أعلنت حماس أمس الحرب على إسرائيل. فإطلاق الصواريخ باتجاه القدس، في ذروة يوم القدس، كان استفزازاً فظاً، وقحاً، لا يترك لإسرائيل خياراً غير الرد بضربة مضادة شديدة.
في هذه الحالة، كان العنوان مكتوباً تماماً على الحائط. فقد بنت حماس منذ بداية رمضان قضيتها حول القدس بشكل منهجي، في ظل محاولة احتلال الملكية على الاضطرابات. بدأ هذا بإطلاق الصواريخ إلى غلاف غزة قبل أسبوعين، وتواصل في تحذير محمد ضيف الذي أطلقه الأسبوع الماضي. الإنذار الذي طرحته المنظمة أمس، إخلاء كل الشرطة من الحرم ومن الشيخ جراح – والذي اسند بالنار، كان هو الذروة. فقد سعت حماس من خلاله لتهييج المشاعر في المدينة والتأشير لإسرائيل ولكل المنطقة بأنها هي رب البيت في القدس وأن أي مس بها سيرد عليه من غزة أيضاً.
هذه معادلة لا يمكن لإسرائيل العيش معها، ليس فقط لأنه محظور جعل سكان غلاف غزة (وما بعده) رهائن لنزوات حماس، بل لأنه محظور أن يكون للمنظمة أي مكانة أو ملكية في القدس. إن جهودها في أن تصبح سيدة القضية الفلسطينية والقدس – وبعضها مغروس في إلغاء انتخابات السلطة الفلسطينية – تعد خطراً حقيقياً. إذا لم يتم ايقافها من شأنها أن تنتهي بتسريع محاولات المنظمة للسيطرة على الضفة أيضاً.
وعليه، فإن حماس لا تترك خياراً لإسرائيل غير الرد – والرد بشكل غير متوازن. لقد أراد الجيش الإسرائيلي الرد بشدة قبل أسبوعين، ولكن القيادة السياسية أوقفته إذ حاولت في حينه تبريد المنطقة على أمل اجتياز رمضان بسلام. أما الآن، فقد حلت الألجمة. وصادق الكابينت للجيش الإسرائيلي على مدرجات عمل، في ثلاثة آفاق مركزية: الأول، الإحباط والتشويش على إطلاق الصواريخ؛ الثاني، ضربة ذات مغزى للذراع العسكري لحماس، لرجالها وبناها التحتية التي تستخدمها؛ والثالث، ضربة شديدة لمشروع تعاظم قوة المنظمة الذي نال الزخم في الأشهر الأخيرة على خلفية الهدوء النسبي الذي ساد في جبهة الجنوب. وربما يسعى الجيش الإسرائيلي لضرب منظمات أخرى في القطاع (وعلى رأسها الجهاد الإسلامي) وحرمانها من القدرات، وإن كانت بؤرة النشاط تستهدف رب البيت في القطاع: حماس.
لا مفر لإسرائيل غير استنفاد هذه الجهود الثلاثة قدر الإمكان. قثد تستغرق عدة أيام وقد تكون لها أثمان أيضاً، ولكن التراجع السريع سيمس بالردع بشكل مباشر. ومع أن الطرفين سيعودان في نهاية الطريق إلى نقطة الانطلاق – وربما إلى محادثات التهدئة بوساطة مصرية وتمويل قطري – ولكن من الخير أن تصل حماس إليها ضعيفة وموردوعة أقل مما كانت أمس. القول بأن المنظمة – ومثلها الجهاد الإسلامي – تملي الجداول الزمنية في إسرائيل وتقرر وتيرة دقات قلب مواطنيها، لا يقبلها أي عقل.
لا تعتمدوا على المعجزة
كما هي الحال دوماً، سكان القطاع هم الذين سيدفعون ثمن الأيام القتالية المرتقبة. فالتصعيد يمسك بغزة في ذروة رمضان، وقبل لحظة من عيد الفطر الذي يحل الخميس. قد تحاول حماس إنهاء القصة قبل ذلك؛ فمن ناحيتها، تحقق الإنجاز (النار على القدس) وسجل باسمها، وسيسعدها الآن أن تسرح سكان القطاع للاحتفال. على أي حال، رسائل بهذه الروح ينقلها عدة وسطاء، ولكن ليس لإسرائيل نية للاستجابة لها في المرحلة الحالية. إلى أن تتوازن المعادلة ويرمم الردع.
هذا سيلزم إسرائيل بعدة جهود، ليست جميعها عملياتية: في القسم العسكري، سيكون الجيش والمخابرات مطالبين بأن يحاولا أيضاً ضرب أهداف نوعية ويبقيا على دفاع قوي في الغلاف منعاً لأي إنجاز إضافي عن حماس. كما أن المواطنين سيكونون مطالبين بالانضباط. فالمعجزة التي حصلت للمواطن الذي خرج من مركبته قبل لحظات من إطلاق صاروخ مضاد، لن تكرر نفسها مرة أخرى، ولا يوجد ما يبرر أن تجبي خفة عقل مدنية ثمناً زائداً في حياة الإنسان.
في القسم السياسي، ستكون إسرائيل مطالبة بإجراء حوار مع الولايات المتحدة ودول أخرى في الغرب وفي المنطقة لتوفير الشرعية للعمل المرتقب. فالضغوط التي مورست في الأيام الأخيرة، ولا سيما من واشنطن، كانت نتيجة ترك الساحة الإعلامية للرواية الفلسطينية التي غرست إحساساً كاذباً بأن الأقصى في خطر. إسرائيل ملزمة باستعادة المبادرة لنفسها في المجال، وأن توضح من المسؤولون عن العنف، سواء في القدس أو في الجنوب. ولكن إلى جانب العدوانية التي سيتخذها الجيش الإسرائيلي تجاه حماس في غزة، ستكون الشرطة مطالبة باتخاذ نهج أقل ذكاء في القدس. فمعظم محافل الأمن حذرت منذ الأحد أن “مسيرة الأعلام” التي كانت ستمر من باب العامود ستكون وصفة للانفجار من الممكن ومن المفضل منعه. رئيس الأركان ورئيس الشاباك طلبا الامتناع عما اعتبره الفلسطينيون استفزازاً، ولكن الشرطة أصرت، ولم يتراجع إلا أمس – بتعليمات من القيادة السياسية. وكانت النتيجة سيئة؛ تراجعت إسرائيل وحولت المسيرة إلى باب الخليل، ودفعت في الوقت نفسه الثمن بالنار الصاروخية (التي أدت إلى إلغاء المسيرة كلها). قد يبقي رئيس الوزراء ووزير الدفاع أيديهما على الدفة في القدس أيضاً في الأيام القريبة. فمن جهة، ستكون الشرطة مطالبة بإبداء تصميم تجاه كل عنف. ومن جهة أخرى، ستسمح لرمضان بالوصول إلى نهايته دون أن تخرج الأمور في العاصمة عن نطاق السيطرة. وهذا سيتطلب قيادة حساسة، تتأثر أيضاً بما يحصل في القطاع. وسيكون الجهد الإسرائيلي الفصل بين الجبهات – القتال في غزة والإبقاء على القدس هادئة قدر الإمكان – ومنع انتقال العنف إلى عرب إسرائيل، وإلى الضفة وإلى الساحة الشمالية.
إعادة احتساب المسار
هذا الجهد متعدد الجبهات هو الذي أدى إلى قرار تأجيل المناورة الأركانية التي بدأت مطلع الأسبوع. هذا إنجاز آخر لحماس؛ بدلاً من أن يخطط الجيش الإسرائيلي للحرب في ساحته المركزية – الشمالية، حيال حزب الله – يجد نفسه يناوش في غزة. ومع أن الساحة الفلسطينية كانت جزءاً (ثانوياً) في المناورة الأركانية أيضاً، ولكن خيراً يفعل الجيش الإسرائيلي الآن إذا ما استغل الأحداث كي يستوضح لنفسه جاهزيته لقتال متعدد الجبهات.
على الطريق، خيراً يفعل الجيش الإسرائيلي إذا ما فحص أيضاً الاستعداد الاستخباري الذي أصدره في الأسابيع الأخيرة. فزعم أن حماس ستحاول إشعال القدس مع إبقاء الهدوء في القطاع تبين مغلوطاً، ويحتمل أن جر سلوكاً مغلوطاً. وإسرائيل الآن باتت مطالبة بإعادة احتساب المسار، بثمن أعلى بكثير كي تستعيد الإمساك بالخيوط.
بقلم: يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 11/5/2021