بعد الظهيرة في محل لبيع البيتزا في الطيرة تجمع عدد من الشباب على شكل برلمان حول طاولات عليها كؤوس القهوة وعلب السجائر وأوراق اليانصيب. عناوين الصحف المنتشرة حولهم تصرخ بأحداث مساء الأمس: “صفقة القرن” للرئيس ترامب التي عرضت في البيت الأبيض دون حضور ممثل فلسطيني.
القضية التي شغلت من يجلسون حول الطاولات ستؤثر إذا تم تنفيذها على حياتهم بشكل مباشر، وهي نقل سكان قرى المثلث الذين هم داخل الخط الأخضر إلى مناطق الدولة الفلسطينية العتيدة. فتحي دعاس، أحد سكان القرية، عبر عن خيبة الأمل من بند ظهر في الخطة. “سنوجه سؤالاً للسيدين ترامب وبيبي. يا سيد بيبي، ستسكن منذ الآن في جسر الزرقاء. أما أنت يا سيد ترامب، فستسكن في المكسيك، وسنكون فرحين إذا ما كان هذا مفرحاً لهما وكيف سيكون ردهما”. وأضاف بغضب: “بأي حق جاء ترامب ليملي علينا؟ هل هو أب أم صديق أم عدو؟ لقد جاء لإلقاء قنبلة دون فحص التداعيات. إذا ما سفكت الدماء هنا، فهي ليست دماء الأمريكيين.. فما الذي يهمه؟”.
في اليوم التالي لإعلان الرئيس الأمريكي، شغلت الخطة التي عرضها الرئيس المحادثات اليومية في أرجاء قرى المثلث. كثيرون يعتقدون أن الأمر يتعلق بمناورة سياسية فقط، لكن عدداً غير قليل عبروا عن الشعور بالإهانة من مجرد فكرة نقلهم إلى المناطق الفلسطينية بعد أن اعتادوا على كونهم جزءاً من الدولة. خلال سنوات هم يعتبرون أنفسهم جزءاً لا ينفصل منها.
هذه الرؤية تتساوق في أوساط كثيرين مع المشاركة في التعاطف مع أبناء شعبهم الذين هم خلف الجدار، ويبدو أن طرح هذا الموضوع من جديد يثير مسألة هوية العرب الذين يعيشون في إسرائيل. أحد أعضاء ذاك “البرلمان” قال إنه سعيد لكونه إسرائيلياً، لأنه “يوجد هنا عدل”، حسب رأيه، مقارنة مع الفساد الذي في الطرف الفلسطيني. قصي عراقي، الجالس بجانبه أيد أقواله. “إذا قام الأمريكيون بانتخاب شخص مجنون، فهل عليّ تحمل ذلك؟”. وأضاف: “أبو مازن شخص ضعيف وفاسد. اليهود يأتون إلى الطيرة، وهنا أولاد يهود في روضة مشتركة، ولهم مصالح تجارية، وثمة يهود يستأجرون الشقق. هنا على الأقل توجد حقوق إنسان، ومسموح التحدث”.
حسب استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الذي أجري في أوساط العرب مواطني إسرائيل وتم نشره في السنة الماضية، فإن 13 في المئة من المستطلعين اعتبروا أنفسهم فلسطينيين، و9.5 في المئة اعتبروا أنفسهم إسرائيليين. وفي حين أن الأغلبية تنصلت من تعريفات قومية – 38 في المئة اعتبروا أنفسهم عرباً، و36 في المئة اعتبروا أنفسهم حسب الديانة (مسلم ومسيحي ودرزي).
ياسمين شبيطة، مهندسة معمارية من الطيرة، حاولت شرح هذا التعقيد. “نحن أنفسنا منقسمون، عدد منا يشعر بأنه لا ينتمي للضفة”، قالت، ثم عبرت عن خيبة الأمل مما تعتبره فقدان هوية لعدد من سكان قرى المثلث. “لقد شعرت بخيبة أمل لأن الناس فجأة نسوا من هم. نحن مواطنون في إسرائيل. نسمي أنفسنا سكان إسرائيل. وفقدنا الهوية. الناس يشعرون بأنهم راضون ويقولون إنه لا يناسبنا نمط الحياة هناك، في السلطة الفلسطينية. الناس نسوا القصة وأصالة هذا الأمر، إننا فلسطينيون نعيش تحت الاحتلال. أنا أسمي هذا احتلال لأننا لا نتمتع بالظروف السائدة”.
وقالت شبيطة أيضاً إن خطة ترامب تعزز إحساسها بأنها مواطنة غير متساوية في الدولة، وضمن أمور أخرى، بسبب التمييز والإهمال المتواصل القائم في القرى العربية، اللذين يعتبران -حسب رأيها- استراتيجية للحكومة. “وأشعر أيضاً بأنني مواطنة من الدرجة الثانية”، قالت. وأضافت: “قانون القومية خيب أملي، وشعرت بأنني مهملة. وفجأة عندما يقولون إنهم يريدون نقلها، فهذا يثبت هذه النقطة”.
أسعد دقة، صاحب مقهى “نابولي” في باقة الغربية يشعر بأن الحكومة أهملته كمواطن. “نتنياهو يسافر إلى روسيا من أجل إطلاق سراح الفتاة المتهمة بحمل المخدرات، وقام بإطلاق سراح صدقي المقت (الجاسوس الدرزي من مجدل شمس). رئيس الحكومة لا يأبه بنا، وأريد أن أشعر بأنه رئيس حكومتي”.
جميل أبو مخ، مدقق حسابات ومحام (32 سنة) من باقة الغربية، أشار إلى الشعور بعدم الانتماء وإدارة الظهر من جانب الدولة لمواطنيها العرب. “اندمجنا في المجتمع الإسرائيلي – اليهودي أكثر مما اندمجنا في المجتمع العربي. تعلمنا في تل أبيب وبئر السبع. قم بإجراء استطلاع عام وستعرف من الذي يهتم بذلك”، قال، وأضاف: “من أنتم كي تقرروا عنا. أنا عمري 32 سنة، وأتحدث العبرية أفضل من العربية. وأقرأ الصحف العبرية. فكيف سأتدبر أمري في دولة أخرى؟ الحكومة لا تتحدث باسمنا. هذا يغضبنا جداً”.
ورغم رغبته في البقاء في الأراضي الإسرائيلية، إلا أن أبو مخ يعبر عن الغضب من الصعوبات التي تضعها الدولة أمام المواطنين العرب في روتين الحياة. “من جهة، الدولة تريد منا أن نكون جزءاً منها. ونحن نعمل في جميع المؤسسات الحكومية وجهاز الصحة. وما زالوا يهملوننا”. وأضاف: “الناس يدفعون الأرنونا مثل نتنياهو، ويعملون مثل الجميع، كل شخص في مكانه. ويريدون التطلع لمستقبل أفضل، لكن بتعاون… الدولة تكسرنا”.
احتواء وليس إقصاء
عودة إلى محل بيتزا الطيرة. تحولت المحادثات هناك إلى نقاشات حول سياسة تعكس يأس الشارع العربي بشكل كبير. عراقي، أحد أعضاء ذاك “البرلمان”، قال بأنه صوت لحزب “أزرق أبيض”، وأشار إلى أنه لم يخب أمله من ردهم المؤيد للخطة. “غانتس لم يصبح بعد رئيساً للحكومة، ولا يمكنه قول أي شيء لترامب. هذه أيضاً خطة سياسية، صنعوها الآن كي لا يتحدث أي شخص عن لوائح الاتهام”، قال.
أثناء حديثه، دخل المحل شخص مسن وأوضح بصوت مرتفع أنه يكره أعضاء القائمة المشتركة، لكنه ينوي التصويت لهم، بسبب تحريض اليمين، حسب قوله. وعندما سئل إذا ما كان يفضل العيش في الدولة الفلسطينية صرخ، نعم. وأوضح السبب بأنه لا يستطيع تحمل العنصرية التي يواجهها كسائق باص. “هو لا يمثل”، قال أحد الموجودين في المكان، في الوقت الذي انفجر من حوله بالضحك. “الأغلبية الحاسمة تريد العيش هنا”.
مثلما هو الأمر في الشارع، ففي الشبكات الاجتماعية بالعربية، ثار حوار يقظ في الأيام الأخيرة حول الخطة التي تضمنت الكثير من النكات. أحد المنشورات الافتراضية في الإنترنت هو رسم لعلم إسرائيل، حيث أحد المثلثات التي تكون نجمة داود، غير موجود.
” كان العنوان طوال الوقت الاحتواء وليس الإقصاء، وبدلاً من أن يكون الناس جزءاً من السكان الإسرائيليين، يقومون بإقصائهم”، قال جمال مجادلة، وهو شخصية عامة ونشيط اجتماعي في باقة الغربية، الذي أسس في 2009 مع الدكتور مايك دفرات ويغئال ليبر مركز رأسمال بشري م.هـ.أ، هدفه الربط بين رجال أعمال يهود وعرب. وقال عفيف أبو مخ: “لا توجد مواطنة مشروطة في أي دولة في العالم، تماماً كما ليس لدى اليهودي في الولايات المتحدة شعور بأنه مواطن مشروط”.
حاول “مجادلة” عدم إظهار الغضب، ولكن الغضب بدأ بالظهور قبل وقت طويل من نشر الخطة. “في العام 1949 لم يسألونا. لقد تآمروا مع الأردنيين. والآن ألا يجب عليهم سؤالنا؟ ضمونا أيضاً إلى دولة فلسطين، لكن مع كل أراضينا التي قمتم بمصادرتها”، قال، وأضاف: “من يصنع لنا معروفاً؟ نحن مجموعة سكانية مهانة. حررونا”.
في محادثة بمكتب المركز، في اليوم التالي من إعلان خطة القرن، سخر ليبر ومجادلة من سؤال: أي منهما عليه الحصول على تأشيرة من أجل عملهما معاً؟ “لا أعرف ماذا سأفعل مع يغئال الآن، ربما سنحتاج إلى تصريح عمل”، ضحك مجادلة. عندها أصبح جدياً، وقال: “هذا في الحقيقة غير قابل للتطبيق، فلسنا قطع شطرنج”. وعندما سئل كيف يعتبر نفسه – ” والدي فلسطيني وأنا ابن والدي”. ليبر سارع في التدخل وقال: “هو مندمج في المجتمع الإسرائيلي أكثر مني”.
وفي محادثة معه في شوارع المدينة، أظهر لي “مجادلة” بيتاً على جدار الفصل بين قرية نزلة عيسى في الطرف الفلسطيني وباقة الغربية في الطرف الإسرائيلي. ستة أمتار فقط هي ما تفصل بين البيوت في الطرفين؛ حيث على الشارع الموازي للطرف الإسرائيلي يسير ولد فلسطيني وهو يحمل أكياس خضراوات في الطريق إلى الطرف الفلسطيني. “لو لم يكن هذا السور – بالعكس”، قال مجادلة، “هذا غير طبيعي”.
مع هذا السور أو من دونه، في إسرائيل أو في فلسطين، يبدو أن هناك اتفاقاً حول الحاجة إلى إشراك السكان في أي عملية تمس حياتهم. عراقي يعطي مثل “الشمس والرياح تراهنتا من الأقوى منهما. ومن التي يمكنها خلع معطف تومار (مصور هآرتس). هبت الرياح فأمسك تومار بمعطفه، وبقي المعطف مكانه. أشرقت الشمس فخلع تومار المعطف وحده. كل شيء يجب التوصل إليه بالاتفاق. وإذا أعطيتَ الفلسطينيين الأمل فكل شيء ممكن. إذا أعطوهم دولة فهذا لن يحل النزاع. فإذا لم يكن هناك عمل أو أمل فلن يتغير شيء”.
بقلم: نوعا شبيغل
هآرتس 2/2/2020