ما بعد حقبة ميركل: ماذا يعني انتقال الحكم في ألمانيا للاشتراكيين وكيف ستكون الحكومة المقبلة؟

علاء جمعة
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»:  أعاد فوز الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية الألمانية، المجد للحزب الذي شهد تراجعا وأفولا بعد حكم شرودر وأثناء حكم ميركل. حيث حقق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الفوز بفارق ضئيل في الانتخابات بحصوله على 25.7 في المئة من الأصوات، في مقابل 24.1 في المئة لليمين الوسط بزعامة ميركل.

وعرف الحزب مرحلة من التراجع إلى أن تدنّت نسبة التأييد له قبل عام إلى أقل من 15 في المئة في استطلاعات الرأي، وتوقع له البعض أن يصبح هامشيا تماما في الحياة السياسية الألمانية، خاصة بعد أن حل الحزب ثالثا في استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات الألمانية. وتفاقمت أزمته الوجودية مع هزيمته الكبرى في الانتخابات التشريعية العام 2017 حيث لم يحصل سوى على 20 في المئة من الأصوات، ثم النكسة التي لحقت به في الانتخابات الأوروبية العام 2019.
ومع انعدام أي خيارات أخرى للحكم، وافق الحزب قبل ثلاث سنوات ونصف السنة على تجديد مشاركته في ائتلاف أنغيلا ميركل، غير أن هذه التجربة أضعفته وخرج منها منقسما بشدة.
ومع تصاعد الخلافات الداخلية بين الجناحين اليساري والوسطي، وفقدان هويته على مرّ التحالفات مع المحافظين، بدا الحزب في طريقه إلى الزوال. وتخلص الحزب في فترة قياسية من رئيسين له، قبل أن يعين العام 2019 على رأسه شخصين مغمورين منبثقين من الجناح اليساري، سعيا لقطع الطريق تحديدا على طموحات الوسطي أولاف شولتز.
بيد أن عدة أمور منها رغبة الألمان في التغيير وضعف المرشح الرئيسي المنافس أرمين لاشيت المنتمي لحزب ميركل، وقدرة الحزب الاشتراكي على تجاوز خلافاته الداخلية، أدت إلى حدوث انقلاب في النتائج، ما حدا بصحيفة «دير شبيغل» الألمانية أن تكتب أن «الحزب الاشتراكي الديمقراطي يحتفل بنهضته».
وقالت سودا ديفيد فيلب الخبيرة السياسية في مركز «جيرمان مارشال فاند» للدراسات في برلين «كان العديد من الخبراء يعتبرونه بحكم المنتهي إلى حدّ ما، وعلى استعداد للانتقال إلى المعارضة لتضميد جراحه».
وفي حال تولي أولاف شولتز مهام المستشار على الرغم من افتقاره إلى الكاريزما، فسوف ينضم إلى نادي المستشارين الاشتراكيين الديمقراطيين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهم فيلي برانت (1969-1974) واضع سياسة الانفتاح على الشرق، وهلموت شميت (1974-1982) وغيرهارد شرودر (1998-2005).
رغم أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بات القوة السياسية الأولى وفقًا للنتائج الرسمية الأولية للانتخابات التشريعية في ألمانيا، فإن السباق على منصب المستشارية لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات. ويستعد الحزبان الديمقراطي الحر، والخضر للمشاورات الأولى لتشكيل ائتلاف حزبي يقود أول حكومة في عهد ما بعد ميركل. وقد أعلن كل من أولاف شولتز (الحزب الاشتراكي) وأرمين لاشيت (التكتل المحافظ) أنهما يرغبان في إجراء محادثات مع هذين الحزبين من أجل تحالف حكومي محتمل. ويريد حزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر (ليبرالي) وهما اللذان برزا كثالث ورابع قوة في هذه الانتخابات، إجراء مباحثات ثنائية بينهما في البداية.
وفي حال نجاح شولتز بضم حزب الخضر والليبراليين إلى التحالف معه، سيتشكل تحالف إشارة المرور، والذي يجمع ألوان الأحزاب المشاركة الأحمر والأصفر والأخضر، في حين فشل هذا التحالف قد يقود إلى تحالف بقيادة لاشيت من الحزب المسيحي الديمقراطي مع الخضر والليبراليين، يطلق عليه الألمان تحالف جامايكا، نسبة لألوان علم جامايكا.
وكان الخضر والليبراليون قد بدأوا محادثات رباعية حول المشاركة في الحكومة الألمانية المقبلة بحضور زعيمي حزب الخضر، أنالينا بيربوك وروبرت هابيك، وزعيم الحزب الليبرالي كريستيان ليندر والأمين العام فيسينغ.
ونشر الساسة الأربعة صورة للاجتماع الرباعي على انستغرام وكتبوا «بحثا عن حكومة جديدة، نستكشف قواسم مشتركة وجسورا تتجاوز العوامل المفرقة، وقد وجدنا بعضها. أوقات مثيرة».
وأعلن الحزبان أن هدفهما هو إيجاد خطوط أساسية لتعاون سياسي ووضع «بداية جديدة» لسياسة الحكومة، وقد عزم الحزبان – وهما يمثلان أقوى شريكين محتملين في أي ائتلاف ثلاثي قادم- على إجراء محادثات ثنائية بينهما أولا قبل البدء في إجراء محادثات حول تشكيل ائتلاف ثلاثي سواء مع تحالف ميركل المسيحي أو الحزب الاشتراكي. وقال فيسينغ أمام وسائل إعلام ألمانية: «يجب أن يكون لدى كل واحد الرغبة في العمل مع الآخر، ولهذا يجب توضيح ذلك في محادثات ثنائية».
من جهته أعلن الحزب الديمقراطي الحر في ألمانيا اعتزامه إجراء محادثات استكشافية حول المشاركة في تشكيل حكومة جديدة في البلاد مطلع الأسبوع المقبل مع تحالف المستشارة أنغيلا ميركل المسيحي أولا، ثم مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وتسود بعض الخلافات السياسية بين الليبراليين (الديمقراطي الحر) والاشتراكي الديمقراطي، حيث يعارض الليبراليون الذين يصنفون إلى يمين ميركل، أي زيادة في الضرائب وفرض أي ضرائب على ذوي الدخل المرتفع، في حين أن الاشتراكيين الديمقراطيين دعوا في حملتهم الانتخابية إلى فرض ضريبة على الثروة. ودعا شولتز مرارا إلى إصلاح النظام التقاعدي، ورفع الأجور، وزيادة المخصصات المالية لبعض الشرائح الفقيرة، وهو ما زاد من شعبيته لدى هذه الفئات، بيد أن هذا ولد مخاوف لدى أصحاب رأس المال في ألمانيا، حيث يخشون أن تمويل هذه الوعود الانتخابية من شولتز ستكون على حساب الضرائب التي ستفرض عليهم، وهو ما يتفهمه الحزب الديمقراطي الحر الذي يمثل هذه الشريحة ويدعو للحفاظ على توطين رأس المال، ما يبين أن المفاوضات لن تكون هينة، خاصة أن حزب الخضر سيركز بدوره على الاقتصاد الأخضر، والتنمية البيئية، والتخلص من المفاعلات النووية، واستبدالها بطاقة الرياح والوقود الحيوي، وهو ما يعني فرض المزيد من القيود على الصناعة في ألمانيا، وارتفاع محتمل لأسعار الطاقة، وهو ما يعني ضعف الإنتاج وعدم إمكانية المنافسة العالمية، وضعف الصادرات لأصحاب المصانع، وهو ما لن يوافق عليه الحزب الليبرالي بسهوله، ما يعني إطالة أمد المفاوضات.

كيف ستتشكل الحكومة بعد الانتخابات؟

تبدأ المناقشات بمجرد ظهور النتائج مع تطلّع كل من الطرفين إلى اكتشاف الخطوط الحمراء لدى الطرف الآخر وتحديد ما إذا كان بإمكانهما العمل معا. وفي اليوم التالي للانتخابات، عقدت الأحزاب اجتماعات قيادية. وسيعقد النواب المنتخبون حديثا من كل حزب اجتماعاتهم الأولى الأسبوع المقبل، مع استعداد الحزب الديمقراطي الاجتماعي والاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي للاجتماع. ويفترض أن يعقد البرلمان المنتخب حديثا جلسته الافتتاحية في موعد لا يتجاوز 30 يوما بعد الانتخابات في 26 تشرين الأول/أكتوبر.
وبعد سنوات من ائتلافات مكونة من حزبين، يحتمل أن تكون هناك حاجة إلى ثلاثة أحزاب هذه المرة لتحقيق الأغلبية، وهو أمر شائع في البرلمانات الإقليمية في ألمانيا لكنه ليس كذلك على المستوى الوطني منذ الخمسينات.
في معظم الأنظمة البرلمانية، يرشح رئيس البلاد حزبا لتشكيل الحكومة، عادة ما يكون الحزب الذي فاز بأكبر نسبة من الأصوات.
لكن في ألمانيا، يمكن لجميع الأطراف المشاركة في ما يعرف باسم «المحادثات الاستطلاعية».
وفي هذه المرحلة الأولية التي لا تحدها مهلة، ليس هناك ما يمنع الأطراف من إجراء محادثات ائتلافية بشكل مواز، رغم أن التقاليد تنص على أن يقوم أكبر حزب بدعوة أصغر الأحزاب إلى المناقشات. ودعا حزب الخضر إلى عقد مؤتمر حزبي في تشرين الأول/أكتوبر ليقرر خلاله خططه الرئيسية التي سيطرحها خلال محادثاته الاستطلاعية مع الأحزاب.
وعلى صعيد قضايا الهجرة واللجوء، ينظر العديد من المهاجرين في ألمانيا بتفاؤل لتغيير سياسي مرتقب يمس هذه الشريحة الهامة، فالحزب نادى مرارا، بتسريع قضايا التجنيس، ولم الشمل، وهما القضيتان الأساس اللتان تمثلان كابوسا مؤرقا للمهاجرين في ألمانيا.
كما أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي تاريخياً موقفاً إيجابياً من قضية الهجرة، وخلال ذروة أزمة المهاجرين التي واجهت أوروبا عام 2015 طرح الحزب، بصفته شريكا في الائتلاف الحكومي آنذاك خطة طرح عبرها رؤيته للطريقة المثلى للتعامل مع الأزمة. حيث دعا إلى القيام بالمزيد من الخطوات لمكافحة أسباب فرار الناس من أوطانهم، كما نادى بضرورة التعامل مع أزمة المهاجرين عبر التنسيق بين دول الاتحاد الأوروبي وتحمل الأعباء فيما بينها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية