نتائج جولة الانتخابات الثالثة ليست وثيقة ذات صلة من ناحية محكمة العدل العليا. حتى لو قررت المحكمة بأن بنيامين نتنياهو يمكنه أن ينتخب لرئاسة الوزراء – إذا توفرت له أغلبية في الكنيست – فهذا لن يكون بسبب تفوق الليكود على “أزرق أبيض” ببضعة مقاعد. كان من حقه أن يترأس قائمة الليكود، وكان من حق المقترعين أن يؤيدوا قائمة برئاسته، أقل من ثلث الناخبين أيدوا الليكود، وفي دولة القانون ليس في هذا ما يعفي شخصاً له ثلاثة اتهامات جسيمة من المحاكمة.
من حيث الجوهر – لما كان التمييز الذي أجراه المشرعون بين الوزير ورئيس الوزراء بشأن استحقاق مواصلة أداء مهام المنصب لم ينبع إلا من الرغبة في عدم خلق صدمة سلطوية كنتيجة لاستقالة الحكومة في أعقاب استقالة رئيسها، ولما كان الوضع الحالي لا يرتقي إلى أي صدمة، لأن الحكومة هي حكومة انتقالية، وعلى أي حال ينبغي تشكيل حكومة جديدة، فمشكوك جداً أن تجد محكمة العدل العليا سبباً قانونياً ما لمنح نتنياهو الإمكانية لمواصلة تولي المنصب الأهم والأكثر حساسية في إسرائيل، بينما يتعين عليه أن يمتثل لمحاكمته.
قيم وليس أطراً
إن النتيجة المتواضعة التي حققتها القائمة المشتركة للعمل وغيشر وميرتس محزنة، ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بالأطر فمن الصعب عليّ أن أحس بالحنين. فالفكرة أهم بكثير، والفكرة حية ترزق عندنا وفي العالم أيضاً. كثير من الأفكار التي وضعها العمل وميرتس قبلها الجمهور الغفير كأمور مسلم بها: في المجال الاقتصادي الاجتماعي يدور الحديث عن دولة الرفاه، التي تأخذ الضرائب من الجمهور وتقدم الخدمات للجميع والمخصصات للجميع. مساعدة الضعيف في المجتمع لا تتم انطلاقاً من الرأفة والرحمة، بل لأن القانون يلزم بذلك، وهذا مفهوم اجتماعي ديمقراطي حتى اليمين تبناه.
في المجال السياسي أصبح حل الدولتين حجر الزاوية في خطة ترامب التي تبناها اليمين بل وأجزاء في اليمين العميق بحماية شديدة. وأصبح مقبولاً اليوم أن من يعارض تقسيم البلاد فإنه يبتعد عن تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
فهل يدور الحديث عن نهاية هذه الأحزاب؟ لا يمكن أن نعرف هذا الآن. مؤيدوها لم يتبخروا، والوسط – اليسار لن ينهار، بل يوقف عربته في “أزرق أبيض” وفي قسمه الصغير – في القائمة المشتركة.
إذا جرت الانتخابات التالية بعد أربع سنوات قد نرى انتشاراً مختلفاً في الجانب الليبرالي من الخريطة. ويحتمل ألا ينجح “أزرق أبيض” في الوجود بسبب التناقضات الكثيرة التي بين عناصره، وهؤلاء سيعودون “إلى الديار”، إلى أحزابهم السابقة. ويحتمل أيضاً أن يحصل العكس، ويقوم حزب وسط – يسار صهيوني كبير تحت جناحي “أزرق أبيض”. على أي حال، إن الصوت الذي يصر على حقوق الإنسان، والصوت الذي يدعو إلى السلام مع الفلسطينيين، سيسمع بصوت جلي وعال في الكنيست الـ 23 أيضاً.
وبالنسبة إلى نجاح القائمة المشتركة: تصويت العرب مواطني إسرائيل كان – ضمن أمور أخرى – تعبيراً عن اعترافهم بنجاعة الديمقراطية الإسرائيلية، وبأن لتصويتهم معنى، وبأن الجميع متشابهون رغم غضبهم على المؤسسة الرسمية والتمييز، والتاريخ الأليم،. ثمة فرق بين اليمين المحافظ، الذي يتباهى بالتشريع التمييزي، وبين المعسكر الليبرالي، على ألوانه، البعيد عن أن يكون كامل الأوصاف. وعلى الرغم من ذلك، يرى فيهم من هم جديرون بحقوق متساوية.
إن حقيقة أن ائتلافاً بين أحزاب صهيونية والقائمة المشتركة لم يكن قط من الجولات الثلاثة، لا تنبع فقط من ظاهرة التجمع الديمقراطي، بل وبسبب الفكر الإشكالي لأناس يؤمنون بحل الدولتين، ويؤمنون بالتعاون اليهودي العربي، والقاسم المشترك بينهم وبين معسكر السلام الصهيوني والعلماني واسع جداً.
لقد كان رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، هو الذي وجد من الصواب أن يعلن عشية الانتخابات الأخيرة بأن “الأغلبية اليهودية مفهوم عنصري”. إذا كانت الأغلبية مفهوماً عنصرياً، فإن الدولة اليهودية هي الأخرى مفهوم عنصري، والصهيونية أيضاً هي عنصرية. فهل هذا ما يعتقده هذا الرجل المنطقي والبراغماتي، الذي أصبح في السنوات الأخيرة وجه الجماعة التي تشكل خُمس مواطني إسرائيل؟
نقيض العنصرية
لست مستعداً لأن أقبل بأن تكون هذه هي أقوال ما قبل الانتخابات. فممثلو الجمهور يفترض أن يكونوا مربي الجمهور، قبل الانتخابات وبعدها، وعليهم أن يحذروا في أقوالهم. بودي أن أصدق بأن عودة يعرف جيداً بأن مبدأ الأغلبية اليهودية هو النقيض للعنصرية، وأن الفكرة تأتي لاستبعاد إمكانية الدولة اليهودية حتى دون أغلبية يهودية. إذا كان يعرف هذا، فإن قوله خطير على نحو خاص.
لقد جاءت الفكرة الصهيونية في السنوات التي كان فيها الاستعمار في ذروته، رغم أنه لم يكن شيء بينها وبين الاستعمار، باستثناء خطة استغلال حقيقة أن القوى العظمى الأوروبية كانت تسيطر على الأراضي في أجزاء أخرى من العالم، وكان بوسعها أن تعرض على الشعب اليهودي المضطهد والمظلوم قطعة بلاد يمكنه أن يعيش حياته فيها. كان واضحاً منذ البداية أن قطعة البلاد هذه، أياً كانت، فيها أغلبية يهودية كي لا يكون هناك وضع تسيطر فيه أقلية على أغلبية بخلاف أماكن أخرى في العالم، (مثلما في جنوب إفريقيا مثلاً).
وعندما ارتكب اليمين في البلاد خطأيه التاريخيين الرهيبين، حين عارض مشروع التقسيم للجنة بيل في 1937، ومشروع التقسيم للأمم المتحدة بعد عشر سنوات من ذلك، لم يتصور بديل إقامة دولة قبل خلق أغلبية يهودية، وفضل الانتظار إلى حين نشوء مثل هذه الأغلبية.
إن كفاح هرتسل لنيل “ميثاق” يسمح لليهود بأن يقيموا لأنفسهم وطناً قومياً كي يسمح لهم هذا أن يستوعبوا يهوداً آخرين، لم ينتهِ عندما توفر الميثاق مع إعلان بلفور، وبعد ذلك من عصبة الأمم. صحيح أن إعلان بلفور تجاهل العرب الذي كانوا يعيشون في فلسطين في تلك الفترة لصالح جمهور واصل العيش في أوروبا، ولكن كان واضحاً للشعب اليهودي تماماً أن هذا الوعد العالمي بذاك الوطني القومي لن يتحقق إلا إذا نشأ في تلك الوحدة الإقليمية التي ستخصص للشعب اليهودي أغلبية يهودية.
لا يمكن أن نتوقع من العرب الذين عاشوا هم وآباؤهم وآباء آبائهم في هذه البلاد، ورأوا وصول آبائنا إلى هنا غزواً ودحراً لأرجلهم، أن يستقبلوا بالترحاب الفكرة الصهيونية. يوجد بيننا عرب ويهود، حوار متواصل في مسألة من “الضحية أكثر”، وقد لا نتفق على ذلك، بل وليس مهماً جداً. ولكننا نجحنا في أن نثبت لأنفسنا بأن الحياة في جيرة قريبة، ممكنة. لا نسارع إلى التخلي عنهم، ولا يسارعون إلى التخلي عنا. رغبتنا في أغلبية يهودية بعيدة عن العنصرية كبعد الشرق عن الغرب، طالما لا تنطوي على هذيانات بالترحيل والطرد لغرض تحقيق هذه الأغلبية؛ يدور الحديث عن نقيض ذلك: استعداد لتقليص مجال السيطرة الإسرائيلية، كي نضمن أغلبية يهودية لضمان ألا يكون أبداً يهود بلا وطن، وأن تقوم إلى جانبنا دولة فلسطينية تكون فيها أغلبية فلسطينية، وتضمن من جهتها، ألا يكون أبداً فلسطينيون بلا وطن.
بقلم: يوسي بيلين
إسرائيل اليوم 6/3/2020