ينشغل المجتمع اليوم في متابعة الهزات المالية المتتالية، ويتعايش في الوقت نفسه مع هذه التقلبات السريعة، من تقلب أسعار العملات، إلى إفلاس بعض الدول، ومنها العربية، وصولاً إلى تضخم الأسعار، وانهيار بنوك في العالم كبنك «سيليكون فالي» و»سيغنتشر» و»سيلفر غيت»، وهبوط الأسهم وتغير منحنياتها على الشاشات، الأمر الذي دفع البعض للتفكير في حلول بديلة، مثل تجميد المال عبر شراء الأراضي والعقارات، أو شراء الذهب وادخارهِ، في حين نطالع آراء على مواقع التواصل الاجتماعي تعتقد أن كل ما حدث هو مجرد مؤامرة للسيطرة على اقتصاد العالم!
تفتح «مواقع التواصل الاجتماعي» الباب على مصراعيه لتحليل أي أزمة، ومنها هذه الأزمة المصرفية، ونجد كثيراً من الناس ينجذب «التقولات»، مع رفض تحليل الخبراء، والمختصين، وسماع الأخبار الزائفة، التي لا تستند إلى مصدر، أو تلك التي تُحرف وتُزيف الوقائع وفق هواها ومبتغاها!؛ فمن المعلوم أن هذه الأزمة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في عالمٍ الثابتُ فيه متغير! إلا أن الثابت هنا أمزجة الناس ممن يرفض أطروحات الأطر الرسمية، ورأي الخبراء في أوقات الأزمات، انطلاقاً من سيطرة نظريات المؤامرة في هذا السياق، الأمر الذي تكرر، ولنا أن نتذكر، ما قيل عن لقاحات كورونا، والجدل الذي أثير حولها.
على الجانب الآخر من التهويل وتضخيم أزمة البنوك، على النحو الذي ينذر أن الاقتصاد العالمي على شفا حفرة من السقوط في غياهب المجهول؛ نجد فريقاً له صولة وجولة، يعتقد اعتقادا جازماً لا رجعة فيه، أن هذه الأزمة مفتعلة، مجرد «مسرحية»، تهدف إلى (شفط) أموال المودعين والمستثمرين وتحويلها إلى جيوب القائمين على «رأس المال العالمي»، أو «حكومة العالم الخفية»!
وفي سياق من يرى أن هذه الأزمة مفتعلة، ثمة من يرى أن هذه «زوبعة في الفنجان» تهدف إلى إنهاء التعامل بالعملات الورقية، تمهيداً إلى فرض التعامل بالعملات الرقمية (مثل البتكوين)، والهدف أيضاً هو لسيطرة «اللهو الخفي» على عالمنا، وهنا يرتفعُ صوتُ المهمومين في هذه الأزمة أننا نعيش في «عالم ليس لنا»!
في أقاويل الناس في زمن الفضاء الأزرق، تختلط الأوراق على طاولة النقاش؛ فينقض المارد الصيني على الولايات المتحدة الأمريكية في أزمة البنوك، لينهش اقتصادها، وليحلَّ في موقعها عالميا، ويا لهولِ ما سيحدثُ من أهوال مع صعود بكين، لذا الحل البديل – من منظور المعتقدين بهذه الفرضية – لتجاوز هذا الخطر المحدق، يكمن في الملياردير والجمهوري المحافظ، دونالد ترامب، مُخلص العالم من هذا التخبط، الذي يديرهُ ويخطط له بإحكام وسرية مطلقة الليبرالي واليساري الفوضوي جون بايدن!
تبدو ردود فعل الناس على أي أزمة مالية مستحدثة، وكأنها تحدث للمرة الأولى، يتناسى البعض وجود أزمات أقدم، وكسادٍ سبق أن ضرب السوق العالمي، وقعت فيه العملات والبنوك، وتهاوت على الأرض، يتناسى هذا البعض.. التاريخ القريب من الذاكرة، ومنه زمن يعد في مقياس التاريخ «حدث في الأمس»، حين ضربت الأزمة المالية قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، الأسواق العالمية، في العام 2008.
وبين هذا وذاك، وقيل وقال، يبقى الرأي الراجح، والقول الصائب، لجدتي – رحمها الله – في مواجهة أزمات مالية عابرة، في أزمة غابرة، في إيداع الأموال وتجميدها تحت «البلاطة»، كي تكون بأمنٍ من أيِّ يدٍ غادرة، أو نهبها بحجج واهية، كالقول بنقص السيولة! إعلامية فلسطينية