، وهذا صحيح أيضاً بخصوص نظرتهما المختلفة للمستوطنات بعد العام 1967. ليس صدفة أن حظيت إسرائيل في العقود الأولى على إقامة الدولة بقيادة اليسار الصهيوني وبأن ينظر إليها من قبل الحركة الاشتراكية الديمقراطية في الغرب كنموذج لسياسة التضامن الاجتماعي والتطلع إلى العدالة والمساواة الاقتصادية حتى في ظروف قاسية.

وثمة حقيقة لا يجب إنكارها، وهي وجود زلات في طريق اليسار الصهيوني، وهو مسؤول عن عدد غير قليل من الأخطاء في السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية. ولكنه أثبت نفسه في اختبار النتائج. لليمين كما لليسار المتطرف أيضاً، ليس هناك إنجازات مشابهة يمكنها أن تعادل ذلك في العالم العملي.

هذا التاريخ بالطبع ليس ضمانة على أن اليسار الصهيوني على حق في النقاش السياسي الحالي الدائر في إسرائيل، ولا يمكن تجاهل عدد كبير من الادعاءات التي تسمع من طرفي الطيف السياسي. ولكن اليسار الصهيوني يتعرض للهجوم، لأنه صهيوني، وبالضبط لأنه يسار. هذا الدمج ألزم ويلزم بتقديم تنازلات مؤلمة، لكن هذه كانت وما زالت هي مفتاح النجاح في العالم العملي.

بقلمشلومو افنري

هآرتس 5/3/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية