ما توابع فضيحة ريال مدريد أمام مانشستر سيتي؟

عادل منصور
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: في واحدة من ليالي ألف ليلة وليلة، تفنن مانشستر سيتي في إذلال ضيفه ريال مدريد، مكتفيا برباعية نكراء في شباك الحارس المغلوب على أمره تيبو كورتوا، وذلك في القمة الإنكليزية الإسبانية، التي جرت على ملعب «الاتحاد» في إياب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، ليضرب النادي السماوي موعدا مع الإنتر الإيطالي في نهائي العاشر من يونيو / حزيران المقبل في العاصمة التركية القديمة اسطنبول، بعد فوز النيراتزوري على جار المدينة ميلان بثلاثية نظيفة في مجموع مباراتي الذهاب والعودة، بواقع ثنائية على مرأى ومسمع مشجعي الروزونيري، وهدف لاوتارو مارتينيز في سهرة ثلاثاء «جوسيبي مياتزا».

مذبحة كروية

على غير العادة في هكذا مواعيد، تخلى المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، عن فلسفته الزائدة وتلك القرارات المفاجئة، التي كانت سببا بطريقة أو بأخرى في خروجه من الأدوار الإقصائية في السنوات الماضية على يد موناكو وليفربول وتوتنهام وليون والعام الماضي أمام الريال، بدليل أنه اعتمد على نفس التشكيلة الأساسية التي خاض بها ذهاب «سانتياغو بيرنابيو»، وبنفس الرسم التكتيكي 3-6-1، باللعب بالثلاثي كايل ووكر وروبن دياز ومانويل أكانجي في الدفاع، وأمامهم جون ستونز، في مركز الليبرو القديم، لكن بتعديلات غوارديولية، كلاعب وسط في حالة الهجوم، ليس فقط لتقديم الدعم والحلول في تدوير الكرة في وسط الملعب، بل لضمان الزيادة العددية بلاعب إضافي في أم المعارك، وهذا ما خلق الحصار السماوي، الذي جعلنا نشعر وكأن ريال مدريد يخوض المباراة بتسعة أو عشرة لاعبين أمام فريق كامل العدد. ويكفي أننا طوال الـ45 دقيقة الأولى، كنا نشاهد «تقسيمة» غير متكافئة في نصف الملعب الأبيض باستثناء تسديدة توني كروس، حتى أن الكاميرات والعدسات في البث الحي، ظلت مثبتة على ما يحدث من اغتصاب كروي في مناطق الريال المحظورة.
وما زاد الطين بلة، القراءة غير الموفقة من قبل المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، الذي لم يتعلم الدرس جيدا، عندما تسبب القدر في إبعاد البرازيلي إيدر ميليتاو عن المباراة الأولى بداعي تراكم البطاقات الصفراء، لتظهر قيمة الألماني أنطونيو روديغر، بنجاح يُحسد عليه في مراقبة الغول إيرلنغ براوت هالاند، والحد كثيرا من خطورته، بيد أن الميستر كارليتو، أبى أن يضع ثقته على الرهان الرابح والمضمون، بإعادة ثنائية ميليتاو وديفيد آلابا في قلب الدفاع، ليحدث آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره في ولايته الثانية مع الملكي، بانهيار كامل للمنظومة الدفاعية، بمشاركة الفرنسي إدواردو كامافينغا، الذي قدم واحدة من أتعس مبارياته منذ قدومه إلى مدينة «فالديبيباس»، متسببا في استقبال الهدف الأول، بسقوطه فريسة للعمل الجماعي المميز في جبهته، وفي الثاني، ترك مكانه وذهب إلى أقصى الرواق الأيمن، في لقطة أربكت الدفاع بأكمله، وفتحت الباب على مصراعيه أمام نجم المباراة الأول بيرناردو سيلفا، لإضافة الهدف الثاني له والفريق بعد 37 دقيقة من الكمال الكروي بالنسبة للمان سيتي، والعكس بالنسبة لحامل اللقب، الذي دفع ثمن مبالغته وتحفظه دفاعيا، وتأخر المدرب في تخفيف الحصار عن ثلاثي الوسط كروس ومودريتش وفالفيردي، الذي أدى بالتبعية إلى انقطاع التواصل تماما مع ثلاثي الهجوم كريم بنزيمة وفينيسيوس جونيور وردريغو غوس، لتكون النتيجة، تلك المذبحة الكروية المكتملة الأركان، التي كانت لتنتهي بفضيحة كروية غير مسبوقة في تاريخ زعيم القارة في الشوط الأول، لولا إبداع تيبو كورتوا واستبساله في 3 أو 4 فرص محققة بنسبة 100%.

كلمة السر

صحيح أن الأصلع العبقري، افترس أنشيلوتي تكتيكيا على مدار الـ90 دقيقة، لكن ما مكنه من فرض سيطرته بهذه الطريقة، هو التخطيط السليم، والتخلي عن قناعته التي كانت تقوده إلى التهلكة في ليالي الأبطال الحساسة، وتجلى ذلك في التفوق البدني الهائل على المنافس، وهذا ما توقعناه في أواخر الشهر الماضي في قصة بعنوان «من يقدر على إيقاف غوارديولا والإعصار السماوي؟»، بفضل ما يُمكن وصفه بـ«بعد نظره»، في ما يخص مبدأ المداورة وتوزيع دقائق اللعب بين شركاء كيفن دي بروين وهالاند، كما يفعل مع رياض محرز وفل فودن وجوليان ألفاريز، بمنحهم دقائق مقنعة على مستوى البريميرليغ والبطولات المحلية، منها كي يحافظ على مستوى المنافسة الحادة بين الجميع على مركز أساسي، ومنها كي يحقق هدفه المنشود، بالحفاظ على أعلى معدل بدني لكل اللاعبين في أسابيع جني الحصاد في نهاية الموسم، وهذا ما حدث في آخر دقائق مذبحة الأربعاء الماضي، وتحديدا في لقطة رصاصة الرحمة الرابعة، التي جاءت بتعاون يُدرس من البديلين محرز وفودن، وانتهت بلمسة من البديل الثالث ألفاريز في شباك أفضل حارس مرمى في العالم، وهؤلاء ما يُعرفون بالبدلاء السوبر، الذين يحلم بهم أي مدرب في العالم، كأسلحة فتاكة بالمواصفات القياسية للفرق التي تطمع في اكتساح كل البطولات، وهذا ما يمكن حدوثه في غضون 3 أسابيع من الآن، مع اقتراب السيتيزينز من إبقاء لقب البريميرليغ في مكانه التقليدي في قلعة «الاتحاد» للعام الثالث على التوالي. فقط يتبقى اختبار الجار والعدو مانشستر يونايتد في نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي المقرر في الثالث من يونيو / حزيران، ويتبعه النهائي الحلم أمام الإنتر في 10 من الشهر ذاته. وفي المقابل، كانت جُل المؤشرات والتوقعات تستبعد فوز الميرينغي ووصوله الى المباراة النهائية للعام الثاني على التوالي، في ظل التفاوت الواضح بين أداء وإيقاع الفريق هذا الموسم وبين الوضع في موسم ثنائية لقب الليغا رقم 36 والكأس ذات الأذنين الرابعة عشرة، فضلا عن العروض والنتائج المخيبة للآمال على مستوى الدوري الإسباني، والتي وضعت النادي في موقف حرج، بمشاهدة برشلونة يتوج باللقب بفارق 14 نقطة وما زالت قابلة للزيادة، إلى جانب علامات الاستفهام الكبيرة حول أداء أسماء معينة، وفي مقدمتهم القائد الهداف بنزيمة، الذي فقد الكثير من بريقه وتأثيره في الليالي الكبيرة، لمعاناته بدنيا من لعنة الإصابات التي أبعدته عن الملاعب لفترات طويلة هذا الموسم، وتأثره ذهنيا بمشاكله مع مدرب المنتخب ديدييه ديشان، التي حرمته من فرصة اللعب في آخر مونديال في مسيرته الكروية، وكذا توني كروس، هو الآخر يعاني من تذبذب في المستوى، تارة يكون في القمة، كما أبدع أمام ليفربول، وتارة أخرى يختفي، مثل مباراة الأربعاء الماضي، حتى فيد فالفيردي، أصيب بهذه العدوى، بعد بدايته الصاروخية في النصف الأول، حين تحول إلى مدفع لإطلاق الصواريخ الحارقة للشباك، وقائمة طويلة، يُستثنى منها أسماء تعد على أصابع اليد الواحدة، في مقدمتهم كورتوا وفينيسيوس جونيور، وأضف إلى كل ما سبق، الفوارق الشاسعة بين جودة وخبرة بدلاء السيتي ونظرائهم في الريال، والحديث عن تأثير تشواميني وسيبايوس وفاسكيز وأسينسيو، مقارنة بتأثير محرز ورفاقه البدلاء.

مؤشرات عصر جديد

تخبرنا الأسطورة القديمة، أن الحظ لا يبتسم أبدا إلا الى المجتهدين، وبوجه عام، من المستحيل أن يدوم طويلا، فما بالك بفريق اعتاد على إهانة كبار وطنه بنتائج عريضة، والمقصود المعروفين بالستة الكبار في الدوري الأشهر والأكثر تنافسية في العالم، ولعلنا نتذكر الفعل الفاضح، الذي ارتكبه بيب وفريقه السيتيزنز في حق «الشياطين الحمر» في دربي نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، الذي أقيم على ملعب «الاتحاد»، وانتهى بانتصار كاسح لأصحاب الأرض وصل قوامه الى سداسية مقابل ثلاثة، وتبعها بما تُعرف برباعيات الخيام بدأت بالمنافس اللندني توتنهام برباعية مقابل اثنين في التاسع عشر من يناير / كانون الثاني، وأخرى في ليفربول لكن بنتيجة 4-1 في أول أيام ابريل / نيسان الماضي، وهي نفس نتيجة الانتصار الحاسم على آرسنال في قمة الـ26 من الشهر الماضي، حتى تشلسي لم يفلت من هذه الفضائح الكروية، بسقوطه برباعية نظيفة في الدور الثالث لكأس الاتحاد الإنكليزي، فقط المنافس الكبير الذي هرب من هذه المقصلة، كان على المستوى القاري، وهو بوروسيا دورتموند الألماني، بهزيمة عادية بنتيجة 2-1 في دور المجموعات. أما البقية، فسقطوا تباعا في فخ النتائج العريضة، بداية من رباعية إشبيلية مرورا بخماسية كوبنهاغن وسباعية لايبزيغ، نهاية بثلاثية بايرن ميونيخ في ذهاب الدور ربع النهائي، قبل أن يأتي الدور على كبير القارة، ليتجرع من نفس الكأس، في ما يمكن اعتباره، بمثابة المؤشر الحقيقي لحدث جلل منتظر في عالم كرة القدم، أو بعبارة أكثر تبسيطا، مؤشرات لتغيير كبير في شكل وطبيعة المنافسة على أمجد بطولات القارة العجوز في المرحلة القادمة، مع وضوح نوايا بيب غوارديولا، بامتلاك هذه الهيمنة الفنية والنفسية والبدنية، بنفس الفريق الذي كان يبحث عن شخصية الفريق التقليدي في مراحل خروج المغلوب في دوري الأبطال، ولعلنا نتذكر معاناة كل من تناوب على تدريب السيتي في فترة ما قبل الفيلسوف، بالظهور بشخصية قوية على المستوى المحلي، وصورة أخرى باهتة في دوري الأبطال.
وهي اللعنة التي ظل يعاني منها غوارديولا، من دون أن يرفع الراية البيضاء، حتى بعد صدمات كانت كفيلة بتحطيم مشاريع كاملة، على غرار الخروج الدرامي أمام توتنهام في نصف نهائي 2019، وضياع اللقب أمام تشلسي في نهائي 2021، بل في كل مرة، كان يعود أقوى من أي وقت مضى، بما في ذلك نكسة الموسم الماضي، بعد خروجه أمام الريال بشق الأنفس في نفس المرحلة، وها هو الآن، يعود بنسخة تحاكي أعظم مشروع في مشواره مع برشلونة، الفارق، أنه يعوض عبقرية ليونيل ميسي في سنوات الذروة، بالخيال العلمي، الذي يقدمه سيلفا وغريليش ودي بروين وهالاند، ومن ورائهم القصير الماكر إلكاي غندوغان، ملك المساحات الضيقة وصاحب القدرة على الاحتفاظ بالكرة في أي مكان من الملعب، وتمريرة بدقة إلى الأمام، كما أمتع أعين المشاهدين، بتمريرة عقب القدم لهالاند، التي أسفرت عن الانفراد، الذي أفسده الاخطبوط البلجيكي ببراعة، من دون أن ننسى دور رودري المؤثر، كمايسترو يؤدي نفس دور وكفاءة بوسكيتس في سنوات صعوده تحت قيادة بيب في عصر البارسا الذهبي. الشاهد عزيزي القارئ، أنها مؤشرات عصر هيمنة وسيطرة سماوية على القارة العجوز في المرحلة القادمة، شريطة أن تكتمل للنهاية، وينجح في كسر العقدة في نهائي ملعب «أتاتورك»، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن غوارديولا سيسير على خطى السير أليكس فيرغسون وينجح في اقتناص ثاني ثلاثية في تاريخ أندية البريميرليغ كبداية لحقبة جديدة في إنكلترا وأوروبا؟ أم سيكون لسيموني إنزاغي ورجاله رأي آخر؟ هذا ما سنتناوله معا عندما يحين موعد النهائي.

توابع الزلزال

بالنسبة لريال مدريد، فمن المؤكد ستكون هناك الكثير من التوابع العنيفة لزلزال أو فضيحة مباراة «الاتحاد»، منها التداعيات التي ستهدد مصير ومستقبل المدرب كارلو أنشيلوتي، ومن تابع ردود الأفعال في وسائل الإعلام الإسبانية بعد الرباعية، لاحظ الهجمة الشرسة على المدرب الإيطالي، بوضعه ككبش فداء للهزيمة وحالة التخبط التي يعيشها الفريق، بإصراره على نفس الفكرة التي نجح بها الموسم الماضي، بحصر التركيز على لعبة «مرر لفينيسيوس» وانتظر الهدايا، على طريقة منتخب مصر في عصر المدرب هيكتور كوبر، حين كان يطلق الإعلام المحلي على خطته «باصي لصلاح»، لذا، قد يضطر الرئيس فلورنتينو بيريز، بالتضحية بعراّب العاشرة والرابعة عشرة قبل عام من انتهاء عقده، رغم تأكيده في أكثر من مناسبة خاصة، عدم وجود ما يدعي لتوجيه الشكر لكارليتو في هذا التوقيت، لكن هذا سيتوقف على مدى توافر البديل القادر على انتشال الفريق من براثن الضياع، لتجنب مواجهة مصير برشلونة بعدما فقد الكثير من هيبته وشخصيته عقب ريمونتادا «الرابع سجله أوريغي»، وهو نفس سياق التصحيح، حيث ستكون هناك وقفة كبيرة مع الأسماء التي تتقاضى عشرات الملايين، من دون أن تقدم إضافة ملموسة للفريق، وعلى رأسهم أسوأ صفقة كبرى أبرمها النادي في تاريخه إيدين هازارد، الذي قدم كل أوراق فشله في تجربته المدريدية، باستسلامه للعنة الإصابات، وظهوره بنسخة متواضعة للغاية في دقائق لعبه المحدودة منذ العام 2019 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، فضلا عن حاجة الفريق للتخلص من صداع النقص العددي الحاد في مركز الظهير الأيسر، بسبب كثرة إصابات الزجاجي الفرنسي فيرلاند ميندي، ونفس الأمر ينطبق على داني كاربخال في مركز الظهير الأيمن، الذي يحتاج دماء جديدة بجودة وكفاءة القميص الأبيض، إلى جانب التخلص من اللاعبين الموظفين وما أكثرهم، نتذكر منهم ماريانو دياز وألفارو أودريوزولا وباقي الأحمال الزائدة في الفريق. وفي المقابل، سيتعين على الرئيس بيريز ومجلسه المعاون، اقتحام الميركاتو الصيفي من الباب الكبير، للتخلص من نقاط الضعف والمشاكل التي يعاني منها الفريق، مثل صداع عدم وجود بديل للهداف كريم بنزيمة في مركز المهاجم رقم 9، وغياب الحلول في الوسط عندما يقل عطاء لوكا مودريتش ابن الـ37 عاما، مع كوارث الظهيرين الأيمن والأيسر، فهل سنشاهد قرارات مدريدية كبيرة في نهاية الموسم؟ أم سيراهن بيريز على خبرة أنشيلوتي وشخصية الريال في الموسم الجديد؟ هذا ما سنعرفه قريبا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية