برامج ترفيهية للأطفال ودعم نفسي أسري عنوان المرحلة المقبلة لـ”نحنا حدّك”
بيروت-“القدس العربي”: الحاجة أم الاختراع، والاختراع وليد تقدير صائب لجملة معطيات. عندما هاجمت جائحة كورونا لبنان تركت كثيرين في ضياع وجهل مما يواجههم، وآخرون انتابتهم أعراض المرض دون وجوده، ولدت مبادرة “نحنا حدك” للدعم النفسي. لم يخطر لمؤسسيها مصيبة بحجم انفجار المرفأ ستفاجئنا. في الصباح التالي للكارثة كانت أوراق ملونة تلتصق على جدران الأماكن الأكثر تضرراً. “نحنا حدك” للدعم النفسي لا تتردد بالاتصال بعدد من خطوط الهاتف. وفي الصباح الثاني انطلق المسح النفسي لسكان المناطق المتضررة.
“نحنا حدك” تعبير إنساني مؤثر. مجموعة اتصالات وصلت ليس طلباً للدعم النفسي، بل للشكر على المساندة من أشخاص اختبروا أكبر المحن بحياتهم.
“نحنا حدك” مبادرة تؤكد أهمية إمكانات الخير والعلم التي يختزنها مجتمعنا بعيداً عن هرطقات السياسة العقيمة، و”تناتش” الوطن بالمحاصصة الطائفية.
“القدس العربي” التقت ثلاثة من مؤسسي “نحنا حدّك” الذين يستعدون لكتابة رسالة الماستر 2 في علم النفس العيادي. مع العلم أنه بعد انفجار المرفأ تلقت المبادرة نداء من وزارة الصحة للمساعدة في إدارة مركز الاتصالات في مستشفى الحريري، والإجابة على أسئلة المواطنين عن الجرحى والشهداء والمفقودين. نانسي جديد قادت فريق المتطوعين وقالت لنا:
**أطلقت وزارة الصحة خطاً ساخناً للتبليغ عن المفقودين، وبرزت الحاجة لعدد كبير من المتطوعين إلى جانب الموظفين. وإلى جمع المعلومات من ذوي المفقودين، تواصلنا مع المستشفيات للبحث، ومع الأهل لتوجيههم. في الوقت عينه تراجعت الاتصالات بخصوص كورونا نظراً لتداعيات الإنفجار.
*ما هي خصوصية طلبكم من قبل وزارة الصحة؟
**لأننا مختصون بعلم النفس، ولأن التبليغ سيكون من قبل أهل يعيشون ضياعاً وقلقاً نفسياً ووعياً مشتتاً، فليس إنسانياً تلقي الاتصال وطلب المعلومات كما الروبوت. التعاطف حكم تلقي الاتصال وطلب المعلومة.
*على مدار أيام كيف استوعبتم أسى الناس؟
**بدأت منفردة لتحديد المطلوب منّا، تسلمنا الداتا كاملة وحولناها من ورق إلى ديجيتال. وتوالى تواجد المتطوعين الذين تزايد عددهم من 4 إلى 30. تقاسمنا العمل على مدار الساعة، وجهنا المتطوعين بدءاً من الكلمات التي يجب تفاديها لعدم التأثير سلباً على المتصل.
*كيف تقاسمتم كفريق الضغوط على مدار أسبوعين تاليين للانفجار؟
**بعد حل سريع للدوام الليلي والتزامه من خمسة متطوعين، وضعنا خطة مساندة سريعة تطورت تباعاً حول نوعية الأسئلة المتوقعة والإجابات المطلوبة ونبرة الصوت. المتطوعون طلاب علم النفس بدءاً من السنة الأولى وصولاً إلى الماجستير.
*وهل لا يزال المركز مستمراً؟
**مصير عدد من المفقودين لم يحدد، والمهمة تُركت لقوى الأمن والمستشفيات. ونتابع العمل مع وزارة الصحة رداً على اسئلة المواطنين حول كورونا، يستفسرون عن مكان فحص “بي سي آر” أو مواجهة العوارض التي تنتاب المصاب بكورونا. واتصالات تعبر عن خوف حتى من السعلة الخفيفة.
*عشت أصعب المراحل التي مرّت على لبنان بعد الانفجار. هل من موقف لا يفارقك؟
**نعم، ومؤثر جداً. طُلب منا إعادة التواصل مع عدد من أهالي المفقودين لتجديد المعلومات. ردت والدة أحدهم وكانت قد تبلغت بوفاته، ولم تكن لدينا معلومة بشأنه نظراً للضغط الكبير على مستشفيات بيروت. انفعلت الأم جداً ورددّت “هلق عم تسألوني؟ ما وصلكم الخبر؟” صرّخت، وسبّت. اعتذرنا وطلبنا المسامحة عشرات المرّات وتعاطفنا. موقف بقي ضاغطاً عندي فوق التصور. وبعدها أدركنا ضرورة تعديل آلية العمل. كانت تجربة غنية للغاية لفريق دخل مهمة لا يعرف أسسها ووضع خطة وصححها ميدانياً.
حدث صادم
ديمة السوقي من الأعضاء المؤسسين لمبادرة نحنا حدك تتولى إدارة الفريق والمشاركة في الأنشطة وتنظيمها، نسألها:
*حين أسستم مبادرتكم لمواجهة التداعيات النفسية لكورونا هل خطرت لكم مواجهة كارثة كما انفجار المرفأ؟
**حدث صادم لجميع اللبنانيين أدى إلى مئات المآسي البشرية. ولدت مبادرتنا من واقع مجتمعنا، الهلع والعجز عن التصرّف، بمواجهة جائحة قلبت الموازين، مما خلّف مشاكل نفسية مستجدة. ولهذا ولدت مبادرتنا للدعم الممكن من خلال اختصاصنا كطلاب علم نفس. مع إطلاق المبادرة تمثل هاجسنا بكيفية مواجهة كورونا، مع علمنا الأكيد بأن أي أزمة نفسية ليست وليدة اللحظة بل نتيجة أزمات سابقة ومن المؤكد لاحقة. وفي سياق تطور الأحداث حصل الانفجار واستدعى فجأة جهوزية كبيرة على كافة المستويات.
*متى تحركتم على الأرض؟
**في الصباح الباكر من الخامس من آب/اغسطس كنا في الأمكنة الأكثر تضرراً لاستطلاع إمكانات المساندة. وفي السادس منه قررنا مباشرة تقديم الدعم النفسي للمتضررين.
*وما هي المهمة الأولى التي قمت بها كمختصة بعلم النفس ومواطنة؟
**إنسانيتي أخذتني إلى حيث المواطنين المتضررين، ومن ثم حضرت كمختصة. وهذا حال كافة المتطوعين في المبادرة. مهمتنا الأولى التواصل مع الناس، ومحادثتهم، ومحاولة قراءة مشاعرهم من خلال عيونهم. ومدى تأثرهم بالحدث وما ترتب عليه. في المشاهدات الأولى كانت الدمعة عالقة في العين. ونظرة تختلف بين النكران أو الأمل.
*وهل التقيت شخصياً بمن احتاج الدعم النفسي السريع؟
**كان رجلاً كبيراً في العمر دلّت حاله لحاجته للتدخل السريع، فحضر معالج نفسي كوني لم أنجز رسالتي للماجستير ولا يحق لي تقديم الدعم المتقدم له.
*هل أحصيتم حالات الدعم التي قدمتموها عبر الهاتف أو مباشرة ولمختلف الأعمار؟
**قارب العدد 3 آلاف كدعم نفسي مباشر. وكنا نتلقى بحدود 85 اتصالاً يومياً للدعم عبر الهاتف. التواصل مستمر حتى اللحظة، يترتفع في أيام وينخفض في أخرى، وهذا طبيعي، ففي الأيام الأولى من الصدمة ينكر كثيرون حاجتهم للدعم.
*من الفئة الأكثر صعوبة؟
**لكل فئة عمرية أسلوب تدخل خاص، إنما المراهق يُصنّف حالة دقيقة لكونه في عمر حرج. والتدخل معه يتطلب حذراً.
*هل ندمت لدراستك علم النفس بعد تداعيات الانفجار؟
**بل العكس، كبر قلبي وتأكدت أنني في الطريق الصحيح.
*هل من أثر كبير انغرس بداخلك بسبب التواجد في قلب المأساة؟
**يتوزع الأثر بين سلبي وإيجابي. في الإيجابي أن فئة من المتضررين كانت توزع الدعم على الآخرين، وتردد ببساطة “ليست أول ولا آخر مصيبة.. نحنا مكملين.. ومن يحتاج الدعم ليأتي إلينا”. إنها مناعة وليست إنكاراً قطعياً للحدث. أما الأثر السلبي فقد تمثل بنظرات الأطفال التائهة بين الأرض والسماء، هم مشتتون لأن الأهل لا يقولون لهم الحقيقة. يتشتت الطفل مع اختراع خبرية بعيدة عن الواقع كجواب على سؤاله. فيما المطلوب التواصل مع الطفل وتقديم المعلومة المناسبة لوعيه، وهو يحتاج الحنان والأمان والحقيقة. في النهاية نحن كفريق بحدود الألف متطوع لم يتردد أحدنا، وجميعنا كان محكوماً بالأمل والإندفاع رغم أن بعضهم تضررت منازلهم وأصيب أقاربهم.
أهمية الصحة النفسية
مع حسين حمية مطلق مبادرة نحنا حدك كان السؤال:
*كيف خطرت لك مبادرة نحنا حدّك؟
**في آذار/مارس الماضي وحين كانت كورونا تنتشر لمست كم أولى لبنان عناية للصحة الجسدية واغفل الصحة النفسية، رغم تلازمهما، حيث للعامل النفسي إمكانية تأزيم الوضع الصحي أو التخفيف منه والإمتثال الأسرع للتعافي. وجدنا ضرورة لإطلاق مبادرة الدعم النفسي والتي تشكلت في بداياتها من350 متطوعاً، وفي خلال أسبوع ارتفع العدد إلى 870 متطوعاً من طلاب وخريجي قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية. وحالياً عددنا يفوق الألف، فبعد كارثة المرفأ لم نحدّث الجداول. ونحن ننتمي إلى فروع كلية الآداب الخمسة ونغطي كافة مناطق لبنان. وبالعودة إلى كورونا فقد كانت ملاحظتنا أن كوادر أقسام الطوارئ في المستشفيات استنزفت بمتوهمي المرض أكثر من المرضى. وبرزت الوصمة من الإصابة بكورونا. فكانت ضرورة لإعلاء أهمية الصحة النفسية كقيمة مضافة، مما يخفف الاضطرابات النفس جسدية. فأحدهم عاد إلى لبنان بالطائرة، ولاحقاً علِم بإصابة كانت على متنها، فعانى من الأعراض بما فيها ارتفاع الحرارة، ولم يطمئن إلاّ بعد الفحص المخبري. تلك المعاناة ليست فردية بل تشمل المستوى الأسري القريب أيضاً. لهذا كانت أهدافنا أولاً تقديم الدعم النفسي للمصابين بالفيروس، وثانياً لذويهم الذين لا يقلون أهمية عنهم بنتيجة ضغوط المحيط والمجتمع، إضافة إلى خشيتهم من الأصابة بالعدوى، وثالثاً المستجيبين الأوائل الذين نقلوا الحالة إلى المستشفيات، ورابعاً الكادر الطبي الذي يستقبل الحالات. جميعهم احتاجوا الدعم النفسي. ففي أحد مستشفيات النبطية طُلب من نحنا حدّك تخصيص فريق للكادر الطبي خاصة وأنهم لا يعودون إلى منازلهم في أوقات الراحة. فالكادر الطبي يعيش قلق الإصابة بالمرض أعلى من أي شخص بعيد. ولهذا حصولهم على المرافقة النفسية خلال مسارهم المهني يساندهم.
*كمبادرة أهلية وشبابية حصلتم على انتشار وشهرة سريعة جداً. هل هو نتيجة عددكم؟
**إنها عوامل مركبة. فمع انشار كورونا شكلنا خلايا أزمة نفسية وتشبيكاً مع 65 بلدية، وصوبنا على المناطق التي كثُرت فيها الإصابات. وفي كل منطقة تولّى الدعم زملاء من أهلها مراعاة لنسيجها. وهكذا انتشرت طواقم الدعم من طرابلس إلى بشري وصور وبيروت وكل لبنان.
*أنتم مبادرة ولستم جمعية تتلقى الدعم المالي والمتطوعون بأغلبهم طلاب كيف يتحركون وكيف تؤمنون لهم الطعام والماء؟
**كل يدعم نفسه. 11 متطوعاً من الشمال سيأتون غداً إلى بيروت معتمدين على سياراتهم الخاصة. ومع انفجار المرفأ كنا نتواجد في الجامعة اللبنانية حيث استُحدثت وحدة معالجة الأزمات في فرن الشبّاك، فأنشاؤوا لنا خيمة، ومن هناك نتعاون مع الصليب الأحمر ومحافظي بيروت وجبل لبنان. وتالياً تأمن الدعم اللوجستي اللازم للفرق المتطوعة من طعام وشراب فقط، وبغير ذلك كل منا يدفع من جيبه. ومع انفجار المرفأ أطلقتُ مبادرة للمساهمة المالية، فجاءت من أساتذة الجامعة وخريجيها.
*كيف تعاملتم مع انفجار المرفأ؟
**فزنا كمبادرة بالمرتبة الأولى في مسابقة الجامعات الفرنكوفونية في ريادة الأعمال قبل كارثة المرفأ، وعندها كنا نتحضر للتكيف مع أزمات تتالى في بلدنا. وكنا بصدد وضع خطة للتحرك الفوري خلال الأزمات، فمن شأن ذلك الحد من أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة. حدث الانفجار ورغم حجمه تواجدنا على الأرض في الصباح التالي. قسّمنا بيروت 17 منطقة تغطيها فرق ميدانية، مع 25 خطاً ساخناً. وسعينا لتقديم الإسعافات النفسية الأولية.
*هل نقول أن إدارة الجامعة اللبنانية وعميد كلية الآداب يفتخرون بطلابهم؟
**ان شاء الله، ويمكن توجيه السؤال للعميد لمعرفة رأيه بالمبادرة. وعبركم نشكر العميد الدكتور أحمد رباح لدعمه لنا، وكذلك الشكر لعدد من الأساتذة الذين تابعوا معنا التأهيل والإشراف.
*كم شعرتم بأهمية تواجدكم بين الناس الذين خسروا أبناءهم وأرزاقهم؟
**سواء عبر الخط الساخن في وزارة الصحة الذي تلقى اتصالات ذوي الضحايا والمفقودين وهي الأصعب، أو من خلال فرق المسح النفسي الميداني كانت ردود الفعل إيجابية لحضورنا. فقط لأننا أشعرنا الناس بأننا نقف إلى جانبهم. بعضهم اتصل بعد قراءة الأرقام على الإعلان الموزع في مناطق النكبة ليقول شكراً. وكان لنا دور بربط طالب الحاجة الأساسية كمثل الدواء بمن يقدمه. جميعهم تقبلوا حضورنا وكانوا بحاجة للكلام. والحالات التي احتاجت معالجة تفوق قدرتنا حوّلت إلى معالجين نفسيين متطوعين في المبادرة.
*تالياً ماذا يرتب عليكم انفجار المرفأ؟
**نحن نعد لما بعد الصدمة، نحضر أنشطة للأطفال في المناطق المتضررة. وثانياً العمل على العلاج النفسي الأسري. إنها خطوات أصعب من المسح النفسي الميداني العام، نحن إزاء خطوات مدروسة في المناطق الأكثر تضرراً بعد تحليل الداتا التي تمّ جمعها خلال المسح النفسي الميداني. حاجة الأطفال للعناية واضحة، وكذلك عموم المجتمع اللبناني فأثر الصدمة تخطى المناطق المدمرة. ونحن نتلقى اتصالات من مناطق بعيدة ومن أفراد يجافيهم النوم. ردد البعض “المجتمع اللبناني صلب واعتاد الأزمات”. هذا صحيح.. ولكن؟