ما سرّ العداء المستحكم بين الصهاينة وشجرة الزيتون؟ زيتون الرامة يروي الحكاية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

مواجهات المزارعين الفلسطينيين في موسم الزيتون على مدار الساعة مع المستوطنين

بيروت-“القدس العربي”:”بتقطعو شجرة منزرع عشرة” هو الشعار الذي يرفعه الفلسطينيون على أرضهم لمواجهة قطعان المستوطنين المحميين من جيش الاحتلال الصهيوني. حرب لا هوادة فيها يعيشها الفلسطينيون يومياً دفاعاً عن زيتونهم الذي صار هويتهم الوطنية، فيما يزداد عداء المحتلين له. فهم يدركون في لا وعيهم أن الزيتون وعمر بعضه خمسة آلاف سنة دليل على جذور الفلسطيني في وطنه، في حين لم يكن لشذاذ الآفاق يوماً موطئ قدم.

وفي كل موسم قطاف للزيتون يشهد العالم على شاشات التلفزيون بعضاً من المواجهات، فيما الجزء الأكبر منها يبقى بعيداً عن العيون. مواجهات تُبكي الناظر إليها عبر الشاشات فكيف بأصحاب الأرض وهم يرون أشجارهم تُقتلع، أو تُحرق وتحول حقولهم إلى مستوطنات؟

حاربت الحركة الصهيونية شجرة الزيتون لأنها تُشكل إنتماء للأرض، وبالتالي نقيضاً لها. العداء المستحكم على الزيتون يتمثل بحرب دائمة، لكن لصوص الأرض والتاريخ يتحضرون لها في موسم القطاف. الزيتون هو الشجرة الوحيدة في العالم التي تُخاض ضدها حرب شرسة.

عن موسم القطاف وشجرة الزيتون هذا التحقيق من فلسطين بدأ مع مدير برنامج تطوير الأراضي في جمعية الإغاثة الزراعية مقبل أبو جيش متحدثاً عن نشوء الجمعية:

نشأت مؤسسة الإغاثة الزراعية سنة 1983 بمبادرة من مهندسين زراعيين  شباب، وكان الاحتلال يدير القطاع الزراعي في الضفة وقطاع غزّة. بدأ الشباب المتطوعون العمل في منطقة أريحا والأغوار، قدموا الإرشادات للمزارعين، وقاموا بأبحاث حسب إمكاناتهم. استمر عملهم لسبع سنوات، ومن ثمّ بدأت مأسسة الإغاثة الزراعية، وصار لها نظامها المالي والإداري وأمتلكت قدرة دعم المزارعين. إذاً النقص في خدمات الإرشاد التي يحتاجها المزارعون والقطاع الزراعي حتّم ولادة الجمعية. فقبل السلطة الفلسطينية كان المحتلّون يدفعون المزارعين دفعاً لإهمال الأرض وتركها. بعد التطوع انتقلت الجمعية إلى المأسسة والتحالفات الكبيرة. وفي بعض السنوات كانت تصل قيمة مشاريعها إلى 18 مليون دولار لخدمة المزارعين. وتتمثل الأنشطة الكبيرة بشق طرق زراعية لتسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وإصلاحها وتأهيلها. وتقديم خدمات الإرشاد وتحويل الأراضي البعلية إلى مناطق مروية.

*هل شكل الإهمال المقصود من الاحتلال للأراضي الزراعية ضرراً أكبر من هجوم المستوطنين الدائم على المزارعين؟

**ثمة تقسيم أدوار بين سلطة الاحتلال والمستوطنين. بعضهم يلتفت إلى الضرر المباشر وما يراه على شاشات التلفزيون من قطع الأشجار وحرق الحقول المزروعة. وفي التفاصيل غير المرئية فإن منع المزارعين من استثمار أراضيهم الواقعة ضمن مناطق “ج” والتي تُقدر بـ60 في المئة من مناطق الضفة الغربية، أوقف نمو القطاع الزراعي وحجّم الغطاء الأخضر في الأراضي الفلسطينية. ومنذ الانتفاضة عام 2000 ولغاية 2005 ماتت الكثير من المساحات الزراعية دون قطع أو حرق، بسبب منع أصحابها من الوصول إليها. إنه ضرر كبير جداً لا ينقله الإعلام. ويمنع الاحتلال البناء في المناطق الصخرية والجبلية بحجة تصنيفها مناطق “ج” فيضطر كثيرون للبناء في المساحات الزراعية مما يؤدي لتناقصها. وهناك ضرر عالي  بتسويق الاحتلال أدوية زراعية مغشوشة، وإشعال الحرائق دون ترك أثر للفاعل فتتناقص الأشجار من دون أن يوثق ذلك في سجل المحتل. وتتمثل اعتداءات المستوطنين المباشرة بعدة اتجاهات من القطع أو الحرق المباشر للأشجار، أو تخويف الناس عبر السلاح لمنعهم من الوصول إلى اراضيهم. وهذا أيضاً ينطبق على ما يقوم به جيش الاحتلال خلف الجدار أي الجهة الغربية. يجبر المزارع الحصول على التصاريح للوصول إلى أرضه، فيتعمد الاحتلال إصدارها في الوقت غير المناسب لقطف الزيتون أو للعناية به كشجر. وهذا لا يشاهد على الشاشات وله ضرره الكبير.

*أنتم من اطلق شعار “إحنا معاكم” وله اضفتم هذا العام “رغم الاحتلال وكوفيد إحنا معكم على الأكيد”. كيف تنفذون الشعار عملياً؟

**لدى مؤسسة الإغاثة الزراعية علاقات متينة فلسطينياً وخارجياً. فهذه المنطقة يقصدها الكثير من الأجانب المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني. ولهذا تنظم الإغاثة الزراعية أيام عمل تطوعي يشارك فيها فلسطينيون وأجانب. نختار للمتطوعين المناطق الأكثر حساسية وتعرضاً للإشكاليات مع المزارعين، وهكذا نشجع المزارعين على قطاف مواسمهم. تواجد المزارعين جماعياً في المناطق الخطرة وبدعم من المتطوعين عامل مساعد. انتشرت حملة “إحنا معاكم” منذ 12 سنة. ويتواصل الأجانب الموجودون في فلسطين كل عام مع الإغاثة الزراعية لتسجيل اسمائهم للمشاركة الرمزية أو الفعلية. والجمعية توفر للمزارعين خلال حملات التطوع السلالم والشوادر وأدوات القطف. وهكذا تعيش الوفود المتطوعة معاناة المزارعين مع المستوطنين وجيش الاحتلال.

*وهل كان لحملات التطوع أن ترد الاعتداءات؟

**نعم وفي الكثير من الأماكن، فالمستوطنون يخشون العمل الجماعي، وهم والجيش يخشون نشر صورهم في الخارج. إنما لا قدرة لنا على الإحاطة بكافة الأماكن الزراعية. برنامجنا يضع المناطق الحساسة جداً في الأولوية.

*هل من إحصاء لعدد أشجار الزيتون التي اقتلعت أو حُرقت إلى الآن في فلسطين؟

**خلال السنوات الخمس من عمر الانتفاضة ولغاية الآن حُرق أو اقتلع أو جُرف ما يقارب 2.5 مليون شجرة ويشكل الزيتون نسبة 65 في المئة منها.

خالد عوض: موسم الزيتون معركة صراع البقاء

الباحث الفلسطيني والمختص في التراث والتاريخ الشفوي والمقيم في مدينة الناصرة خالد عوض تحدث لـ”القدس العربي” عن عمق علاقة الفلسطيني بالزيتون. سألنا:

*في كل خريف يستعد الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لموسم الزيتون ومواجهة الاحتلال. هل من حبل سري بين الفلسطيني والزيتون؟

**اهتمام الفلسطيني بشجرة الزيتون مميز. ويتكرر الصراع مع جيش الاحتلال والمستوطنين سنوياً. يحاول المستوطنون منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بشتى السبل، كإعطاب المركبات وكتابة شعارات عنصرية ونصوص تلمودية في الضفة الغربية تحديداً. تشكل شجرة الزيتون جزءاً من معركة البقاء، ففي الضفة والقطاع 8.5 مليون شجرة زيتون. هذا هو الحبل السري بين الفلسطيني وبين الزيتون، وهو يصد المستوطن المحتل بكافة السبل عندما يحاول منعه من جني الموسم. ولهذا تُنظّم في الضفة الغربية حملات تعاون لمساعدة المزارعين في القطاف ومواجهة المستوطنين. يحتاج المزارعون للمزيد من التطوع والعمل الجدي في مواجهة المستوطنين والمسلحين، والذين لا يتوانون عن إطلاق الرصاص على أي مزارع وأي فريق تطوعي. وتبرز من بين الحملات التطوعية تلك التي تنظمها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وبالشراكة مع مؤسسات مدنية. فهي تجند سنوياً في حملتها الوطنية طلاب المدارس والمؤسسات والجمعيات، بحيث تُقرُّ في موسم الزيتون عطلة رسمية، ويهب الجميع لمساعدة المزارعين كي ينجزوا القطاف سريعاً تلافياً لإعتداءات المستوطنين.

*هل صار موسم الزيتون رمزاً للمقاومة والمواجهة؟

**مع كل موسم قطاف تبدأ معركة شبيهة بصراع البقاء بين المستوطنين والمزارعين. المستوطنون يحاولون السيطرة على الأرض بكافة الوسائل المتاحة لهم، وتضييق الخناق على الفلسطينيين ليس في موسم الزيتون وحده إنما في كافة ظروف الحياة اليومية. وبعيداً عن موسم الزيتون فالمستوطنون يتعمدون سياسة التسلل لإحراق أشجار الزيتون المثمرة. إنها معركة لا تنتهي بين المستوطن المحتل وبين الفلسطيني صاحب الحق والشرعية في الأرض. فمنذ بداية التاريخ والفلسطيني يحاول زراعة الأرض، والصهيوني الوافد يحاول السيطرة والهيمنة على أرض لا تاريخ له فيها. ولا يتوانى هذا المستوطن عن سرقة المحصول بعد تجميعه في الأكياس من قبل المزارعين، فيعصره ويأكل جنى وتعب الفلسطيني في بعض مناطق الضفة الغربية.

*لماذا شكلت شجرة الزيتون حالة عداء مستحكمة بالحركة الاستيطانية الصهيونية وصارت عدوها المركزي؟

**شجرة الزيتون بالنسبة للفلسطيني رمز عروبة الأرض، وهي تؤكد تواجده التاريخي في وطنه. ومن الواضح أن الحركة الصهيونية منذ انطلاقها سنة 1897 استحضرت مقولتها المعروفة  بأن فلسطين “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. ونحن نؤكد أن الفلسطيني وعلى مر التاريخ بدءاً من الكنعانيين العرب الأوائل وإلى حينه صاحب الحق الشرعي بهذه الأرض. إنه الصراع بين الإنسان الفلسطيني والمستوطن المحتل.

*هل من أرقام للأشجار التي تُحرق سنوياً؟

**في كل عام يتم حرق عشرات الآلاف من أشجار الزيتون المعمّرة. وأعظم المواجهات تمثلت بتجيرف الاحتلال لأكثر من 3 آلاف شجرة معمرة في الضفة الغربية والقدس المحتلة عام 1986 وكان متوسط أعمارها 200 عام. إنها جريمة بحق هذه الشجرة المقدسة التي ذكرتها كافة الكتب السماوية. ولهذا يجب طرح المواجهات بشأن الزيتون في المحافل الدولية للحفاظ عليها. فمن مميزات شجرة الزيتون اخضرارها الدائم، وإنها معمّرة إذ يتراوح عمرها بين ألف وخمسة آلاف سنة. وكنيسة الجسمانية في فلسطين على سبيل المثال تضم أشجار زيتون من الحقبة الفرعونية الأولى. وفي بلدة الرامة شمال فلسطين أشجار بعمر ميلاد السيد المسيح.

*هل من تاريخ مدون لشجرة الزيتون؟

**ذُكرت شجرة الزيتون قديماً في سفر التكوين، وفي قصة نوح عندما كانت تأتيه الحمامة ليلا وفي فمها ورقة زيتون، ووردت في القرآن الكريم “والتين والزيتون وطور سنين”. وهذا ما يدل على قداستها، ويُعتقد أن موطنها الأصلي هو سوريا وفلسطين، ومنهما انتشرت في محيط حوض المتوسط وغيره من البلدان، وتبقى بلاد الشام صاحبة الحق بها.

جمال حامد: شجرة الزيتون تستفز المستوطن

لجمال حامد من قرية شوفة التي تبعد ثماني كليومترات عن طولكرم له مع قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال قصة مواجهة وصمود. وهو كذلك مدير مدرسة إلى جانب عمله الزراعي. يحدثنا عن أرضه: ورثت مع أخوتي الأربعة قطعة أرض من أبائنا مساحتها حوالي 200 دونم. ومع نشوء مستوطنة “افني حيفتس” على أراضي قريتنا سنة 1987 وتوسعها وصولاً لقطع الشارع المؤدي إلى أراضينا، وبات وصولنا إليها عذابا ومعاناة. أرضنا مزروعة بأشجار اللوز والزيتون، نصلها سيراً على الأقدام ونستخدم الحيوانات لنقل المحصول. وجهنا الكثير من النداءات لمؤسسات محلية وخارجية لمساعدتنا في فتح الطريق ولا جواب. لاحظ المستوطنون تمسكنا بأرضنا رغم الصعاب، ورغم ازدياد التعديات. يستخدمون كافة السبل لمنعنا من الوصول، يضربون كل من يقصدها للحراثة. وعندما نقاوم المستوطنين يتدخل جيش الاحتلال لحمايتهم وإبعادنا عن أرضنا. رفعت قضية لشرطة الاحتلال على مستوطن جرّف من أرضي 300 شجرة زيتون، واشترى غنماً وراح يرعاه فيها. القضية مرفوعة ولا محكمة.

*كمواطن تحت الاحتلال ما هي حوافزك لتستمر في المواجهة؟

**أعمل مدير مدرسة إلى جانب كوني مزارع. نشأت وإحساسي الوطني يتنامى ويكبر مع كل شبر تأكله المستوطنات من أرضنا. المخطط الإستراتيجي للاحتلال يهدف لتهريبنا عبر إطلاق كلابهم من المستوطنين. نحرص على عدم خسارة أي سنتم من أرضنا، فتعويضه صعب. ومن جهة أخرى إيماني مطلق بأني لو تخليت عن دوري فالناس ستتخلى عن دورها. مهمتي الحفاظ على أرضي حتى آخر قطرة من دمي وآخر لحظة من حياتي. هذه الرسالة ترافقني كما نفسي. وعندما أنهي دوامي المدرسي، أحرص على التواجد والعمل في أرضي، وهذا بحد ذاته مقاومة وتغيظ المستوطنين. وأزرع شجر الزيتون حيث أمكن. فشجرة الزيتون تستفزهم بشكل لا يوصف.

*وهل الصمود والمواجهة مهمة فردية يقوم بها كل مزارع بمفرده؟

**للأسف هذا ما يحصل إنما يجب أن تكون على مستوى وطني، ويجب الاجتماع لأجلها والخروج بتوصيات. من جهتي لي وظيفتي وأرضي التي أتمسك بها. لكن كثيرين لا مورد لهم سوى هذه الأرض وبالكاد يحصلون قوتهم لأن الوصول إلى الأرض بات مشقة كبيرة مع انتشار المستوطنات. والبقاء على هذا الحال ينذر بخطر عدم الوصول للأرض من الآن وإلى عشر سنوات مقبلة.

*هل يلتزم أبناؤك بموقفك وعلاقتك بالأرض؟

**أنا وزوجتي وأبنائي نمضي يومي العطلة الأسبوعية في الأرض، وأيام العطل الأخرى. الحمد لله، أبنائي يحملون أفكاري وقناعاتي بضرورة التمسك بالأرض. وعندما يداهمنا المستوطنون فأبنائي يواجهون بقوة مستمدة من أرضهم. حتى الآن لم نعجز، لكننا وحيدون في تلك المواجهة.

*كيف يمكن تسهيل وصولكم إلى أرضكم؟

**أقوم بدوري بالحفاظ على الأرض والدفاع عنها بحدود امكاناتي. لكني أتمنى لو تصل جمعية الإغاثة الزراعية إلى أرضنا لتشق لها طريقاً كما وعدنا. فالأرض في هذه المنطقة تقع ضمن اطماع الاحتلال، وهم لا يتركون فرصة إلا ويعرضون الشيك المفتوح كي تبيع الناس أرضها.

*هل من مواجهة جرت مع المستوطنين لا تغيب عن بالك؟

**كثُرت المواجهات وخاصة هذا العام. ففي يوم عيد الأضحى صباحاً اتصل بي أحدهم ليبلغني أن مستوطناً “سرّح قطيعه في زيتونك، ويحمل منشاراً كهربائياً يقص به الشجر”. سارعت مع اخوتي وأبناؤنا وعددهم 20 ووجدناهم يستعدون للمواجهة وهم بحدود 30 والجيش يراقب من بعيد. كنا مسلحين بالعصي وبدأت المعركة ليتدخل الجيش عندما انهزم المستوطنون رغم أنهم مسلحون، طالباً منا الإنصراف. وهذا يتكرر على الدوام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية