هذا العنوان اقتباس من كتاب «إمبراطورية العلامات» للسيميائي والفيلسوف الفرنسي رولان بارت. ورد في سياق تعليقه على التصرف في تقاسيم الوجه لجعل وجه غربي يابانيا وبالأساس في تمطيط العينين عند التمثيل أو بإدخال تحويرات على الصورة الأصلية. يكون ذلك وفقا لحاجة ركحية حين يقتبس ممثل ياباني دورا أوروبيا أو أمريكيا، أو يقلد ممثلا غربيا؛ ويكون أيضا لغير الحاجة مثلما فعلت بعض الصحف اليومية حين تصرفت في وجه محاضر أوروبي جاء للمحاضرة في اليابان بأن جعلته الصحافة بعد التصرف في صورته يابانيا.
المعنى الذي عناه بارت في السياق الذي ذكر فيه العبارة أن هناك ميلا في المسرح أو في غيره إلى إكساب الشرقي (الياباني) هنا طابعا محليا طبيعيا على ملامح الوجه، وأن الوجه الذي نعتقد أنه ملمح ثابت يمكن أن يقرأ، بل يمكن أن يرسم ويغير فيه حتى يصبح مطابقا لثقافة محلية تختلف سحنات أصحابها اختلاف جوهريا. لكن القول الذي صدرنا به المقال يمكن أن يخرج من هذا السياق الضيق ليصبح بصياغته نفسها وبفكرته متصورا قابلا لأن ينطبق على كثير من الأحوال والسياقات العلامية واللسانية.
أقرأ في أخبار اليومي كيف أن عائلة عريس أرادت أن تتأكد من جمال عروسه فأجبرتها على أن تغسل وجهها بالماء وتزيل الماكياج، كي تزيل كل المساحيق التي تجلب الجمال وتصطنعه. هذا سلوك بقطع النظر عن صدقه أو كذبه، يدل على أن وجه العروس يمكن أن يقتبس له جمالا وقتيا للاستهلاك. وللتأكد من الوجه الأصلي يطلب الماء لكي يغسل الجمال الاصطناعي المجتلب؛ يراد من الماء أن يكون كالممحاة التي تزيل كل لون إضافي وتعيد إلى الأصل وجها طبيعيا تغيرت بالاقتباسات ملامحه. في هذا السياق أستحضر بيت أبي الطيب وفيه يقول: (حُسْنُ الحضارة مَجْلُوبٌ بتَطْرِيَةٍ // وللبَدَاوَة حُسْنٌ غَيْر مَجْلُوبِ) الذي عليّ أن أفهمه في هذا السياق أن المساحيق بما هي جزء من جمال الحضارة أو المدينة، تجعل الحسن مستجلبا بعناصر التطرية، ولا تجعله جمالا طبيعيا. بمعنى أن أي شخص إن أراد أن يقتبس لنفسه وجها آخر يمكنه أن يفعل بالأصباغ التي هي في هذا السياق نوع من التحلية والتطرية، لكن التطرية كانت تعني، وبشهادة المعاجم التطيب بالعطور دون غيرها من المساحيق إذ جاء في اللسان: «طرى الطيب فتَقه بأخلاط وخلصه» (لسان العرب: 15/6) للعطور أن تستشهد على جسدك بشيء يحسنه فيبعث ريحا لمن كان يتلقاك بحاسة الشم؛ فالاقتباس من هذا المعنى أن تضيف إلى جسدك الأصلي وريحَه الطبيعية ما يمكن أن يرقى به ليصبح جسما ذا طيب. لكن أرقى أنواع الاقتباس التي يعرفها الناس اليوم ليس ما أضافه العطر إلى جسدك، بل ما زادته الريشة، ريشة الأصباغ والألوان على وجهك، لذلك يصبح الماكياج ضربا من الرسم على الوجه يخفي فيه عيوبه؛ وإن شئت قلت يقتبس فيه أشكالا أخرى من الجمال التي يمكن أن تذهب بالصورة الأصلية أو بالنسخة الأصلية للملمح.
لبارت أن يقول ما قاله في سياقه الذي حلله وهو اقتباسات الوجوه، رسما أو تمثيلا أو تصويرا، ولنا أن نتأوله بالأشكال التي تأولناه بها لسانيا. ولنا أن نذهب أكثر مما ذهب حين تعتبر أن وجوهنا هذه التي نحملها يمكن أن تتعدد أشكالها فتقتبس مرة علامات الفرح ومرة علامات الحزن.
فكرة الاقتباس لسانيا فكرة مُرْبكة لأنها تجعل الكلام الوافد سيد البيت وتجعل ما كان خادما وهو الاقتباس آمرا للكلام قائدا لجياد الحروف فيه. ويأتي النص الغريب شاهدا على مضامين النص الأصلي هذا ما نقوله دائما في وظيفة الاقتباس، لكن الأمر في النصوص ليس على هذه البساطة ولا في هذا الوضوح. فيمكن في بعض سياقات الاقتباس التي لا توحي فيها المؤشرات النصية بحدوثه أن ينبت المقتبس في النص الأصلي ويورق ويزهر ويثمر فلا تميزه بما هو نبت دخيل من نبت آخر أصيل. نحن نقتبس عادة لكي نقوي فكرة في الأصل والإشكال اللساني ههنا يكمن في أن الكلام أي كلام يمكن أن يكون اقتباسا من كلام الناس، فلا يوجد كلام يومي يكون ملكا لنا ملكية ابتداعية، فنحن لا نملك لا المعجم ولا وسائل التركيب ولا علاقاته الإعرابية وإنما نملك توليفا معينا يعبر عن فكرة مخصوصة لا غير. نحن نقتبس متى أردنا لكنا لا نُساءل عن اقتباساتنا إلا في وضعيات الملكية والتحقيق: حين نقاضَى عن كلام سرقناه دون نسبته إلى «مالكه» أو حين نُقاضى عن كلام هو جُرم في حق غيرنا، عندئذ ينسب إلينا هذا وينسب إلى غيرنا ذاك، تكون الملكية مقترنة بالحق والشرع والجزاء.
ومن جهة أخرى، فإن في كل كلام وجها وخلفية: وجه الكلام هو محتواه المباشر ومثلما يحوي وجهنا البشري آنفا مواصفات وعينا بأخرى وشفة وجبهة ولحية وغيرها، كذلك الكلام يحوي مكوناته بمواصفات معينة، ومثلما أن لكل عضو في الوجه مكانه، واللعب يكون فقط على الأحجام والأبعاد، كذلك الشأن في الكلام، هناك من العناصر اللغوية ما تحتفظ بمواضعها ولا تتغير في بنيتها اللغوية، ولا التركيبية عن أصلها، الذي عليها أن تشغله، رغم حدوث التقديم والتأخير. الوجه من الكلام يقع على أرضية هي التي تجعلنا نفهم محتواه، ومثلما يمكن أن يوحي لي وجهك بنسبتك إلى أسرة أو عرق أو حضارة؛ فكذلك الكلام يمكن أن يكون مدحا أو ذما أو غيره. الكلام وجه مقتبس في أرضية معينة فحين أقول مقتبسا «لكن أكثر الناس لا يشكرون» (البقرة : 243) فأنا في الحقيقة اقتبست من القرآن ولا يمكن أن أضع الكلام الذي اقتبسته إلا في أصل يضاف إليه كأن أقول عن هند: (لي عليها يدٌ ومزايا لكن أكثر الناس لا يشكرون) وحين تقول هند في سياق الرد عليّ «إن الله لذو فضل على الناس» (البقرة: 243) وتكون قد اقتطعت من الآية نفسها جزءها الأول واقتبسته لتضعه في جملة من نوع «لا فضل إلا لله على البشر؛ إن الله ذو فضل على الناس» فإننا إزاء وجهين من الكلام يختلفان باختلاف الاقتباس لا باختلاف المعنى الأصلي. أريد أن أقول بقولي لهند إني قدمت لها ما لم يقدمه غيري لها وإنها لم تعترف ولم تشكر، فأنا أريد أن أقول لها في الأصل إنها لم تشكر. ولا أريد أن أركز على ما قدمت تركيزي على وجوب الاعتراف بالجميل. أنا في الحقيقة في هذا الوجه من الكلام أركز على الاقتباس أكثر مما أركز على ما قبله فوجه كلامي اقتباسٌ في الأصل. وفي رد هند عليّ تريد أن تقول إنما أنت حين قدمت لي ما قدمت لم يكن ذلك إلا واسطة بين الرب وعبده، وأن كل الفضل ليس إلا من الله وأن البشر وسائط. هند أيضا ترى الكلام في قوته، وقوته في الشاهد والاقتباس. الكلام وجه وأرضية وبعض وجوه الكلام أبرَز من بعضٍ وبعض الوجوه اقتباس للكلام حقيقي أو غير حقيقي. حين أقول لهند (يا بهجة الروح) فأنا أقتبس أيضا من غير أن أحيل على مصدر صريح ولو كانت هند تعرف أغنية صباح فخري الموشحة «يا بهجة الروح جد لي بالوصال» لأتمت النص بالإحالة على كلمات الأغنية نفسها، وسكون وجه الكلام عندي وعندها اقتباسان.
لبارت أن يقول ما قاله في سياقه الذي حلله وهو اقتباسات الوجوه، رسما أو تمثيلا أو تصويرا، ولنا أن نتأوله بالأشكال التي تأولناه بها لسانيا. ولنا أن نذهب أكثر مما ذهب حين تعتبر أن وجوهنا هذه التي نحملها يمكن أن تتعدد أشكالها فتقتبس مرة علامات الفرح ومرة علامات الحزن. أن تقتبس لوجهك حالة أو هيئة يعني أن ذلك الوجه جعل لوحة بيضاء يمكن أن تستوعب اقتباسات كثيرة.
لكن أكثر المعاني صلابة في اعتبار الوجه اقتباسا ما، هو أن تعشق وجها وترمي عليه كل أشيائك وكل أفكارك وكل أطوارك؛ وحين تراه تبدأ الرحلة مع اقتباسات الرجوع وتستهل مواسم التيه مع اقتباسات الإسطرلاب القديمة والبوصلة الحديثة وأحيانا حين يضيع وجهك لن تجده كل بوصلات العالم لأنه سيكون اقتباسا في قلب ما يحتفظ به ويخفيه.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية