ما هي التغييرات الايجابية لأنشيلوتي في ريال مدريد التي أنست الجماهير زيدان؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»:  اقتبس عشاق ريال مدريد العرب المقولة الشهيرة للمنشد ياسين التهامي «أكاد من فرط الجمال أذوبُ»، كتعبير مجازي لوصف حالة السعادة والتفاؤل المسيطرة عليهم، بعد البداية الصاروخية للفريق، سواء على الصعيد المحلي أو القاري، بسلسلة من العروض والنتائج الهوليوودية، التي فاقت أحلام وتوقعات الرئيس فلورينتينو بيريز ومعه أكثر المتفائلين بنجاح كارلو أنشيلوتي في ولايته الثانية، خاصة في هذه الفترة المعقدة، حيث يعاني الميرينغي لإعادة اقتصاده كما كان قبل كارثة كوفيد-19، بجانب الالتزام بعملية الإحلال والتجديد، بعد التخلص من شريحة جديدة من جيل «العاشرة» في الميركاتو الصيفي الأخير، وتقدم القلة الباقية في قطار العمر، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للتشكيك في نجاح «عراّب» الجيل الذهبي، أو حتى محاكاة تجربته الأولى، للفوارق الشاسعة في ما يخص الأسماء والجودة والخبرات بين قائمته في ولايته الأولى وبين العناصر الشابة المتاحة في الوقت الراهن، لكن حتى هذه اللحظة، جاءت النتائج مغايرة ومخالفة لكل التوقعات.

نهاية عصر زيدان

كان الاعتقاد السائد بالنسبة للشعب المدريدي قبل الأعداء والشامتين، أن الميستر كارليتو لن يضيف الكثير للفريق، أو بالكاد سيسير على نهج تلميذه النجيب زين الدين زيدان، بالاستمرار في عملية استنفاد «عصارة خبرة» نجوم العقد الفائت، والأمر لا يتعلق بضعف خبرة واحتكاك الوافدين من «الكاستيا» فحسب، بل أيضا لعلامات الاستفهام الكثيرة حول نشاط اللوس بلانكوس في نافذة انتقالات اللاعبين الصيفية، بالاكتفاء بالتوقيع مع النمساوي المخضرم ديفيد آلابا في صفقة انتقال حر، رغم الحاجة الماسة لخدمات مدافع آخر بجانب متمرد بايرن ميونيخ السابق، لتعويض خسارة ثنائية سيرخيو راموس ورافاييل فاران، وفي يوم «الديد لاين»، جاء الأفريقي الأصل / الفرنسي الهوية إدواردو كامافينغا من رين مقابل 35 مليون يورو، كصفقة مستقبلية، أي كان ينتظر تأهيله وإعداده مع الشباب، قبل الدفع به مع نجوم الفريق الأول، كما حدث مع كل الشباب الذين تعاقد معهم النادي في السنوات القليلة الماضية، ناهيك عن حالة الإحباط التي سيطرت على المشجعين، بعد فشل القرش الأبيض في ضم «الغالاكتيكو» المستقبلي، والإشارة إلى هداف باريس سان جيرمان كيليان مبابي، رغم مزاعم المحيط الإعلامي الأبيض، بأن رئيس النادي الباريسي ناصر الخليفي سيرفع الراية البيضاء، لتفادي خروج اللاعب من «حديقة الأمراء» بدون مقابل مع انتهاء الموسم الجاري، وما ضاعف يأس وإحباط الجماهير، تلك الصورة البائسة التي ظهر عليها الفريق في مبارياته التحضيرية للموسم الجديد، إذ بدا بنفس النسخة المفككة التي تركها سلفه الفرنسي، كفريق انتهى عهده مع السحر والطرب الكروي، لتشبع اللاعبين بالبطولات والانتصارات، وعدم قدرتهم على تقديم الجديد. وتجلى هذا في المباراة الكارثية أمام غلاسغو رينجرز، في ما كانت تعتبر أول اختبار ودي حقيقي لأنشيلوتي قبل بداية حملة الليغا، وفي نفس الوقت، كانت سببا في زيادة حملة التشكيك في المدرب ومشروعه المحفوف بالمخاطر، لكن بعد ذلك، استطاع المدرب الإيطالي أن يفرض احترامه على الجميع، على الأقل حتى هذه اللحظة.

العصا السحرية

دائما نسمع عبارة «لا أملك العصا السحرية»، في أغلب المؤتمرات الصحفية لتقديم المدربين للمرة الأولى، خاصة أولئك المكلفين بالبناء من الصفر، أو بلغة العصر المطالبين بوضع «حجر أساس مشروع طويل الأجل»، ويكون هدف المدربين من هذه الجملة، هو تقليل حجم الضغوط الجماهيرية والإعلامية، وأيضا منح أنفسهم مزيدا من الوقت، حتى تظهر بصمتهم على أرض الملعب، لكن أنشيلوتي كان مختلفا عن الأغلبية، بإعطاء وعود مبكرة للمشجعين، بعودة كرة القدم الأنيقة المعروفة عن نادي القرن الماضي في أسرع وقت ممكن. والمثير للإعجاب بحق، أنه فاجأ عشاق النادي وعالم كرة القدم عموما، بمستوى مغاير ومختلف تماما، عن الصورة النمطية عن الميرينغي في فترة ما بعد الأسطورة كريستيانو رونالدو، ويظهر ذلك في السلاسة والانسيابية في نقل الكرة بين أقدام اللاعبين، بجانب تطبيق ما يُعرف بـ«السهل الممتنع» لتفكيك الدفاعات، بتنوع في طرق الاختراق، تارة باستغلال لمحات ماركو أسينسيو وردريغو الإبداعية في الرواق الأيمن، وتارة بإعطاء الإذن لإطلاق السهم الجارح فينيسيوس جونيور على المدافعين، ليشبع رغبته في بعثرة الخصوم «كرويا» في الرواق الأيسر، وأهم وأخطر من ذلك، توجيه طاقته المتفجرة لخدمة المنظومة الجماعية، على عكس الانطباع المحفور في الأذهان عنه، كلاعب مستهتر ويغلب على أدائه الطابع الفردي، بخلاف رعونته في الثلث الأخير من الملعب، كما كنا نشاهده في ولاية زيدان الثانية. لكن من الواضح، أن كارليتو، عرف كيف يتعامل معه نفسيا، ليجني ثمار رهانه الرابح، بالمستوى الخيالي الذي يقدمه العشريني البرازيلي، من لاعب قال عنه كريم بنزيما بين شوطي مباراة بوروسيا مونشنغلادباخ العام الماضي «أقسم إنه يلعب ضدنا»، إلى الشريك المثالي للفرنسي الملقب بـ«الحكومة»، بعد وصول الثنائي إلى قمة التفاهم والانسجام، وقبل هذا وذاك، التعاون الإيجابي في إنهاء الهجمات، بتسجيل 12 هدفا، بواقع سبعة أهداف للجزائري الأصل وخمسة لشريكه الشاب، من أصل 21 هدفا سجلها الفريق قبل سهرة السبت أمام غواصات فياريال الصفراء، مع الوضع في الاعتبار، أن بنزيما ساهم بمفرده في 15 هدفا في أول ست جولات، وهو رقم لم يحققه أعتى أساطير الليغا منذ بداية الألفية الثالثة وعلى رأسهم الهداف الأسطوري للمسابقة ليونيل ميسي وغريمه التقليدي كريستيانو رونالدو، ولا ننسى أرقام فينيسيوس المميزة، بتسجيل خمسة أهداف وصناعة خمسة، أفضل من سجله من مشاركاته على مدار الموسم الماضي، ما يعكس تأثير أنشيلوتي وبصمته الكبيرة في التحسن الملموس في المنظومة الهجومية برمتها، مقارنة بالوضع والأرقام في ولاية زيدان الثانية الدفاعية.
تطبيق العدالة

بالنظر إلى أسباب التغير الجذري في شكل وإيقاع لعب الريال هذا الموسم، سنجد منها تطبيق مبدأ العدالة على الكبير قبل الصغير، بإعطاء الأولوية للأفضل والأكثر جاهزية في المران الجماعي، بعيدا عن المحسوبية والإخلاص، على غرار ما كان يفعله زيدان مع رجاله المخلصين، الذين كان يفضلهم على الشباب والوافدين الجدد، كنوع من أنواع رد الدين لهذا الجيل، الذي ساعده على كتابة التاريخ في الولاية، بتحقيق 9 ألقاب في غضون عامين ونصف العام، منها كأس دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات تواليا، والدليل على أن كارليتو لا ينظر إلى القيمة السوقية ولا إلى أسماء السوبر ستار، إصراره على الدفع بالمتوهج فينيسيوس جونيور على حساب قائد المنتخب البلجيكي إيدين هازارد، تجسيدا للمثل الشعب المصري «اللي تغلب به.. العب به»، وتأكيد جديد، أنه «يضع مصلحة المشروع المستقبلي فوق مصلحة الأفراد»، وهذا ما انعكس بشكل إيجابي على اللاعبين، خصوصا المتعطشين للحصول على نصف فرصة، أو بمعنى آخر الطامحين في السير على خطى زميلهم فينيسيوس جونيور، الذي تبدلت أوضاعه من النقيض إلى النقيض، كما أشرنا أعلاه من مادة دسمة للسخرية والكوميكس من قبل مشجعي النادي قبل الشامتين، إلى جوهرة باهظة الثمن، إذا قرر بيريز بيعها العام المقبل، سيجني أكثر من 100 مليون يورو بخلاف المتغيرات، ومن مباراة لأخرى، يثبت حاكم «سانتياغو بيرنابيو» الجديد، صدق نواياه ووعوده للجيل الصاعد، بإعطاء دقائق وفرص حقيقية للمواهب الخام، مثل اعتماده على الظهير الشاب ميغيل غوتيريز، لتعويض غياب مارسيلو وفيرلاند ميندي بداعي الإصابة، مع ذلك، لم يشعر أحد بغياب أو تأثر الجبهة اليسرى بالثنائي المصاب، لظهور اليافع الإسباني بمستوى جيد جدا، سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي، كرسالة شديدة اللهجة لمارسيلو وميندي، أنه لن يترك مكانه بسهولة بعد عودتهما من الإصابة.
ونفس الأمر ينطبق على الدينامو الجديد إدواردو كامافينغا، الذي فاجأ الجميع بشخصيته وحضوره داخل المستطيل الأخضر، كأنه ترعرع بين جدران «الفالديبيباس»، وليس ذاك الطفل، الذي عاش طفولة بائسة في المخيمات، ومؤخرا ابتسم له القدر بعد صعوده إلى فريق رين الأول بعمر 16 عاما. ويكفي الثقة التي منحها للجماهير، بتأثيره الفوري على منظومة الوسط والفريق بوجه عام، محطما المقولة المقدسة «ريال مدريد يعاني بدون ثلاثي الوسط توني كروس ولوكا مودريتش وكاسيميرو»، وشاهدنا كيف تفنن في قيادة الوسط في أول اختبار ضمن التشكيلة الأساسية أمام ريال مايوركا، بإعطاء صبغة أو لمسة مختلفة عن مودريتش وكروس، تكمن في طاقة كامافينغا المتفجرة في كل مكان في وسط الملعب، لتمتعه بحيوية وعنفوان الشباب المراهق، على عكس الثلاثي المخضرم، فضلا عن لمسته وجودته كلاعب وسط متعدد الاستخدام، كما فاجأ الجميع برؤيته وثقته الكبيرة في نفسه، كمشروع لاعب وسط متكامل من الطراز العالمي، على الأقل، للتخلص من نغمة عدم وجود بديل للموسيقار مودريتش والمهندس كروس. ويُحسب لكارلو، أنه أحسن استغلال حالة النشوة، التي كان عليها صاحب الـ18 عاما، بعد انتقاله من رين إلى الريال، ولم يتبع نهج زيدان، بإبقاء الشاب في فريق «الكاستيا»، إلى أن يتم تأهيله فنيا وذهنيا لتحمل ضغط ارتداء قميص الريال الأول، فكانت النتيجة، إجماع الكل، أن الميرينغي أبرم صفقة لا تقدر بثمن، وهذا في حد ذاته، من الأمور أو الأشياء التي افتقدها الفريق الملكي في السنوات الماضية، بسبب المعاناة مع الصفقات الجديدة، آخرهم إيدين هازارد ولوكا يوفيتش، ونفس الأمر ينطبق على ديفيد آلابا، هو الآخر، قدم سريعا أوراق اعتماده للجماهير، كصفقة رابحة بكل المقاييس، لانسجامه السريع مع إيدير ميليتاو وباقي الرفقاء الجديد، والأكثر أهمية، بروز جودته وشخصيته، كلاعب قائد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لتعويض ولو جزء من الفراغ الذي تركه القائد الأندلسي سيرخيو راموس، وهذا جزء من الخليط أو ما يُعرف بـ«عملية المزج»، التي يقوم بها أنشيلوتي، لدمج العناصر الشابة والوافدين الجدد مع القدامى، ليظهر الفريق بهذه الصورة المبشرة في أول ست جولات.

التدوير ورونالدو العصر

في الوقت الذي يتفنن فيه أنشيلوتي في «عملية الإحلال والتجديد»، لوضع حجر أساس «جيل الرابعة عشرة»، كما أشرف بنفسه على صناعة جيل العاشرة، لا يتوقف عن تطبيق سياسة «المداورة» في التوقيت المثالي، كأداة لمساعدته في اصطياد عصفورين بحجر واحد، منها استغلال نشوة الانتصارات والحالة المعنوية المرتفعة في غرفة خلع الملابس، بتوسيع دائرة اختبار أفضل العناصر الشابة، ومنها أيضا إراحة كل اللاعبين من ضغط المباريات، مع قرب موسم الإصابات السنوي، بتلاحم روزنامة الأندية مع المنتخبات في الشهرين المقبلين، لاستمرار التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2022، وهذا يفسر تقارب المستوى بين العناصر الأساسية والبدلاء في المباريات الأخيرة، لشعور كل لاعب أن فرصته قادمة لا محالة، وكل ما عليه هو استغلالها على أفضل وجه، وإلا لما شاهدنا نجم المستقبل أنطونيو بلانكو، يقاتل على الكرة، كالأسد وهو يستميت على مملكته، وبالمثل زميله في الكاستيا سيرجيو فيرنانديز، الذي أجاد في مشاركته كبديل لناتشو في مركز الظهير الأيمن، حتى كبير ضحايا زيدان، والحديث عن لوكا يوفيتش، هو الآخر بدأ يتنفس الصعداء، وإذا أكمل على ما بدأ أمام مايوركا، عندما شارك كبديل في الدقائق الأخيرة، وأبلى بلاء حسنا، سيكون أنشيلوتي، قد أنقذ الريال من خسارة مضاعفة، بتحسين قيمته السوقية، بعد عزوف الأندية عن طلبه في الميركاتو الصيفي الأخير، لظهوره بمستوى متواضع مع الفريق وأيضا مع فريقه السابق آينتراخت فرانكفورت في تجربة إعارته القصيرة، لتخليصه من جحيم زيدان. هذا بخلاف دعمه للقدامى، الذين عاشوا أصعب فتراتهم في ولاية زيزو الثانية، وعلى رأسهم ماركو أسينسيو، الذي تحول إلى صفقة جديدة، باستعادة الكثير من مستواه الذي كان عليه، قبل إصابته بقطع في الرباط الصليبي قبل عامين، ومعه إيسكو، الذي تدهور مستواه بصورة فاقت كل التوقعات آخر ثلاثة مواسم، لدرجة أن الجماهير كانت تقود حملات عنيفة للضغط على الإدارة من أجل التخلص منه، لكن الآن، بدأت تتحسن أوضاعه، وأصبح يمثل «ورقة رابحة» للمدرب على مقاعد البدلاء، وهذا ساهم في التنوع والنكهة المختلفة، التي بدا عليها الريال في بداية حقبة كارليتو الثانية، حتى الآن.
يبقى بطل هذه المرحلة، أو إن جاز التعبير وصفه بـ«رونالدو العصر»، هو كريم بنزيما، الذي يتفانى في تقديم دور «المعلم» لكل اللاعبين، كما وصفه فينيسيوس جونيور مؤخرا، وسبقه زيدان بمقولته الشهيرة «من لا يحب بنزيما لا يحب كرة القدم»، ويظهر ذلك في ما يقوم به على أرض الملعب، بالقيام بأدوار تفوق المطلوب منه، شاملة تقمص دور «سانتا كلوز»، بتقديم أغلى الهدايا لمن يلعبون حوله، آخرهم المشاركة في 4 أهداف من أصل 6 سجلها الفريق أمام مايوركا، من دون الابتعاد عن دوره الرئيسي، وهو هز شباك المنافسين، كأفضل رد على من كانوا يسخرون منه في الماضي القريب، تحديدا في آخر موسمين بجانب كريستيانو رونالدو قبل ذهابه إلى يوفنتوس عام 2018، آنذاك كان رمزا للنحس، لسوء حظه مع الكثير من الفرص التي كانت تتاح له أمام المرمى، ناهيك عن التنمر على دوره، كمساعد للدون في تسجيل عشرات الأهداف. لكن الآن، بالكاد لا يتذكر أحد هذه النغمة، بعدما فرض نفسه، كواحد من أعظم أساطير الدوري الإسباني، باعتباره اللاعب رقم 10، الذي يصل إلى هدفه الشخصي رقم 200، وما زال أمامه الوقت لزيادة الغلة التهديفية، وبالطبع هذا ما يريده أنشيلوتي، لتكون الخاتمة مثالية، بإعادة ريال مدريد إلى مناص البطولات في نهاية الموسم، لتعويض الجماهير عن الموسم الصفري الأخير، فهل سيحافظ الريال على نسقه المرتفع ويتحول إلى فريق مخيف؟ أم سيتأثر مع ضغط المباريات والمتغيرات في حال حدوث إصابات، خاصة على مستوى قلب الدفاع في ظل الاختيارات المحدودة؟ دعونا ننتظر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية