لا يمكن فحص نتائج عملية “حارس الأسوار” التي يصادف اليوم مرور سنة على بدايتها، بدون النظر إلى الواقع الأمني في الأسابيع الأخيرة. ثمة علاقة واضحة بين الفترتين. فجولة القتال الأخيرة في الجنوب تركت خلفها فترة طويلة نسبياً من الهدوء في غلاف غزة، وتلتها استثمارات اقتصادية استثنائية في البنى التحتية المدمرة في القطاع.
لكن موجة الإرهاب الحالية في إسرائيل والضفة الغربية، بتشجيع نشط من قيادة حماس في غزة، تدل على أن الواقع لم يتغير جوهرياً. في نهاية المطاف، سيتم تذكر عملية “حارس الأسوار” كتعديل قاتم آخر في سلسلة متواصلة وربما غير منتهية.
جولة القتال الأخيرة في غزة بدأت بشكل عام في القدس. احتكاك زائد بين الشرطة والشباب العرب في باب العامود وداخل الحرم وفر لرئيس حماس، يحيى السنوار، فرصة لصب الزيت على النار. وعندما ناقضت حماس تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية وأطلقت ستة صواريخ نحو القدس، فإن حكومة بنيامين نتنياهو وبني غانتس الانتقالية ردت بشدة.
استمر تبادل النار 12 يوماً تم فيها إطلاق آلاف الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية، وقام سلاح الجو بقصف آلاف الأهداف في القطاع. وبعد أن تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة مصر، لم يتغير الكثير باستثناء القتل والدمار في الطرفين، رغم أن حجمها كان صغيراً نسبياً مقارنة مع جولة القتال السابقة، عملية “الجرف الصامد” في 2014.
لقد كان لإنجازات كل طرف صلة ضعيفة بعمليات القصف المتبادل؛ السنوار حاول ونجح في تحطيم سياسة التفريق بين قطاع غزة والضفة الغربية التي اتبعتها حكومة نتنياهو. الصواريخ التي أطلقت نحو القدس أعطت الضوء لمواجهات شديدة بين العرب واليهود داخل الخط الأخضر وزادت تأييد حماس في أوساط العرب الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة. كان الإنجاز الآخر في الواقع يتمثل بحقيقة أنه بقي على قيد الحياة، وبقيت منظمته واقفة على رجليها بعد انتهاء الجولة القتالية.
صورة السنوار التي نشرت بعد وقف إطلاق النار وهو جالس على الكرسي في مكتبه المدمر، رافقتها رسالة استفزاز، وهو أنه لا يهم ما تفعله إسرائيل، وحماس مستعدة لمواصلة النضال. هذه كانت الرواية التي استوعبها الفلسطينيون، والإسرائيليون بدرجة معينة.
عملياً، كانت لحماس إنجازات عسكرية قليلة. معظم الخسائر الإسرائيلية كانت بسبب إطلاق الصواريخ، التي نجح بعضها في تشويش الحياة في قلب البلاد. محاولات فلسطينية لإدخال مخربين إلى إسرائيل عن طريق الأنفاق والمهاجمة بواسطة الطائرات المسيرة وإرسال غواصين لتنفيذ عمليات على شواطئ الجنوب، كلها جرى إحباطها بدون أضرار. في المقابل، كانت نجاحات إسرائيل محدودة مقارنة مع الرواية التي يحاول الجيش الإسرائيلي سردها.
نعم، لقد لحق ضرر بمنظومة البحث والتطوير التابعة لحماس، وأصيب كثيرون من كبار قادتها، وتم تدمير أنفاق دفاعية وهجومية لها، وتم نزع الشعور بالأمن الشخصي لدى قادة المنظمة في الشبكة التي حفروها تحت الأرض. ولكن الأمر تلخص في هذا في الواقع. مسألة العملية لمهاجمة المترو، وهي شبكة الأنفاق التي قتل فيها بعض المخربين ما زالت مفتوحة ومشحونة. ففي الوقت الذي يصر فيه رئيس الأركان، افيف كوخافي، على اعتبار هذا إنجازاً كبيراً، فإن الكثيرين في القيادة العسكرية يعتبرون قصف الأنفاق خسارة لذخر استخباري لم يؤد إلا إلى نتيجة مقلصة.
سلسلة محدودة
بعد سنة، ما زال وضع إسرائيل مقلقاً جداً مقابل حماس. حكومة بينيت – لبيد تنازلت وبحق عن العادة السيئة لنقل الدولارات من قطر في الحقائب إلى أيدي السلطة في غزة. الآلية البديلة التي تبلورت والتي تعتمد على التحويلات البنكية على الأقل تسمح برقابة خارجية معينة للأهداف التي يتم نقل الأموال إليها. في المقابل، صادقت الحكومة على خطوة غير مسبوقة، وهي دخول 12 ألف عامل وتاجر فلسطيني (في المستقبل 20 ألفاً) من القطاع للعمل في إسرائيل. هذا حدث في موازاة عملية سريعة لضخ الأموال للاستثمار في البنى التحتية المدنية المتعثرة.
فشلت إسرائيل في الجهود للوصول إلى أكثر من ذلك. وقد اكتفت حماس بعملية تسوية محدودة، وتجنبت حل مشكلة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين المحتجزين لديها. ثانياً، واصل قادة المنظمة التحريض على تنفيذ عمليات إرهابية في الضفة وداخل أراضي إسرائيل مثلما هي الحال منذ بداية الموجة الإرهابية الحالية قبل سبعة أسابيع.
اضطرت إسرائيل إلى الرد على ذلك في هذا الأسبوع بوقف دخول العمال من غزة. أي أن سياسة التفريق فشلت فشلاً ذريعاً. لا يمكن إدارة غزة كساحة منفصلة، والأمل بأن حماس لن تستمر في التدخل فيما يحدث في الضفة. بالعكس، لحماس مصلحة مزدوجة في فعل ذلك، للحفاظ على نار النضال ضد إسرائيل، وأيضاً بهدف إحراج السلطة الفلسطينية في رام الله وتقويض سيطرتها في المنطقة. هذه ليست انتفاضة جماهيرية، لكن تكفي عملية قاتلة واحدة كل بضعة أيام لتقويض الشعور بالأمن الشخصي بالكامل في الجبهة الداخلية في إسرائيل، وهذا نجاح كبير بالنسبة لحماس. من هنا جاء الحرج في إسرائيل التي لا تنجح في ردع حماس عن التحريض عن بعد، بخطابات قادتها والشبكات الاجتماعية. هكذا أيضاً ولدت اقتراحات لحلول سحرية مثل تصفية يحيى السنوار.
وقف الموجة
في إحاطات لوسائل الإعلام والمشاورات الأمنية، تمسك الجيش الإسرائيلي بخط موحد يشمل ادعاءين: الأول، أن حماس ما زالت خائفة بعد الضربة التي تلقتها في “حارس الأسوار”، والثاني أن العلاقة بينها وبين موجة الإرهاب الجديدة غير مباشرة. عملياً، يبدو أن الحاجة للدفاع عن إنجازات العملية الأخيرة تطمس تحليل الواقع الحالي، والمستوى السياسي لاحظ ذلك.
صحيح أن حماس تستغل الأحداث في معظم الحالات عن طريق تبني عائلات المخربين بأثر رجعي، لكن يجب عدم تجاهل الجهود الكبيرة التي تستثمرها في التحريض التي بدت ذروتها في “خطاب البلطات” الذي ألقاه السنوار. تم حث عدد كبير من المخربين عن طريق تقارير كاذبة في الشبكات الاجتماعية حول محاولة إسرائيل السيطرة على الحرم، وهو خط تدفع نحوه حماس بكل القوة. المنشور الأخير الذي نشره أحد القتلة في “إلعاد” في الشبكة، تطرق لمحمد ضيف، الذي هو من كبار قادة حماس في القطاع.
الوضع السياسي للحكومة سيئ جداً؛ فالائتلاف بقي على قيد الحياة بصعوبة، ومخاوف الجمهور تزداد على خلفية موجة العمليات، وخطوات هجومية في الساحة الفلسطينية قد تدفع “راعم” إلى الخارج وتقوض الحكومة بشكل نهائي. ولكن خيبة أمل رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، لا تنبع من ذلك فقط؛ فمنذ اللحظة التي بدأت فيها العمليات بدأ الجيش ببث سلسلة الخطوات الحالية، وتعزيز القوات على خط التماس، واعتقالات في شمال الضفة، وتنفيذ عقوبات اقتصادية على القطاع، لإيقاف الموجة.
وجد الجيش حتى الآن صعوبة في طرح أفكار أصيلة لمواجهة الأزمة، ويتوقع استمرارها. وأمله في تلاشي العنف بعد شهر رمضان تبدد في الوقت الحالي. وفي نهاية الشهر الحالي، تنتظرنا تواريخ حساسة؛ مثل يوم النكبة، ويوم القدس (مع مسيرة أعلام ينفذها اليمين في البلدة القديمة داخل القدس). ويقف في الخلفية عدم رغبة هيئة الأركان العامة في التورط في حرب زائدة، وثمة تخوف من أن حكومة تمر في أزمة، قد تجد صعوبة في إدارة قتال طوال الأمد. ولكن كلما طالت الأزمة، تبرز الفجوة بين الطريقة التي ينظر فيها بينيت للأمور مقارنة مع وزير الدفاع غانتس وكبار قادة الجيش الإسرائيلي. قد يزداد استمرار العمليات بصورة تجعله يتدهور إلى النقاش العام.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 10/5/2022