لندن – “القدس العربي” :اهتز الوسط الكروي الأسبوع الماضي، بعد إصرار مدرب يوفنتوس ماوريسيو ساري على تحدي نجمه البرتغالي كريستيانو رونالدو، بإجباره على مغادرة الملعب للمرة الثانية على التوالي في غضون ثلاثة أيام، باستبداله بالأرجنتيني باولو ديبالا مع بداية الشوط الثاني لقمة ميلان، على غرار ما حدث في مباراة الجولة الرابعة لدوري أبطال أوروبا أمام لوكوموتيف موسكو، التي شهدت بداية الأزمة باعتراض الدون على قرار المدرب على مرأى ومسمع الجميع أمام الشاشات.
صدمة رونالدو
قبل التطرق لعواقب صدام الأحد الماضي، دعونا نسأل ونتساءل: لماذا لم يتقبل صاروخ ماديرا قرار ساري؟ فلو عُدنا بالذاكرة إلى الوراء لنتذكر عدد المرات التي اعترض خلالها كريستيانو على استبداله، سنجد أنها بالكاد لا تُعّد على أصابع اليد الواحدة، وكان أول صدام مع من ينظر إليه ويعتبره “الأب الروحي” سير أليكس فيرغسون حين استبدله في دربي المدينة أمام مانشستر سيتي، وتكررت بعد ذلك ثلاث مرات مع زين الدين زيدان أمام لاس بالماس وبلباو ليفانتي، أشهرها على الإطلاق لحظات غضبه بعد استبداله أمام كبير الباسك، حين ظل يتحدث مع نفسه ويقول “لماذا أنا دائما”، على طريقة ماريو بالوتيلي. مع ذلك، لا يوجد مجال للمقارنة بين رد فعله في هذه المرات وما فعله مع ساري في آخر مرتين، والسبب بطبيعة الحال، الاختلاف الكبير بين كاريزما فيرغسون وزيدان وشخصية ساري. أولاً اسم شيخ المدربين كفيل بالسيطرة على أي لاعب في العالم، ونفس الأمر ينطبق على زيزو، كلاهما يتمتع بالعقلية والحكمة و”النجومية” الكافية للتعامل مع كبار النجوم، أما المدرب الإيطالي، فهو حديث العهد بالعمل مع اللاعبين الكبار، كما نعرف أنه قضى جُل حياته في الدوريات الدنيا ولم يتذوق طعم التدريب في الكالتشيو إلا عندما أعاد إمبولي إلى الـ20 الكبار في موسم 2014-2015، ثم بعد ذلك تجربته مع نابولي وموسمه الوحيد مع تشلسي، حتى في لندن، برزت مشكلة ضعف شخصيته عدة مرات، لعل أبرزها موقفه الشهير مع الحارس كيبا في نهائي كأس المحترفين أمام مانشستر سيتي، برفض الأخير الانصياع لقرار مدربه بترك مكانه لمتخصص ركلات الجزاء ويلي كاباييرو، وخسر ساري المعركة، واضطر للاعتماد على أغلى حارس في العالم طيلة الموسم، بالإضافة إلى ذلك، تذمر إيدين هازارد عليه أكثر من مرة، اعتراضا على كثرة استبداله بنفس الطريقة التي يتعامل بها الآن مع رونالدو، ولا ننسى أيضا الموقف السخيف الذي تعرض له في آخر حصة تدريبية مع الأسود قبل مواجهة آرسنال في نهائي اليوربا ليغ، آنذاك دبت مشاجرة عنيفة بين “حبيبه” غونزالو هيغواين ودافيد لويز، وفي الأخير اكتفى برمي قبعته في الهواء، بدون أن يتدخل، وغيرها من المواقف التي تعكس وتفسر لنا أسباب غياب “الكيميا” بين ساري وكريستيانو، والأخطر من ذلك، أن المؤشرات لا تظهر وجود علامات لتحسن العلاقة في المستقبل، بعدما تعمد أشهر رياضي في العالم تكذيب مدربه بطريقة “كل لبيب بالإشارة يفهمُ”، بنشر صورته على “انستغرام” وهو يتدرب بكل قوة في معسكر منتخب البرتغال، على عكس ما قاله المدرب في حديثه مع الصحافيين عقب الفوز على الروزونيري.
الحفاظ على الكنز
أشرنا أعلاه الى أن الحياة لم تكن وردية، أو بمعنى أدق مثالية بين كريستيانو وزيزو، لكنها في الوقت ذاته لم تصل أبدا للصورة التي غادر بها الملعب في مباراة الأحد، ويرجع ذلك لذكاء المدرب الفرنسي في طريقة تعامله مع الوحش غير المروض، بالاتفاق معه على استبداله في أوقات معينة في المباريات المحلية، ليبقى واقفا على قدميه في البطولة الأهم، دوري أبطال أوروبا، حتى صافرة نهاية المباراة النهائية، ونجحت الخطة بامتياز بداية من النصف الثاني للموسم قبل الأخير ثم في موسمه الأخير بأكمله. وفي الأشهر الأخيرة بالذات، بدا وكأن النجم الكبير اعتاد على وضعه الجديد، لكن الطريقة التي عبر بها عن غضبه في آخر مباراتين مع ساري، تظهر أن الأخير لم يتفق مع لاعبه على أي شيء، كل ما في الأمر أنه يصدمه أثناء المباراة، وفي الحقيقة أمر كهذا يعتبر في حد ذاته “إهانة” لتاريخ واحد من أعظم أساطير اللعبة في كل العصور، ولنا أن نتخيل لو تجرأ إرنستو فالفيردي على فعل هذا الموقف مع برغوث برشلونة ليونيل ميسي مرة أو مرتين متتاليتين، ترى ماذا سيحدث؟ فقط فعلها المدرب السابق لويس إنريكي، وكاد يخسر منصبه لولا أنه تعلم من الدرس جيدا وتفادى استعراض صلاحيات المدرب على ليو، لذا من الواضح أنه حان وقت تدخل إمبراطور أشهر ماركات السيارات الإيطالية في العالم أندري أنييلي قبل فوات الأوان، بتقديم النصيحة أولاً لساري في طريقة تعامله مع الكنز البرتغالي، ولو بالاتفاق معه على إراحته في دقائق ومباريات معينة، كما كان يفعل زيزو، مع تجنب الاحتكاك به في لحظات انفعاله حفاظا على الصورة التي رسمها الملياردير الإيطالي لنفسه منذ وصوله لسُدّة حكم “يوفنتوس آرينا” عام 2010، كواحد من الأندية التي لا تقل بأي حال من الأحوال عن ريال مدريد وبرشلونة والصفوة المعدودين على أصابع اليد، ثم بعد ذلك الجلوس مع رونالدو لإيجاد طريقة ما تجعله يسيطر على أعصابه في مثل هذه اللحظات من أجل سمعة النادي، أو على أقل تقدير لتقليل الفتنة في وسائل الإعلام التي تعشق هكذا مواقف. وبالفعل هناك تقارير متداولة في الساعات القليلة الماضية عن تدخل الإدارة لحل النزاع في أسرع وقت، ويُحسب لأصحاب القرار أنهم تغاضوا عن فرض أي عقوبة على كريستيانو بعدما خرق اللوائح بمغادرة الملعب برمته قبل نهاية المباراة، وإلا لكانت الأزمة ازدادت تعقيدا، وهذا بطبيعة الحال لوضعه المختلف عن أي لاعب في الفريق بوجه خاص وفي العالم عموما، لقيمته كعلامة تجارية تحاكي علامة النادي، كما تقول أرقام “السوشيال ميديا”، بتسببه في رفع عدد متابعين النادي عبر حسابه على “انستغرام” من أقل من 10 مليون متابع لأكثر من 33 مليونا، وأضاف قرابة الـ8 ملايين لمنصة “فيسبوك” وحوالي 2 مليون على “تويتر”، بخلاف القفزة الهائلة في حساب “يوتيوب”، بوصوله الآن 2.35 مليون متابع بعدما كان يزيد على النصف مليون بقليل، ومؤكد لا يريد أنييلي خسارة هذا الكنز بسهولة، لكنه في الوقت ذاته يريد رونالدو الحاسم الذي جاء إلى المدينة الحديدية لينهي عقدة السيدة العجوز مع الكأس ذات الأذنين.
ما أشبه اليوم بالبارحة
ألا تلاحظ عزيزي القارئ عودة لقب “المنتهي” مرة أخرى بطريقة ما، على سبيل المثال ما قاله المخضرم الإيطالي فابيو كاييلّو، إن رونالدو في عالم مواز منذ ثلاث سنوات، ولم يتمكن من القيام بمراوغة صحيحة، بجانب ما يُشاع أن الأغلبية من مشجعي اليوفي داخل المدينة ينحازون قليلاً للمدرب، لأنه كان محظوظا في تغيير رونالدو، في المرتين تمكن بديله من تسجيل هدف الفوز، والحديث عن دوغلاس كوستا في المباراة الأوروبية، وباولو ديبالا في قمة ميلان، لكن الجمهور العالمي، على الأقل في حالة انقسام بين كريستيانو وساري، وكأن الزمن عاد إلى الوراء من 3 لـ5 سنوات، عندما كان الإعلام الإسباني يصفه بالمنتهي كلما ابتعد قليلاً عن شباك المنافسين، لكن المفارقة أنه في كل مرة كان يعود أقوى من أي وقت مضى، لدرجة أنه بعد الثلاثين نجح في قلب الطاولة على ليو ميسي بتقليص عدد مرات الفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم “الأفضل” من الفيفا وجائزة “الكرة الذهبية” التابعة لمجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية، ثم التساوي معه في كل شيء عام 2017، قبل أن يظفر ليو بجائزة الفيفا السادسة هذا العام. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يستطيع استنساخ ما فعله في سنوات الرد على المشككين؟ الطبيعي أن يفعل ويفعل أكثر من ذلك، أولاً هو إنسان لا يستطيع العيش بلا تحدي، والآن خلق له ساري التحدي سواء بطريقة متعمدة أو بمحض الصدفة. ثانيا يرى عدوه الأزلي يسير بخطى ثابتة نحو الاحتفاظ بالحذاء الذهبي للمرة الثالثة على التوالي والسابعة في مسيرته، وأمر كهذا من شأنه أن يفجر طاقة كريستيانو، لأن باعترافه كلما رأى البرغوث يحكم بأحكامه، كلما اشتعلت النيران بداخله والعكس صحيح، وهو أكثر من غيره، يعرف ويدرك جيدا أن أموره ليست على ما يرام منذ بداية الموسم، بتسجيل خمسة أهداف فقط في الدوري بعدد مباريات أكثر من ليو الذي وصل لهدفه الثامن في الليغا على بعد هدف من المتصدر المتألق كريم بنزيما، لذا المتوقع والمنتظر منه بعد عودته من العطلة الدولية، أن يُكشر عن أنيابه بالطريقة التي اعتاد الرد بها على منتقديه، وحدوث ذلك، أي بعد عودته لممارسة هوايته المفضلة بدك شباك المنافسين، من شأنه أن يقلل حدة التوتر بينه وبين ساري في المرحلة المقبلة، أما إذا حدث العكس وهو منطقياً الأمر المسُتبعد، فبنسبة كبيرة لن يكون مشهد انسحابه من الملعب نهاية الأزمة، وقد تكون العواقب وخيمة وصادمة للإدارة في نهاية الموسم، خاصة مع بداية ظهور الشائعات التي تتحدث عن الذين يترقبون للاصطياد في المياه العكرة، كما علقت صحيفة “آس”، في تقرير نقلته عن احدى الصحف البريطانية يربط مستقبله بالعودة إلى مانشستر يونايتد الموسم المُقبل.
أين الخلل بين رونالدو وساري
من شاهد مباريات يوفنتوس مع ساري، لاحظ أن المدرب لم يقدم “النكهة” العصرية التي كان ينتظرها الجميع في تورينو، باعتباره مدربا يجمع بين أفكار أصحاب المدارس الحديثة وفي الوقت ذاته يتمتع بالعقلية الإيطالية، بأساليبه الجذابة التي ترتكز على أساسيات طريقة الفيلسوف بيب غوارديولا وواقعية أنطونيو كونتي وكارلو أنشيلوتي وبقية ملوك الدفاع والغرينتا، لكن بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على توليه المسؤولية بشكل رسمي، لا نشاهد سوى ومضات تظهر في الأوقات الحاسمة، وهذا في الأساس يرجع لعقلية وشخصية النادي واللاعبين الذين تمرسوا على الفوز من أجل الفوز حتى لو كانوا في أسوأ حالاتهم، والدليل على ذلك، أن كثيراً من النقاد والخبراء لا يلاحظون فوارق كبيرة بين يوفي ساري ويوفي ماسيميليانو أليغري، حتى الآن، أغلب المباريات انتهت بالعقلية التي غرزها كونتي وأليغري في هذا الجيل، إما بمهارة فردية عبقرية من أصحاب الجودة العالية أو بتوفيق في كرة ثابتة، كما سرق ماتيس دي ليخت دربي تورينو، بجانب ذلك يدعمه عامل التوفيق ومتسلح بشخصية الفريق البطل، وهذا ساعده إلى حد ما في القبض على صدارة الكالتشيو بفارق نقطة عن كتيبة مدربه السابق ومشروعه الكبير في “جوسيبي مياتزا”، ويبقى أسوأ ما في إدارة ساري للبانكونيري حتى الآن، هو عدم استغلاله قدرات رونالدو كما ينبغي. نلاحظ أنه يعطيه تعليمات بالتحرك على الأطراف بشكل مبالغ فيه، وهذا يهدر طاقته في استعراض مهاراته، في حين يعتمد على رجله الأول غونزالو هيغواين في الأمتار السحرية في الثلث الأخير من الملعب، لهذا تتاح له فرص أكثر وأسهل من رونالدو، رغم أنه من المفترض أن يكون الدون هو الأقرب لهذه الأماكن، كما نجح زيدان في تعديل مركزه، ليصبح واحدا من أفضل ضاربي الكرة بالرأس في العالم، لكن من الواضح أن ساري لديه وجهة نظر مختلفة في هذا الموضوع، وهذا مكمن الخطورة، لأنه بطبعه مدرب عنيد، ولا يستمع لنصائح أحد، ومن ينسى الدور الذي ابتكره لنغولو كانتي مع تشلسي، بتوظيفه كلاعب وسط ثالث في جهة اليمين طوال الموسم، لذلك إصراره على تفضيل هيغواين بالإبقاء عليه لمدة 90 دقيقة على حساب صاروخ ماديرا، بجانب منحه امتياز مركز رقم (9)، لن يُحّسن من وضع كريستيانو كثيرا، وستبقى نسبة أهدافه لا تقارن بمعدله في السنوات الماضية، ما قد يعقد استمراره في تورينو لنهاية عقده الممتد لمنتصف عام 2021.
في أسوأ الظروف
إذا أسرها رونالدو في نفسه ولم ينس ما حدث أو ما سيحدث لنهاية الموسم، كما يكذب بشكل غير مباشر ادعاء المدرب بأنه يعاني من توابع إصابة في الركبة، فحتما ستنتهي القصة بالانفصال مع فتح الميركاتو الصيفي المقبل، لكن المفاضلة في الاختيار ستكون أصعب من قرار الرحيل، إذا أخذنا في الاعتبار أن ما نشره موقع “كالتشيو ميركاتو” صحيحا بأنه يدرس العودة إلى “سانتياغو بيرنابيو”، في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الإعلام البريطانية عن رغبة إد وودوارد في إعادته مرة أخرى إلى مانشستر يونايتد، وفي كلا الاختيارين، سيحظى بمعاملة الملك المدلل وأيضا ستكون عودة عاطفية سواء هنا أو هناك، ولو أن فرص عودته للريال تبدو أكثر تعقيدا، ليس فقط لأزمة عدم تقديره ماديا من فلورنتينو بيريز، بل ليقينه بأن عامل السن سيساعده لتقديم نفس النسخة التي كان عليها قبل مشهد ظهوره الأخير بالقميص الأبيض لحظة خروجه من ملعب “كييف” عقب تسلم كأس دوري أبطال أوروبا الثالثة عشرة في التاريخ والثالثة على التوالي في صيف 2018، بالإضافة إلى ذلك، انتهى طموحه في النادي الميرينغي بنجاحه في تحقيق كل شيء في سنواته التسع، التي خرج منها على رأس قائمة الهدافين التاريخيين للنادي على حساب الراحل ألفريدي دي ستيفانو والأيقونة راؤول غونزاليز، لذا يبدو خيار اليونايتد أكثر منطقية، بعيدا عن حاجة الشياطين الحمر لخدماته أكثر من مشروع زيدان الجديد الذي يقوده بنزيما باقتدار حتى الآن، فهو قد يلعب دور الرجل المخلص لمانشستر بعد سنوات من التخبط والابتعاد عن المنافسة على لقب البريميرليغ بشكل حقيقي منذ تقاعد السير في صيف 2013، والمفارقة أن أوليه غونار سولشاير يبحث عن جلاد في مركز رقم 9، ليكون ثلاثيا مخيفا جنبا إلى جنب مع ماركوس راشفورد وأنطوني مارسيال، ومعهم الواعد دانييل جيمس على الطرف الأيمن أو الأيسر، بالكاد نتحدث عن القطعة النادرة المفقودة في “مسرح الأحلام” في فريق يضم بول بوغبا وأغلى مدافع في العالم هاري ماغواير والحارس المتميز دافيد دي خيا. بديهي أن وجود رونالدو سيجعل المتمرد الفرنسي يعيد النظر حول مستقبله مرة أخرى مع النادي، وبجانب الإضافة الفنية التي سيقدمها الدون لمشروع ذي الوجه الطفولي، فسيساهم في تصحيح صورته وإنقاذ سمعته عالميا، في ظل النضوب المستمر في الموارد، على غرار تعثر مفاوضات تجديد صفقة شركة السيارات الأمريكية العالمية، والتي يتبعها ويسبقها انخفاض وانسحاب عقود الرعاية، بسبب اختفاء الفريق عن الساحة العالمية في السنوات الماضية، باستثناء مشهد العكاكيز عندما قادهم جوزيه مورينيو للفوز باليوربا ليغ في موسمه الأول الصعب. ترى عزيزي القارئ سيحدث هذا السيناريو التخيلي المجنون؟ أم ستمر أزمته مع ساري مرور الكرام وكأن شيئاً لم يكن؟ دعونا ننتظر لنرى ما سيحدث في قادم المواعيد.