ما حلاها عيشة الفلاّح

هذا المقال أو هذا النصّ، ليس أكثر من تحيّة إلى روح بيير رابحي عالم البيئة، بل الفلاّح الذي رحل عن عالمنا نهايات 2021، أكتبه مطّردا حينا، مستطردا حينا. ولم يكن من دافع إلى كتابته، وأنا أعود إلى سيرة رابحي؛ سوى أمرين يتعلّقان بي: أحدهما أصولي الريفيّة التي لا أزال أحتفظ بها، وأنا أستاذ منذ خمسين سنة، على قدر ما أنا «فلّاح»؛ والآخر رأي لي وهو أنّ الشعر ينضوي إلى الجغرافيا أكثر ممّا ينضوي إلى التاريخ. وللجغرافيا أحكامها، أو هي تصنع التاريخ قبل أن يصنعها. وقد حرصت في ما يخصّني أن تكون نصوصي في الصميم من شعريّة متنوّعة تتمثل أساسا الفضاء المتوسّطي في صوره الجغرافيّة والتاريخيّة والأسطوريّة. وهو فضاؤنا نحن المغاربيّين بامتياز. على أنّ المكان إنّما يحضر في علاقته الملتبسة بالماضي والحاضر معا، وليس في سياق الزمنيّة الخطيّة التي لا تناسب الزمنيّة الشعريّة؛ وهي في الشعر حاضر أبدي، لا يحتاج الشاعر بموجبها إلى أن يعيد إحياء «الموتى» فهم حاضرون في قصائده، وهو يحاوروهم باستمرار قدماء ومعاصرين، على نحو ما نحاور جغرافية الصحراء في الشعر العربي الأقدم.  وفي الشعر والفن عامة، فإنّ تجميع تفاصيل المكان أكانت متجانسة أم لم تكن، بدلا من تبسيط العالم؛ هو الذي يمنح النص قوّته، ويشرع القراءة على وجهه الخفي، ويضيء المعتم فيه معجما وبناء. والنصّ الذي يتمثّل المكان ويستنطقه ليس متاهة ولا ميدان تضليل.
تلك هي بإيجاز شعريّة تفاصيل المكان الجغرافي، وهي أشبه بـ«القياس الأقرن» أو بالبرهان ذي الحدّين الذي يكره الشاعر على اختيار واحد من بديلين. فقد يزاحم التفصيل مفردات النصّ، بل قد يتقدّمها؛ وقد يظلّ في خلفيّته أو من خفاياه، أو هو يخالسنا النظر، دون أن نظفر به. بل لعلّ التفاصيل قضيّة تبادليّة أو تخيير بين أمرين بما يسوق إلى حدّ التفصيل من حيث هو جزء صغير من صورة أو من شيء ما أو مجموع ما؛ ومن ثمّة يمكن اعتباره متمّما أو تابعا يلحق بالأصل، من جهة؛ أو هو ينهض بوظيفة إشاريّة، من جهة أخرى؛ فهو محصّلةُ واضع التفصيل، أو أثر حركته. وهذا ممّا يجعل هاتين الطريقتين مترابطتين في تمييز تفصيل من تفصيل وإبانته.
كانت النجوم قد بدأت تخبو، و«عين مجّونة» الدشرة الصغيرة التي تتوسّد سفح جبل «الطويلة» في أرياف القيروان تستيقظ، والرّعاة يسوقون مواشيهم إلى المراعي، والنسوة يصوّبن بحميرهنّ وجرارهنّ ناحية العين. على أنّ «دشرتنا» اليوم، بما داخلها حتى في معمارها، من أوجه الحضارة الوافدة؛ بشتى مواثيقها واستعمالاتها، قد طوتها هي وزمانها، وانتشر مكان وزمان جديدان على نحو ما تنتشر الصورة وتنفسح. وكأنّ انتشارها من ضيق فضاءاتنا على رحابتها، وانغلاقها على انفتاحها؛ ليس أكثر من مجلى الغياب الأقصى، بل غياب الذات نفسها. بل هي خلت حتى من الحيوانات الأهليّة، تلك التي نستطيع كما يقول والت ويتمان أن نتجوّل معها ونحيا. تلك التي لا ترقد يقظة في الظلام، ولا تبكي ذنوبا اقترفتها. وليس فيها من هو مجنون مهووس بامتلاك الأشياء. وكانت العرب تقول: الناس هَوْسَى والزمان أَهْوَس؛ فهم يأْكلون طيّبات الزمان، والزمانُ يأْكلهم بالموت.
كان بيتنا يقع في «حوش العائلة» الذي بناه جدّي بعد عودته سليما، من الحرب العالميّة الأولى. وفي هذا «الحوش» تتلاصق بيوت أعمامي وذويهم. ولكنّ بيتنا هو الوحيد الذي لا يُفتح على الحوش، وقد كان فيما مضى كسائر بيوت أعمامي؛ بيْد أنّ أبي آثر أن يطلّ على البستان الصغير الذي أوقفت عليه أمّي جهدها، وسخّرت له وقتها تسقي شجيراته بعرقها وعزمها العجيب الذي لا يلين؛ فقد كانت تغدو وتروح إلى عين الماء وهي على مسافة سبعة أو ثمانية كيلومترات، حاملة جرّتها على ظهرها. وظلت إلى أن أخذها الموت منّا ـ بعد رحيل أبي بأقلّ من ثلاثة أشهر ـ وأخذتنا الحياة منها، منتصبة بقامتها القصيرة النحيفة وعزيمتها التي لا تنكسر.
أستحضر كلّ هذا وأنا أقرأ سيرة بيير رباحي وحواره الشيّق العميق مع إدغار موران. فمنذ عام 2020 حيث يخيّم الكوفيد على العالم ويحصد أرواح الملايين، وما رافقه ولا يزال من الكوارث البيئيّة والاقتصاديّة، كان لدى خبير البيئة الزراعيّة الكثير ليقوله لنا، ويعلّمنا دون بهرج أو أدّعاء. وهو الحوار الذي أداره دينيس لافاي، وكان كما يقول لقاء باهرا، وتبادل أفكار بذهن وقّاد بين عالمين فذّين، ورسالة متوهّجة. كان لحظة نعيم ونوعا من المعجزة؛ إذ كان الاثنان معا، يوطّئان السبيل لفكر جديد حيث ينير الشعر والحبّ والذكاء الطريق نحو» إنسانية متجدّدة وأخوّة روحيّة.
تقوم الإيكولوجيا الزراعيّة أو «علم البيئة الزراعي» على مجموعة من القواعد والتطبيقات، من شأنها أن تنشئ نظامها البيئيّ الخاصّ، وتعقد علاقاتها الخاصّة بين الكائنات الحيّة المختلفة (النباتات والحيوانات). وهذه المقاربة الزراعيّة متعدّدة الأنواع، متنوّعة المشارب هي التي اعتمدها بيير رابحي بعد تمرّن وخبرة ومراس. وهي بشهادة أهل الذكر التجديد الحقيقي للزراعة. بيْد أنّ ثروتها ومنافعها لا تنحصر في هذا الحيّز الوحيد؛ ذلك أنّ تجربة رابحي «مجتمعيّة» بالأساس، تشرك المجتمع، وتدعو الجميع إلى المساهمة كلّ «بنصيبه» مهما يكن محدودا في الصالح العام. وهو الذي ساهم بقوّة في تعزيز الوعي البيئي بين عامّة الناس في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دون إضفاء أيّ محتوى سياسيً على عمله. . بل إنّ فلسفته البيئيّة طريقة في ابتعاث المستقبل وتصويره في صورة الذي يحدث في الحال، أو كأنه يحدث هنا/الآن.
تثير هذه التجربة على نحو ما نقرأ عند رابحي ودارسيه ومريديه وهم كثر، قضايا وتأمّلات، وتستدعي وجهات نظر، يتحرّى أصحابها جيّدا ما وراء الثقافة الوحيدة للأرض: فهي تسلّط الضوء على التكافل الإنساني الذي يفتقده البشر أحيانا خلال الانقلابات في هيئة كلّ زمان ومكان. وهو الذي يقول بـ«علم اجتماع الوعي، علم اجتماع النفوس». وهو ما يتعذّر اختزاله في علم الاجتماع البشري، كما يبيّن دينيس لافاي؛ إذ يمكن لأيّ منّا أن يكون جزءًا من العائلة نفسها، لكن دون أيّ تفاهم أو تعايش. ولعلّ في هذا ما يسوق إلى اختزال «الفرديّة» لكي يتيح فهم الأمور المتعلّقة باستعمال «أنا» في هذا النّمط من التجربة. والفرد بهذا المعنى «مفرد بصيغة الجمع» ذلك أنّ «الأنا» التي ينشدها رابحي، ليست إلاّ الواصل الذي يمكن أن يكون «نحن»، بما يسوق إلى القول إنّ أيّا منّا متضمّن في «أنا» مثلما هو متضمّن في»نحن» أيضا. إنّ «أنا» أشبه باسم لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى؛ صلة أساسها علاقة تماثل. ولكن ثمّة دائما شيء ما يتجاوز «سيرتنا الحيّة [المعيشة]» كما في سيرة رابحي نفسه. كانت والدته الجزائريّة تعاني من مرض السلّ، فعهدت به إلى أبوين فرنسيّين تبنّياه. وفي فرنسا اختار عام 1960 هو وزوجته «العودة إلى الأرض» حسب تعبيره؛ أي الريف. وهناك تعلم الزوجان زراعة الأرض وتعديلها وإغناءها أي «الزراعة العضوية». واستطاعا أن يحوّلا الأرض الوعرة إلى مزرعة منتجة. وأصبح الفلاّح الصغير خبيرا دوليا ذا قيمة، استعانت به دول إفريقيّة غير قليلة. ولكنّه عرف كيف تكون الكتابة كالحراثة، وكيف تكون يد القلم أخت يد المحراث. كانت يطيب له أن يروي حكاية «الضرّيس» أي العصفور الطنّان الصغير زاهي الريش طويل المنقار، وقد شاهد النار وهي تلتهم أشجار الغابة، والحيوانات المروّعة تنتصب عاجزة؛ فيطير هو ويجلب بضع قطرات من الماء، بمنقاره؛ ليطفئ النار. وإذ تقول له ساخرة: «ألست بمجنون؟ أنّى لك أن تطفئ النار بهذه القطرات؟» يجيب: «أعرف.. وإنّما أقوم بدوري».
من رابحي، نتعلّم أنّ انهيار الآمال السياسية الكبيرة؛ يمكن أن يفضي إلى تحديث فكرة قديمة: فلتغيير العالم، فإنّ كلّ ما علينا فعله هو تغيير ما بأنفسنا، وإعادة ربط وشائج القربى بالطبيعة التي يدمّرها التحديث واستنزاف الأرض. على أنّ رفضه الانخراط في حركات النضال البيئية، مثل» نوتردام دي لاند» أو لاحقا حركة المناخ، عزله عن الشباب وعن ديناميكية الاحتجاج الجديدة.
أمّا أغنية محمود بيرم التونسي، بصوت محمد عبد الوهّاب أو الفاتنة الشاميّة أسمهان التي شقّت سماءنا كنصل البرق: «ما احلاها عيشة الفلاح متطمن قلبه مرتاح/ يتمرّغ يتمرّغ على ارض براح والخيمة الزرقا ساتراه…». فما زلت أتذكّر، وأنا في الريف القيرواني أستاذنا الراحل الكبير توفيق بكّار أواخر الستّينات؛ وهو يحيل عليها باسما ساخرا، في درسه عن رواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي، ويشرح لنا معاناة الفلاّح المصري وشقيقه التونسي.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية