برلين-»القدس العربي»: أزمة تخلي أستراليا عن صفقة الغواصات الفرنسية التقليدية واستبدالها بأخرى أمريكية نووية الدفع، أحدثت صدى عالميا من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، وتوشك أن تعيد بناء تحالفات واستراتيجيات جديدة، وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان الرئيس الأمريكي بايدن في 15 أيلول/سبتمبر عن تحالف اوكوس الدفاعي الذي يضم استراليا وأمريكا وبريطانيا، والتعهد بتنشيط حلف جديد مع الهند.
فسخ أستراليا لعقد شراء 12 غواصة فرنسية أدى بالفعل إلى زلزال أعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها عامة، وخاصة غير الأنغلوسكسونيين منهم. وكان العقد ينص على شراء أستراليا من فرنسا 12 غواصة تعمل بالدفع التقليدي (غير نووي) مقابل 50 مليار دولار أسترالي (31 مليار يورو) وقت التوقيع، أو 90 مليار دولار مع الأخذ في الاعتبار التضخم خلال فترة البرنامج وتجاوزات التكاليف. وكان هذا أضخم عقد حول معدات دفاعية توقّعه أستراليا وكذلك مجموعة صناعية فرنسية.
فرنسا المجروحة والتي تخشى على صورتها أمام العالم، خاصة في ما يخص صناعة الأسلحة سارعت إلى الإعلان على ان إلغاء هذه الصفقة لا يعني تضرر الصناعات الدفاعية فيها، بيد أن هذا القرار أعاد الخلافات الأوروبية الأمريكية والتي ظهرت جليا في عهد بايدن إلى الواجهة. هذه الخلافات التي عبر عنها وزير الخارجية الفرنسي لودريان: «إذا لم يشعر الأوروبيون أنه من أجل البقاء في التاريخ عليهم أن يتحدوا ويدافعوا معًا عن مصالحهم الخاصة، فسيكون مصيرهم مختلفًا تمامًا». ويبدو أن المواجهة الأوروبية الأمريكية ستكون أكثر احتداما مع اقتراب تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من 2022. ودعا الوزير الفرنسي أوروبا لتجهيز نفسها بـ»بوصلة استراتيجية» مختلفة تكون تحت مسؤولية فرنسا في إشارة إلى الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي في الأول من كانون الثاني/يناير بعيدا عن سياسة الولايات المتحدة.
خيبة أمل أوروبية
التحالف الجديد الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي بايدن والذي شمل الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، جاء في وقت تطالب فيه عدة دول أوروبية بالخروج من بوتقة الولايات المتحدة العسكرية، والاعتماد أكثر على مكوناتها وأهدافها، لا تكون بعده في حاجة للمظلة الأمريكية، وهذا ما يزعج واشنطن، وجعلها توجه لباريس ما وصفته الأخيرة «طعنة في الظهر». إذ قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، إن «حادثة الغواصات وما حصل في أفغانستان، تظهران أنه لم يعد بإمكاننا الاعتماد على الولايات المتحدة، لضمان حمايتنا الاستراتيجية». وقال لومير: «عندما يتم اتخاذ مثل هذا القرار القاسي، أعتقد أنه يترك آثارا دائمة. لم يكن لدي أوهام بشأن التطورات الاستراتيجية للولايات المتحدة، فهم يعتقدون أن حلفاءهم يجب أن يكونوا مطيعين».
من جهته تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم الدعم لفرنسا في النزاع بشأن صفقة بيع غواصات فرنسية لأستراليا، بعد أن ألغتها كانبيرا عقب التوصل إلى شراكة جديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وقال الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والأمنية جوزيب بوريل إن وزراء خارجية الاتحاد ناقشوا الأمر خلال اجتماع على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك واعتبروا الوضع «مخيبا للآمال للغاية». كما انتقد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بوضوح التحالف الأمني الجديد بين الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وبريطانيا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقال ماس في مستهل الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: «ما تم تقريره هناك والطريقة التي تم بها اتخاذ هذا القرار مُربك. الأمر ليس مخيبا للتوقعات فقط بالنسبة لفرنسا».
وأكدت وزيرة الدفاع الألمانية، أنيغريت كرامب- كارنباور، اعتزامها تقديم مقترح لتسريع وتيرة تنفيذ المهام العسكرية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. وتنص المادة 44 على أن مجلس الاتحاد الأوروبي بإمكانه تكليف مجموعة من الدول الأعضاء بتنفيذ مهمة ما في حال كانت هذه الدول راغبة فيها وكانت لديها القدرات اللازمة لمثل هذه المهمة.
ورأت الوزيرة الألمانية أن على الأوروبيين أن تكون لديهم القدرة على التصرف بشكل ذي مصداقية إذا أرادوا أن يأخذهم العالم على محمل الجد، ولفتت إلى أن من الممكن أن تكون هناك «مواقف يكون لدينا فيها وضع مصالح مختلف ويمكن أن يكون هذا أيضاً داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)».
بايدن والابتعاد عن المحور الأوروبي
بالرغم من السخط الفرنسي وخيبة الأمل الأوروبية، يواصل الرئيس الأمريكي عقد تحالفات جديدة في المنطقة خارج إطار الناتو. ويعتزم بايدن الذي يسعى لتشكيل تحالفات في مواجهة نفوذ الصين، إحياء هذه الصيغة الدبلوماسية المسمّاة «كواد» أو «الحوار الأمني الرباعي». بعد الإعلان عن تشكيل تحالف عسكري كبير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
لا شكّ أن باريس التي فوجئت بإعلان تشكيل تحالف عسكري بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، ستتابع عن كثب مواقف بايدن ومودي، في وقت تعتمد فرنسا كثيراً على الهند كشريكة في المنطقة.
بيد أن الإدارة الأمريكية تعتقد أنها تخوض معركة مصيرية في مواجهة صعود الصين، الذي تجاوز ناتجها الداخلي الإجمالي المعادل للقدرة الشرائية نظيره الأمريكي. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن الناتج الداخلي الإجمالي المعادل للقدرة الشرائية في الصين يبلغ نحو 24 ترليون دولار مقابل 20 ترليون دولار في الولايات المتحدة الأمريكية.
ما يعني أن الصين أصبحت أكبر اقتصاد عالمي، إذا أخذنا بهذا المعيار، متفوقة بنحو 4 آلاف مليار دولار عن الولايات المتحدة، ما يهدد الأخيرة بإزاحتها من عرش الهيمنة العالمية، الذي انفردت به منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وانهزام الولايات المتحدة في أفغانستان أمام حركة طالبان التي استنزفتها تريليونات الدولارات خلال 20 سنة، وانسحابها الفوضوي منها، لا يهدد فقط مكانتها العالمية، بل يهز ثقة حلفائها الأوروبيين، الذين لم تستشرهم عند اتخاذها قرار الانسحاب.
خطط المواجهة الأمريكية، أوجدت واقعا سياسيا جديدا، فواشنطن باتت على علم أنها بحاجة إلى عقد تحالفات جديدة، بعيدا عن حلفائها التقليديين، في حال أرادت تحجيم الصين، في حين بات الأوروبيون أكثر تمسكا بسياسة أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة، وهو ما سيضع الاتفاقات العسكرية على المحك، لا سيما حلف الشمال الأطلسي «الناتو».