ما المقابل الذي تنتظره حماس من إسرائيل ومصر؟

حجم الخط
2

المواطنون الإسرائيليون وسكان قطاع غزة وجدوا أنفسهم في تناقض غير معقول. المجموعتان السكانيتان وقيادتهما حاولتا التخمين هل ومتى ستنضم حماس إلى المعركة الجارية ضد الجهاد الإسلامي. يبدو أن سنوات طويلة لم يتم القيام في إسرائيل بتمييز حاد وحاسم جداً بين المنظمتين، فكلتاهما تعتبر منظمة إرهابية. وضدهما، وضد التنظيمات الأخرى في القطاع، تشن إسرائيل حرباً ضروساً. وبصورة ثابتة، تلقي إسرائيل المسؤولية على حماس عن كل ما يجري في القطاع. ومن هنا أيضاً فإن سياسة الرد الجارف لها في كل عملياتها العسكرية في القطاع، وبصورة تقليدية نشاط أي منظمة ضد إسرائيل جر المنظمة الأخرى.

هذه المرة تأمل الحكومة والجيش والشاباك ومواطنو الدولة أن تتصرف حماس كمنظمة رسمية مسؤولة ومنطقية، وتهدئ الجهاد الإسلامي أو على الأقل توقف سلاحه. إذا تمسكت حماس بسياسة ضبط النفس ولم توسع مستوى القتال، الذي يمكن أن تكون تداعياته أشد وأكثر مما حدث حتى الآن، سيكون على إسرائيل أن تفحص مجدداً قواعد تصرفها إزاء هذا التنظيم. وهذه من شأنها أن تقتضي منها السماح لحماس باستخدام وسائل سيطرة وإدارة، وبالأساس تمويل، تمكنها من أن تقوم حقاً بدورها كحكم محلي مستقل، بصورة تجبرها على أن تأخذ في الحسبان احتياجات إسرائيل الأمنية دون التنازل عن أيديولوجيا الكفاح المسلح. أي أن الأيديولوجيا ستستمر في تشكيل راية التنظيم، وسيتم التطبيق “بطرق مختلفة”، كما صرح قادة حماس في السنوات الأخيرة.

المكانة الكبيرة لحماس في القطاع لا تستند فقط على كمية السلاح الموجودة في حوزتها وعلى شرطتها المخيفة التي تستخدمها ضد السكان، بل تدير سياسة خارجية مستقلة وكأنها دولة، من خلال كونها لاعبة في عدة ساحات. منذ العام 2012، وهي السنة التي غادرت فيها قيادتها بسبب مواقفها المبدئية والانتقادية ضد نظام الأسد، وهي الخطوة التي أدت إلى قطيعة طويلة مع إيران، اضطرت حماس إلى أن تجد لنفسها مصادر دعم وتمويل بديلة، مصر برئاسة الرئيس محمد مرسي، رجل الأخوان المسلمين الذي استعان بحماس من أجل الهرب من السجن المصري، فتح أمامها بوابة مصر التي كانت مغلقة أمامها في السابق. أما تركيا فمنحتها إطار تمويل قوياً، وكذلك قطر.

انضم الجهاد الإسلامي في الحقيقة إلى الموقف المناهض لسوريا في تلك السنة، لكنه واصل على الحفاظ على علاقته بإيران، إلى أن تلقى ضربة شديدة في نهاية 2015 عندما قلصت إيران بحوالي 90 في المئة من حجم المساعدة التي منحتها له وأبلغته بأنه تحول من شريك حيوي إلى صديق. سبب ذلك هو أن الجهاد امتنع عن إظهار الدعم للحوثيين في اليمن ورفض إرسال قوات دعم ومدربين عسكريين إلى الساحة في اليمن. هذا الموقف وضع الجهاد في نظر إيران كجزء من التحالف السعودي الذي تشكل عند صعود الملك سلمان إلى سدة الحكم لشن حرب شاملة في اليمن.

ولكن خلافاً لحماس، لم ينجح الجهاد في أن يبني لنفسه شبكة علاقات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة. لقد استند إلى تبرعات شخصية واستمرار المساعدة البسيطة من إيران. كما أنه لم يكن بحاجة إلى حجم التمويل الذي تحتاجه حماس، كمسؤولة أيضاً عن إدارة الأجهزة المدنية في غزة.

عند عزل مرسي وتولي الحكم من قبل عبد الفتاح السيسي في تموز 2013 تم إغلاق أنبوب التوريد والتمويل الرسمي من مصر، ثم حماس وجدت نفسها إزاء نظام مصري معاد فتح حرباً ضروساً ضد الأخوان المسلمين وشركائهم، ومنهم حماس ومنظمات الإرهاب في سيناء. أغلق المصريون معبر رفح ودمروا الأنفاق التي ربطت بين غزة وسيناء وأقاموا عائقاً أرضياً عريضاً بين القطاع وسيناء. كل ذلك، إضافة إلى الحصار الشديد الذي فرضته إسرائيل وعملية الجرف الصامد في صيف 2014، وضع حماس في طريق سياسي مسدود وشلل اقتصادي أثار انتقاداً واحتجاجاً مدنياً في القطاع.

بعد سنتين على ذلك، وبوساطة حزب الله، تمت إعادة إصلاح العلاقة بين الجهاد وإيران، التي منحته حقنة تمويل جديدة، ولكن بحجم أصغر مما حصل عليه قبل القطيعة مع طهران. في المقابل، تبنت إيران التنظيم الشيعي “الصابرين” بقيادة هشام صالح، الذي انشق في 2010 عن الجهاد على خلفية خلافات شخصية وفكرية.

طمحت إيران بأن تضمن لنفسها معقلاً آخر في القطاع إزاء ما اعتبر في نظرها كولاء مشكوك فيه للجهاد، الذي انضم لحماس في خطواتها السياسية إزاء مصر في أعقاب عملية الجرف الصامد. حاولت إيران أن تفرض على الجهاد الانضمام إلى صفوف تنظيم “الصابرين”، وتعيين قادته في وظائف كبيرة في التنظيم كشرط لزيادة المساعدة، ولكن دخلت حماس في حينه إلى الصورة وبدأت بحرب لاقتلاع قواعد التنظيم الصغير. هشام صالح وعدد من المخلصين اعتقلتهم حماس، أما الجمعية الخيرية التي ترأسها وشكلت مصدراً لتمويل نشاطاته فقد أغلقت. بهذا، خدمت حماس الجهاد الذي خشي وبحق أن إيران ستحاول استبداله بتنظيم “الصابرين” أو على الأقل أن تخلق لنفسها بديلاً في حالة ظهر أن الجهاد أقل خضوعاً. لقد كان لهذه الخشية على ما يبدو ما تستند إليه. في صفوف الجهاد سبق وسمعت أصوات تعارض العلاقة الوثيقة مع إيران. إن المقولة الإسرائيلية الساحقة التي تقول إن الجهاد وإيران هما الشيء نفسه، تحتاج إلى إعادة فحص.

طورت حماس، في المقابل، علاقتها مع مصر التي كانت ذروتها في فتح معبر رفح بصورة كاملة تقريباً. وفود لحماس تم استدعاؤها إلى القاهرة من أجل الالتقاء مع رؤساء المخابرات المصرية التي ترأسها عباس كامل، والذي عينه السيسي كمسؤول عن الملف الفلسطيني.

حسب مصادر في حماس، فإن هذه النقاشات لم تقتصر فقط على مسألة الإطلاق من غزة والمواجهات مع إسرائيل. مصدر من حماس في غزة قال إنه “جرت فيها محادثات سياسية واسعة مثل علاقة حماس مع سوريا وقطر، وإمكانية المصالحة بين حماس والسعودية، وبالأساس، كيف يتم صد نفوذ إيران في القطاع”. وحسب قوله، فإن “يمكن لقيادة حماس أن تشعر بأن مصر تتعامل معها ليس فقط كتنظيم له أجندة محلية، بل كمن يستطيع المساعدة في الأجندة السياسية والإقليمية لمصر”.

تعهد قيادة حماس بمنع انتقال نشطاء تنظيمات إرهابية من سيناء إلى القطاع، الذي حصلوا فيه في السابق على ملجأ ومساعدة، والحرص على فحص من يدخلون ويخرجون عبر معبر رفح.. خلق نوعاً من التحالف الأمني بين حماس ومصر، رغم الانتقاد الذي سمع من جانب تنظيمات سلفية في غزة بأن حماس تحولت لتصبح حرس الحدود المصري. هذا في حين أن مصر نفسها تقيم تحالفاً أمنياً وثيقاً مع إسرائيل.

أوضحت حماس لمصر بأن لا يمكنها قطع علاقتها مع الجهاد الإسلامي وإيران، لأنه لا يوجد للجهاد بديل عن الجمهورية الإسلامية. ولكنها اقترحت على القاهرة تعزيز علاقتها مع الجهاد واعتباره شريكاً، بالأساس لأنه حيوي في فرض سلطة حماس في القطاع. التناقض الكامن هو في أن المصالح المشتركة بين مصر وحماس حولت إسرائيل إلى حليفة لحماس في النضال ضد إيران، في الوقت الذي تعترف فيه إسرائيل ومصر أيضاً بضرورة الحفاظ على سلامة قيادة حماس ككابح ناجع لإيران. وافقت مصر على صك الأسنان وهي توافق على تحويل ملايين الدولارات إلى القطاع من قطر، عدوتها وركيزة الأخوان المسلمين، من أجل أن تستطيع حماس تعزيز حكمها الذي وقف على شفا الإفلاس أمام الاحتجاج المدني المحلي الذي بدأ في الظهور تحت شعار “نريد أن نعيش”.

واصلت حماس الحفاظ على علاقة مع القيادة الإيرانية، وفي تموز الماضي وصل إلى طهران وفد بقيادة صالح العاروري، نائب إسماعيل هنية، ولكن كان العاروري في التصريحات العلنية حذراً من عرض هذا اللقاء على أنه انعطافة في العلاقات. “هذا اللقاء غير موجه ضد أي دولة عربية أو إسلامية. علاقتنا مع إيران جزء من شبكة العلاقات التي هي لنا مع دول تعارض المشروع الصهيوني”، قال العاروري.

بغرض المقارنة، عندما زار رئيس المكتب السياسي للجهاد، زياد النخالة، إيران في نهاية كانون الأول 2018، حظي باستقبال رسمي، وبتعهد عملي من حسين اشتري، قائد الأمن الداخلي في إيران، يقضي بأن إيران ستكون مستعدة لتدريب الفصائل الفلسطينية. رداً على ذلك، النخالة أعلن بأن الجهاد يقف بصورة كاملة إلى جانب إيران في صراعها ضد الغرب والعدو الصهيوني.

في تشرين الأول الماضي عندما وصل وفد الجهاد إلى مصر (الذي شارك فيه بهاء أبو العطا) من أجل مناقشة قضية التسوية مع إسرائيل، طرح للنقاش الموضوع الإيراني مرة أخرى. التقدير هو أنه بعد انتخابات المكتب السياسي للجهاد التي جرت في العام 2018، جاءت قيادة يسهل معها فحص العلاقة مع إيران، أو على الأقل تختلف في مواقفها بالنسبة لإيران. لهذا الغرض، وافقت مصر على أن تقدم للجهاد بادرة حسن نية، حيث أطلقت سراح 25 عضواً في الجهاد عادوا إلى القطاع مع الوفد.

رئيس المكتب السياسي، النخالة، يعتبر مؤيداً للعلاقة مع إيران، ولكن -حسب محللين فلسطينيين- هو ليس في جيب أي دولة. من يعارض علاقات حصرية مع إيران هو محمد الهندي، الذي لم يعين نائباً للنخالة بضغط من إيران، لكنه شخص مؤثر وهو عضو مقرب من النخالة، وبالأساس مؤيد لتوسيع العلاقة مع تركيا وقطر ودول أخرى. من بين الـ 11 عضواً في المكتب، 5 منهم من سكان غزة وواحد من الضفة الغربية، وشخص يمثل السجناء. في السابق كان لغزة ممثلان، وربما سيؤثر توسيع التمثيل الداخلي أيضاً على تخفيف العلاقات مع إيران.

هذه الاعتبارات السياسية لها تأثير كبير على التطورات على الأرض، منها حجم المواجهة الأخيرة. وحماس التي نجحت خلال السنين في أن تتحول إلى لاعب سياسي إقليمي، لا يمكنها السماح لنفسها بأن تكون مرتبطة بفيتو الجهاد. هذه المرة أوضحت للجهاد للمرة الأولى بأن “أخوة المقاومة” ليست تلقائية. والأكثر من ذلك، فمن دون حماس لا يوجد للجهاد أي احتمال لأن يصمد وحده في هذه المعركة. عملياً، كان هنا استعراض قوة مهم لحماس ورسالة واضحة لإيران. هذا الموقف يمكنه أن يفيدها جيداً في معركة الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني التي من أجلها ستطلب حماس المقابل المناسب، سواء من مصر أو من إسرائيل.

بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 15/11/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية