ما الذي تخفيه اتفاقيات السلام بين إسرائيل ودول الخليج؟

حجم الخط
1

هناك ما نخاف منه عندما يكون هناك عدم ثقة يحيط بالعلاقات بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع والقيادة الأمنية في دولة إسرائيل، وعندما تظلل غيمة قاتمة على مصداقية تقارير بنيامين نتنياهو في موضوع بيع الغواصات والسلاح الأمريكي المتطور وطائرات “إف35” لدول عربية. من شبه المؤكد أن هذا هو طرف جبل الجليد الذي يخفي قصة شيء ما اتفق عليه بين دول الخليج وإدارة ترامب بخصوص حل القضية الفلسطينية.

بالضبط بسبب المقاربة الواقعية التي تقف في أساس الاستراتيجية السياسية لدول الخليج، وتحقيق مصالح اقتصادية وأمنية، والبعد الذي تحتله سخونة حلم القومية العربية الذي ميز مصر في ظل حكم الرئيس جمال عبد الناصر والراديكالية القومية التي تميزت بها العراق وسوريا، هذه الدول بحاجة شديدة إلى شرعية عربية للخطوات بعيدة المدى التي تتخذها ضد إسرائيل. أنظمة الإمارات ودول الخليج الأخرى غير قوية بما فيه الكفاية للاستخفاف بالانتقاد الصاخب من جانب جهات معارضة داخلية وخارجية. ومن أجل ضمان استقرارها، عليها أن تكون قادرة على تبرير مصالح لدولها بمفاهيم مقبولة من التضامن العربي.

ولإضعاف حدة الانتقاد لخطوات المصالحة مع إسرائيل، يجب عليها اتباع خطوات سياسية تحظى بدعم واسع من قبل الجمهور. وليس من المستبعد أن تكون هذه الخطوات مبادرات تهدف إلى إحداث اختراقة سياسية في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين – التي ترضع من استراتيجيات عمل إقليمية على صيغة خطة السلام العربية من العام 2002 التي صاغتها المملكة العربية السعودية.

أساس هذه الخطة هو صنع سلام شامل بين إسرائيل والدول العربية والعالم الإسلامي بشكل عام، مقابل الانسحاب إلى حدود حزيران 1967. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم ترد حتى الآن على هذه المبادرة، إلا أنها مبادرة لا تزال قائمة في الوعي العربي، بل وحظيت بذكر متكرر في تصريحات حكام دول الخليج. لا يجب أن نستبعد وجود تفاهمات ضمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، بما في ذلك السعودية، التي ستقود ذات يوم إلى أسس مبادرة السلام العربية لحل المعضلة الإسرائيلية الفلسطينية التي ستطفو بالتدريج على السطح. وستشوي إسرائيل على نار المعضلة: التمترس في المكان التقليدي الذي أساسه استمرار الوضع القائم، أو انقلاب سياسي وتغيير شامل في المواقف السائدة بالنسبة للقضية الفلسطينية.

        إن هذه المبادرة من الجانب العربي، التي من غير المستبعد أن تحظى لاحقاً بالدعم الأمريكي، ستصعب على إسرائيل مواصلة وضع الدرع الأيديولوجي والتمسك بالشعارات الأمنية. وهكذا، ستمنع أي احتمالية لحل يكون مقبولاً على الطرفين. في هذه الظروف، لن تكون قادرة على الادعاء بجدية بأن اتفاقات السلام مع دول الخليج هي عكس النموذج، أي الانتقال من السلام مقابل الأراضي إلى السلام مقابل السلام، وهو ادعاء لا أساس له، والذي مع ذلك يغرس في وعي الجمهور الإسرائيلي وهم أن الفلسطينيين قد هزموا هزيمة نكراء ولن يكون لهم أي خيار عدا قبول الإملاءات الإسرائيلية التي تعني موت طموحاتهم في تقرير المصير والاستقلال الذاتي.

في الظروف الحالية، حيث تنبع المصلحة الأمريكية في دول الخليج من دمج القضايا الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية، علينا ألا نتوقع أن تعرض أمريكا المكاسب التي راكمتها في منطقة الخليج الفارسي للخطر فقط من أجل مواصلة دعم إسرائيل بشكل مطلق، التي تصمم على عدم التنازل عن نفوذها في المناطق الفلسطينية، الضفة الغربية وقطاع غزة.

من شبه المؤكد أن حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، من وجهة النظر المشتركة لمجمل الدول العربية التي تؤيد اتفاقات سلام مع إسرائيل، يقتضي أسلوباً منهجياً: أن لا يستمر تركيز الجهود على التوصل إلى اتفاقات ثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين، بل التطلع إلى اتفاقات متعددة الأطراف ذات طابع ديناميكي، بترتيبات تستند إلى علاقات سلام قائمة على الاعتراف المتبادل، إلى جانب الحفاظ على تفسيرات تعطي لجميع الأطراف القدرة على تبني مبررات وطنية ودينية لاتفاقات سياسية تميل إلى الثبات، وتبقى تعتبر كمؤقتة بمفاهيم أيديولوجية. استراتيجية مهجنة كهذه (تشجيع تسويات تميل إلى الثبات وتعدّ في الوقت نفسه أيديولوجيا مؤقتة) تحوي في ثناياها احتمالاً لتغيير بعيد المدى في شبكة العلاقات بين العالم العربي الإسلامي – السني وبين إسرائيل، وأيضاً إمكانية كامنة لإنشاء علاقات من التعايش بين هذين وبين إيران الشيعية. مقاربة من هذا النوع ستظهر في البداية وكأنها غير مقبولة، وبعد ذلك ستواجه معارضة شديدة، وفي نهاية المطاف ستصبح هذه الاستراتيجية هي التي تشكل الواقع المحتوم.

بقلمشاؤول مشعال

هآرتس 28/10/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية