ولكن صراحة كنتيجة لإدارة مغلوطة للتطورات في الجيش في أعقاب الأزمة السياسية، أصبح بذاته لاعباً سياسياً. فضلاً عن ذلك، فإن التهديد بالرفض يظهر كمؤثر للغاية في الساحة العامة في واقع من الجدال المدني – السياسي القيمي.
الحدث والتصرف حوله شق الديمقراطية الإسرائيلية كونها مست بالإجماع العام حول الجيش ومكانته كغير سياسي، وقضمت من علاقات المستويات القيادية ومن علاقات الجيش والمجتمع في الدولة. من الآن فصاعداً قد يجد الجيش نفسه مضطراً للتصدي لرفض منظم – عملياً – من بين خادمي الاحتياط، وربما جنود النظامي بالنسبة لمسائل مدنية – سياسية ووطنية أخرى. إضافة إلى ذلك، يعد هذا منحدراً سلساً سيميز العلاقات المتوترة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية.
ظاهرة التهديد بالرفض من جانب طياري سلاح الجو في الاحتياط، ورجال الاحتياط في منظومة العمليات الخاصة ومنظومة السايبر، حتى لو وصف هذا بأنه “رفض غامض، كون إعلان الطيارين أن في نيتهم التوقف عن التطوع لكن لن يرفضوا النداء لخدمة الاحتياط في غير إطار التطوع، هو بمثابة مغسلة كلمات في نظر القيادة السياسية وفي نظر قسم كبير من الجمهور.
المنظومات الثلاث المذكورة التي هي في لباب عمليات وهجمات الجيش الإسرائيلي تعتمد على رجال الاحتياط ونموذج خدمة الاحتياط على أساس التطوع، والذي لا يشبه نموذج خدمة الاحتياط العادي. في نموذج هذه الخدمة ترسل أوامر التجنيد بعد أن يتفق المتطوعون مع قادتهم على أيام الخدمة، لكن عملياً من اللحظة التي تطوعوا فيها وتلقوا أمر الاستدعاء، ستكون هذه خدمة احتياط بكل معنى الكلمة. لذا، فإن أي إعلان نوايا لوقف التطوع هو بمثابة تهديد بالشلل لكل تلك المنظومات أو عرقلة كبيرة لها، ومس بنموذج الخدمة الخاص. من حيث الجوهر هذا رفض بالفعل.
حتى لو كان ممكناً تفهم الاعتبارات التي وجهت قائد سلاح الجو، ورئيس الأركان وغيرهما في هيئة الأركان العامة في كل ما يتعلق بمعالجة الظاهرة، من حيث الرغبة والإيمان في أن يكون بوسعها حل المشكلة من الداخل، وتهدئة المخاوف ومنع اتساع الظاهرة من خلال رد فعل قاس وعقاب، فلن يكون من الصواب تبريرها والتقليل من خطورتها. فالخطوة التي قادها ضباط وجنود الاحتياط كانت جماعية ومنظمة، بلغة علم الاجتماع. فلا يدور الحديث عن قرار فردي لرجل الاحتياط هذا أو ذاك. وحتى لو تجاهلنا الالتواءات اللفظية والقضائية لجوهر العمل الجماعي كتحريض على التمرد مثلما يمكن تعريفه بتعابير المنظومة العسكرية أو قراءة المادة 136 من قانون العقوبات حول مخالفة التحريض على التمرد، وحتى لو لم يتناسب الفعل وتعريف التحريض على التمرد، فإن الذين قادوا عملية تنظيم الربط فهموا جيداً معاني خطواتهم؛ فقد جندوا الخلفية، والتجربة، والسمعة العسكرية، والخبرات العسكرية، وخدمة الاحتياط الحيوية التي يقدمونها، للإعراب عن احتجاج في موضوع مدني، سياسي في جوهره، دون أن يصدر لهم أمر غير قانوني على نحو ظاهر، ودون أن يكون بوسعهم أن يقرروا بيقين بأنهم في تحقيق الإصلاح القضائي الذي تقوده الحكومة سيوضعون أمام وضع يصدر لهم فيه أمر غير قانوني على نحو واضح، أمر يحوم فوقه علم أسود، ومن ثم يستوجب الرفض.
لقد أثرت الخطوة عميقاً على الجيش كله، وتسللت أيضاً إلى صفوف الجيش النظامي – الإلزامي والدائم، وأدت إلى هز أعمدة الأركان. لقد وقفت القيادة السياسية، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خطورة الموضوع وطلبت من وزير الدفاع يوآف غالنت ومن القيادة العسكرية معالجته، غير أن القيادة العسكرية لم تنجح في احتواء الحدث أو إيقافه، وأخطرت القيادة السياسية بخطورة الحدث وتداعياته الخطيرة بسبب المس بالأهلية العملياتية للجيش والخوف الحقيقي من اتساع الظاهرة إلى عموم الجيش.
هكذا نشأ معمعان خطر. الجيش، الذي بغير إرادة القيادة العسكرية العليا وبغير مبادرتها لكن بصراحة كنتيجة للإدارة المغلوطة للتطورات، أصبح لاعباً سياسيـاً، مؤثراً للغاية في الساحة العامة في واقع من الجدال المدني – السياسي – القيمي. ثمة سابقة نشأت: لأول مرة، وبشكل واضح، الجيش هو الذي يقود عملية استخدام للأمن (Securitization)، التي جوهرها هو استخدام حجج عسكرية – أمنية لتجسيد الإمكانية الكامنة للتهديد المتعلق بمسألة مدنية، كمبرر لاستخدام وسائل متطرفة لغرض معالجة التهديد، وفي هذه الحالة تعليق عملية تشريع الإصلاح القضائي الذي تقترحه الحكومة.
إن خطورة الحدث ومسؤولية تطوره تقع أيضاً على القيادة المدنية، التي فشلت في تفعيل رقابة مدنية فاعلة على الجيش، أي إخضاع التفكير العسكري للتفكير السياسي بالمعنى المبسط للفكرة، وإخضاع الجيش التام للقيادة السياسية بالمعنى الأساسي للفكرة. ودليل ذلك هو في تغيير سياسة قائد سلاح الجو ورئيس الأركان بروح تعليمات رئيس الوزراء ومطالبه بعد وقوع الفعل. في اختبار النتيجة، علقت عملية التشريع بسبب الخطاب الشاذ لوزير الدفاع الذي وقف على خطورة التهديدات الأمنية من جهة، وعلى الضرر اللاحق بالجيش وأهليته العملياتية من جهة أخرى. عملياً، وفرت القيادة العسكرية، بغير إرادتها وكنتيجة لإحساس حاد بالضائقة بسبب أزمة حقيقية في صفوفها دعماً إسنادياً مهماً للاحتجاج المدني ضد اقتراح الإصلاح، ودفعت القيادة سياسية بالعمل بخلاف نيتها الأصلية. في هذه الحالة، فإن الجيش أصبح متماثلاً مع الاحتجاج المدني ومعسكر المعارضين للإصلاح القضائي.
لقد أدت الأحداث والسلوك ما بعدها إلى موجات صدى في المنظومة العسكرية. فمثلاً، توجه مقدمو الخدمة الفنية في سلاح الجو إلى رئيس الأركان وقائد سلاح الجو، وأعربوا عن استيائهم من سلوك طياري الاحتياط، بل وطالبوا باعتذار الطيارين لهم، معربين عن إحباط عميق من المعاملة التمييزية تجاههم وتجاه مواقفهم. وحتى لو كان هناك من يعزو هذه المحاولات المضادة لجهات من الساحة السياسية، ففي ذلك ما يشهد مدى خطورة المنزلق ومدى ابتعاد الجيش عن مكانته الإلزامية كغير سياسي.
فضلاً عن ذلك، فإن سلوك الجيش في هذا السياق يؤدي إلى شرخ عميق في علاقاته السياسية بسبب المس الخطير بثقة القيادة السياسية بالقيادة العسكرية وبسلوكها بالنسبة للأزمة، وسيكون في ذلك ما يؤثر على علاقات القيادتين لاحقاً. الحدث والسلوك أيضاً هما شرخا الديمقراطية الإسرائيلية، لأنهما مسا بالإجماع الجماهيري حول الجيش ومكانته كغير سياسي، خصوصاً لجزء من منظوماته المهمة، وكذا للقيادة العليا التي اعتبرت كمن أيدت أو على الأقل احتوت الرفض، ومن ثم شخصت كمعارضة للإصلاح رغم أنها لم تعبر عن ذلك. لذا فإن لم يكن الضرر فقط في العلاقات بين القيادتين، بل وأيضاً في علاقات الجيش مع المجتمع في إسرائيل وبمكانة الجيش في نظر المجتمع الإسرائيلي.
من الصعب الافتراض، في الظروف الناشئة، انه لن يكون للأمور تأثير على نموذج تجنيد الجيش وعلى مكانته كجيش الشعب التي تآكلت على أي حال في السنوات الأخيرة؛ فتهديدات الرفض المنظم واختيار القيادة العسكرية لاحتوائها، أثرت على وزير الدفاع للدعوة إلى تعليق التشريع، ووضعت بنية تحتية لاحتجاجات وتهديدات الرفض التالية في الجيش. ولما كانت التهديدات الأمنية الخارجية موجودة على أي حال، ما كان لوزير الدفاع لأن يدعو إلى تعليق التشريع لولا الحدث موضع الحديث، والذي عظم التهديدات الخارجية بسبب خطر تأثيره على الأهلية العملياتية للجيش وعلى إمكانية أن يفسر أعداء إسرائيل هذا الضعف كفرصة لمهاجمتها.
من الآن فصاعداً، ربما يجد الجيش نفسه مضطراً للتصدي لرفض منظم، ربما في أوساط فئات سكانية أخرى من خادمي الاحتياط بالنسبة لمسائل مدنية – سياسية ووطنية أخرى. إن تداعيات هذا المنزلق السلس هي بالضرورة جيش أكثر مشاركة في مسائل مدنية – سياسية، وعلاقات متوترة أكثر بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية. الشكوك وانعدام الثقة تصعّب على القيادة السياسية القبول بمواقف الجيش المهنية على أنها لا أجندة لها، أو كموقف سياسي – قيمي. سيكون في ذلك ما يشوش طبيعة الخطاب بين القيادتين، وبدلاً من مجال خطاب مفتوح – باعث على التحدي، حر، هو أيضاً مجال تعلم مشترك للقيادتين اللتين تتقاسمان فيما بينهما المعركة وتتحدى إحداهما الأخرى، سينشأ خطاب مغلق، ملجوم، تراتبي وعديم التعلم المشترك.
ما إن تحطم السد، حتى وقفت القيادة السياسية أمام مخاوف من مظاهر رفض كهذه أو تلك. من الآن فصاعداً، سيكون من الصعب على القيادة السياسية الاعتماد على الجيش كمن هو قادر على وضع كل قدراته وكفاءاته المهنية لتحقيق خطوة عسكرية غايتها تنفيذ غاية سياسية استراتيجية قررتها القيادة المدنية المنتخبة. بالشك من جانب القيادة السياسية المنتخبة تجاه القيادة الأمنية والجيش نفسه، ينطوي ضرر جسيم بالديمقراطية الإسرائيلية بالرقابة المدنية كمدماك أساس في علاقات القيادة السياسية والقيادة العسكرية في الدولة الديمقراطية.
لبدء عملية إشفاء ضرورية للديمقراطية الإسرائيلية في ما يتعلق بعلاقات الجيش بالمجتمع وعلاقات القيادة السياسية – القيادة العسكرية، من الضروري أولاً فهم خطورة المشكلة وعمق الشرح. كل محاولة لتجميل الأمور أو تقزيم حدتها ستحبط عملية الإشفاء الصحيحة التي ستكون في كل حال مركبة وقاسية وطويلة.
كوبي ميخائيل
نظرة عليا 18/4/2023