باريس ـ «القدس العربي»:يتواصل في العاصمة الفرنسية باريس معرض الملك «توت عنخ آمون» في محطته الثانية تحت عنوان «توت عنخ آمون… كنوز الفرعون» والذي انطلق قبل أسبوع ويستمر حتى منتصف أيلول/سبتمبر المقبل.
ويأتي هذا المعرض الذي يتزامنُ مع احتفالات الذكرى المئوية لأهم اكتشاف في القرن العشرين المتمثل في مقبرة الملك توت عنخ أمون عام 1922؛ بينما يعكف باحثون في متحف جمعية بولتيتزر للفنون في ولاية ميسوري الأمريكية، على دراسة السر وراء كسر أنوف التماثيل الذي يعتبر سمة مشتركة بين جميع الآثار المصرية القديمة. ويعتقد الباحثون أن الأمر ليس صدفة بل نتيجة عمل منظم ومتعمد كان سائداً في مصر القديمة لتحطيم التماثيل الدينية.
ويقول الباحث الأمريكي إدوارد بليبيرغ وهو أمين الآثار المصرية القديمة في متحف بروكلين الأمريكي، حيث تعرض أربعون قطعة أثرية تعود للحقبة بين القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد والقرن الأول للميلاد؛ إن تشابه الأضرار التي ألحقت بالتماثيل تثبت أن الأمر يتعلق بتصرف متعمد. ويضيف: «بالفعل يمكن لأنوف التماثيل أن تنكسر بسهولة؛ لكن كيف يمكن تفسير الشظايا الموجودة في النحوت من أماكن محددة وفريدة، أعتقد أننا أمام أضرار متعمدة يمكن أن تكون أسبابها متعددة؛ سياسية أو دينية أو ضغائن شخصية».
كما يعتبرُ الباحث الأمريكي أن المصريين القدماء كانوا يعيرون اهتماما خاصا لتمثيل الآلهة والكائن البشري، ويعتقدون أنها تمتلك قوة إلهية خارقة. وبالنسبة لهم يمكن لجزء من روح الإنسان أن تعيش في تمثاله وهذا ما يفسر حملات تخريب التماثيل التي كان الهدف منها تدمير القوة الكامنة في الصورة.
وكان هناك في ديانة مصر الفرعونية، نوع من التفاهم بين الملوك والأواله بحيث يعبد الملك الآلهة مقابل حمايتها لمصر. وتمثل النقوش والتماثيل البارزة نقطة التقاء بين القوة الخارقة والعالم الحقيقي وهذا ما يجعل تحطيم التماثيل يعطل تلك القوة «الجزء المحطم من الجسم لا يمكن أن يؤدي وظائفه، بدون أنف يفقد التمثال حياته».
وتتنوع الأضرار التي يتم إلحاقها بالتماثيل؛ حيث يحمل كل تخريب معنى معينا. فتكسير الأنف يفقد التمثال قوته الإلهية الخارقة وتكسير الأذنين يجعل التمثال غير قادر على الاستماع للعبادات. ورغم أن تحطيم الآثار يأخذ طابعاً دينياً في المجتمع المصري الذي كان الدين يسود فيه؛ إلا أن هناك أبعادا سياسية وراء تخريب التماثيل. إذ يسمح للقادة المستقبليين بإعادة كتابة التاريخ لصالحهم وهو أمر شائع في ممالك مصر القديمة، كما يوضح خبير الآثار إدوارد بليبيرغ؛ مؤكداً أن تخريب التماثيل كان أمراً شائعاً بحيث دفع المصريين القدماء إلى الاحتفاظ بمنحوتاتهم داخل المعابد ويضعون التماثيل في منافذ محمية وعلى ثلاثة جوانب.
ومع وصول المسيحية إلى مصر بين القرنين الأول والثالث الميلادي، كان يُنظر إلى التماثيل على أنها شياطين وتمت مهاجمتها. ولاحقا في العصر الإسلامي لمصر تمت إعادة تدوير الآثار المصرية في أشكال وتصاميم مختلفة للتخلص من الماضي.