«ما بعد الإنسان»: سلطة التكنولوجيا ومحاولة إعادة اختراع الإنسانية

«مفهوم الإنسان انفجر تحت ضغط مزدوج من التقدم العلمي والمخاوف الاقتصادية العالمية. فبعد تدفق نظريات ما بعد الحداثة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الصناعة، وما بعد الشيوعية، بل حتى ما بعد النسوية المشكوك في مصداقيتها، يبدو أننا دخلنا مأزق ما بعد الإنسان». بهذه العبارات تبدأ الباحثة الأسترالية روزي بريدوتي مؤلفها المعنون بـ«ما بعد الإنسان» الذي قامت بترجمته حنان مظفر، والصادر مؤخراً عن سلسلة (عالم المعرفة) التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.

نموذج الرجل الفيتروفي

كان الإنسان هو النموذج الأمثل لكائن واثق ومُسيطر على كل ما حوله. هكذا رآه بروتاجوراس ودافنشي، حالة من التطلع إلى الكمال الفردي وبالتبعية الجماعي. إنها فكرة (الثقة). ثم يأتي هيغل لتصبح أوروبا هي الوصف الكوني للعقل الإنساني. وتتساءل المؤلفة عن موقف (الآخر) من هذه الرؤية الغارقة في الثقة، لتجيب ــ حسب توني ديفيز ــ «بأن كل العلوم الإنسانية حتى الآن كانت إمبريالية. تتطرق إلى الإنسان من منظور الطبقة الاقتصادية، والجنس والعرق.. يكاد يكون من المستحيل التفكير في جريمة لم تُرتكب باسم الإنسانية». ويأتي جيل ما بعد 1968 رافضاً الحركة الإنسانية في شكلها الكلاسيكي والاشتراكي، مُفككاً نموذج الكمال الإنساني المتوافق مع الكون، الذي صممه دافينشي ـ الرجل الفيتروفي ـ وأصبح الكمال هنا عبر الاستقلالية، وتقرير المصير الذاتي. لا يمكن استثناء سيطرة الاستعمار وأسطورة تفوّق الرجل الأبيض من الأمر.
لكن.. رغم نموذج الإنسان، وصياغة النظرية والرؤية من قبيل الرجل (الذكر) والثورة على هذه السلطة من خلال (النسوية) وبعدما تم الكشف عن أن مصطلح (مختلف عن) يعادل (أقل من). تذكر المؤلفة أن هناك تناقضاً ملحوظاً.. «فروايات نهاية العالم التي تُصاغ حول نهاية الإنسان/الرجل.. تتجاهل قدرة الحركة الإنسانية على التجديد، وحرفياً إعادة الصياغة». فالرجل الفيتروفي ينهض مراراً وتكراراً من رماده، فيستمر في التمسك بالمعايير الكونية ـ نماذج الهيمنة الاقتصادية والسياسية الحديثة إن جاز التعبير، التي تتوارى وقتاً دون أن تنتهي ـ وتشير المؤلفة في موقف لاحق إلى أن الاقتصاد السياسي الانتهازي لرأسمالية البيولوجيا الوراثية يساعد على تشتيت، بل محو الفروقات بين الإنسان والأصناف الأخرى، عندما يتعلق الأمر بالربح منها. وتدلل على ذلك برمز الرجل الفيتروفي لدافنشي، المرسوم على فنجان قهوة ستاربكس، ليسود شعار «أنا أتسوّق.. إذن أنا موجود».

موقف مُلتبس

وتأتي العلمانية كوجه أساس من الإنسانية، لكن أصبح الإيمان بها مُشابهاً لما انتقدته من الإيمان بالأديان أو الموروثات العقلية الغيبية ـ تستشهد المؤلفة بفرويد وتحذيره من الإلحاد المتعصب في كتابه «مستقبل وهم» ـ فالإيمان الخرافي هو نفسه بالضبط اليوم الإلحاد المتطرف الذي يدافع عنه ريتشارد دوكينز. فالعلم المحتفى به اليوم ليس محصناً ضد الخطابات والممارسات القومية والعنصرية، لذا يجب مقاومة أي ادعاء بالنقاء والموضوعية والاستقلالية العلمية مقاومة شديدة. فكونك علمانياً يجعلك متواطئاً مع المواقف الاستعمارية الغربية الاستعلائية الجديدة، بينما يكون رفضك لإرث التنوير، متناقضاً بطبيعته مع أي مشروع نقدي.. إنها دوامة خانقة. وبالبطع نتأكد من هذه المعضلة عندنا في الشرق، حيث يبدو أي صوت تنويري مرادفاً للعمالة الغربية والاستعمار، وما شابه من قائمة الاتهامات المعهودة.

أوروبا البدوية

وتعود المؤلفة لتوضح في ظل هذه الأزمة أن «ما بعد الإنسانية» هي.. اللحظة التاريخية التي تمثل نهاية المعارضة بين الإنسانية ومناهضة الحركة الإنسانية، وتتبع نهجاً حوارياً مختلفاً يتطلع بإيجابية أكثر نحو بدائل جديدة. وترى أن الحل أو أن هذه البدائل تتمثل في مفهوم (أوروبا البدوية) أو (التحول إلى الأقلية) أي.. مقاومة القومية وكراهية الأجانب والعنصرية، وهي العادات السيئة لأوروبا الامبراطورية القديمة، ذلك من خلال اتخاذ موقف حازم ضد متلازمة (أوروبا الحصن) وإحياء التسامح بوصفه أداة للعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى يتمثل مصطلح (أوروبا البدوية) هذا بأن تتحول أوروبا إلى أقلية، أي.. رفض الدور التبشيري الذي خصصته أوروبا لنفسها، باعتبارها مركزاً مزعوماً للعالم. وفي الأخير لا تنفي المؤلفة أن فكرتها هذه قد تبدو خيالية، إلا أنها استباقية لاختلاق رؤى ومشاريع بديلة للأزمة القائمة بالفعل.

الكتاب: ما بعد الإنسان
تأليف: روزي بريدوتي
ترجمة: حنان مظفر
إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة. الكويت: نوفمبر/تشرين الثانس 2021.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية