مباركة واحتفاء شعبي بتعيين «المجلس الإسلامي» الشّيخ أسامة الرّفاعي مفتياً عاماً لسوريا

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي» : بعد أقل من أربعة أيام على إلغاء رئيس النظام السوري مقام مفتي الجمهورية، وإسناد إدارة المهام التي كانت موكلة للمفتي سابقاً إلى ما يسمى «المجلس الفقهي الأعلى» في وزارة الأوقاف المعروف بتعدد انتماءاته المذهبية والطائفية، إذ يضم المجلس سبعة أعضاء من المراجع الشيعية، احتفى العديد مؤسسات المعارضة وقياداتها من المسؤولين والناشطين والحقوقيين والمختصين بالشؤون الدينية، بتعيين المجلس الإسلامي السوري، السبت، الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي مفتيًا عامًا للبلاد، وإعادة إحياء مقام المفتي العام للجمهورية العربية السورية.
وكان بشار الأسد قد أصدر مرسوماً تشريعياً يحمل الرقم 28 بتاريخ 15 / 11 / 2021م ويقضي بإلغاء منصب الإفتاء في سوريا وإسناد مهمة الإفتاء إلى المجلس العلمي الفقهي، ما دفع المجلس الإسلاميّ السّوريّ الذي يتخذ من مدينة إسطنبول التركية مقرًا له – وهو أكبر تجمّع لعلماء سوريا المعارضين للنظام – إلى الإعلان على لسان المتحدث الرسمي باسم المجلس مطيع البطين انتخاب العلامة أسامة عبد الكريم الرفاعي، مفتياً عاماً لسوريا. وسارعت الحكومة المؤقتة، إلى إصدار بيان رسمي باركت هذه الخطوة جاء فيه «نثمن ونبارك الخطوة التي اتخذها المجلس الإسلامي السوري في انتخاب سماحة الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي مفتياً عاماً، ونؤكد على أهمية هذه الخطوة ودلالتها الرمزية في مقارعة المخططات التي ينفذها نظام الأسد ومليشيات المشروع الإيراني في سوريا، ونؤكد على أن ما حصل من انتخابات من العلماء السوريين الأحرار هو العودة إلى الأصل الثابت في التاريخ السوري وبما نظمه القانون السابق لاستيلاء البعث على السلطة في سوريا وهو قانون تحديد مهام وملاك دائرة الفتوى العامة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 185 لعام 1961 من قبل هيئة علمائية ناخبة».

إشادات

وكان منصب المفتي العام حاضراً منذ تأسيس سوريا، واستمر على مدار العقود الماضية، إلا أن مرسوماً تشريعياً صدر عن النظام السوري ألغى المادة رقم 35 من القانون 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف بعد أن انتزع القانون السابق خصوصية الإفتاء والتدريس الديني المنظمة أصلاً بالمرسوم التشريعي رقم 185 لعام 1961 وتعديلاته. كما تم نقل ما كان متبقياً من صلاحيات المفتي العام لصالح «المجلس العلمي الفقهي» المحدث بموجب القانون 31 لعام 2018 كبديل عن مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، والذي يضم في عضويته مرجعيات تتبع للمليشيات الإيرانية، كجزء من الاستهداف الممنهج للأكثرية السنية والتي تعبر عن هوية سوريا الحضارية ووجهها الأصيل، وفقاً للبيان. واعتبرت الحكومة المؤقتة، أن إحداث المجلس الفقهي «عبث إيراني في قيم المجتمع السوري وهويته الوطنية يستدعي من جميع مكونات الشعب السوري الوعي في حجم المخطط الذي ينفذ منذ بداية الثورة السورية بأدوات عديدة بدأت بالقتل والتهجير والإبادة الجماعية وصولاً إلى التنظيم القانوني في الدولة السورية».
كما أشاد رئيس الحكومة السوريّة المؤقّتة عبد الرحمن مصطفى بقرار «المجلس الإسلامي» وكتب في تغريدة على حسابه الشخصي عبر موقع توتير «نهنئ فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي لانتخابه مفتياً عاماً لسوريا» واعتبر مصطفى أن القرار «تأكيد جديد للعالم أجمع على أن الشعب السوري ماضٍ في ثورته وأنه لن يستسلم لمحاولات النظام المجرم في التغيير الديمغرافي والمذهبي الذي يعمل على إحداثه في سوريا».
المعارض السوري هيثم مالح، كتب تعقيباً على هامش انتخاب مفتياً عاماً، مما جاء فيه «لم يترك شعبنا السوري هذه الخطوة التي خطاها المجرمون في الشام من أن تمر بسلام، فهب المجلس الإسلامي السوري، هبة رجل واحد، ورد على جريمة عصابة الأسد في دمشق، وانتخب الشيخ الداعية، أسامة الرفاعي … وكان هذا المشهد هو من أقوى الردود على خطوة … ولا شك أن هذا الموقف سيكون حافزاً للسوريين لأن يتجمعوا ويشكلوا لهم قيادة سياسية ثورية تضم جناحاً عسكرياً، ورئيساً منتخباً، وهكذا نقدم للعالم البديل عن العصابة التي تحكم سوريا».

تعزيز الخطاب الشرعيّ الوطنيّ

وانتقد المعارض السوري ابراهيم الشامي اعتبار البعض أن إعلان الإفتاء جاء بعد عزل أحمد حسون، وادعاء أن المجلس الإسلامي سارع إلى ملء فراغ عزل الحسون من منصبه حيث وصف ذلك بأنه «غلط كبير.. خطوة المجلس الإسلامي جاءت بعد إلغاء منصب المفتي كلياً.. والأمر ليس مرتبط بشخصية المفتي الأخير… فأحمد حسون لم يعزل إنما ألغي منصب الإفتاء كله، هذا ليس سد فراغ شخص، هذا إعادة إحياء اعتبارية لمكانة الإفتاء للمسلمين (أي أهل السنّة) في سوريا».
وكتب المهتم بالشؤون الإسلامية محمد خير موسى، تعليقاً على انتخاب الشّيخ أسامة الرّفاعي مفتيًا عامًّا، قال فيها «التقاط المجلس الإسلامي السّوريّ الفرصة لملء الفراغ الذي أحدثه النّظام بإلغاء منصب الإفتاء العام خطوة ممتازة وفي وقتها الصحيح وتمّ بالسّرعة المناسبة.
• هذا أوّل منصب تُحدثه المعارضة السّوريّة يكون عنوانه سوريا كلها، فما تمّ انتخابه اليوم هو المفتي العام للجمهوريّة العربيّة السّوريّة وليس مفتي الثّورة السّوريّة أو مفتي المعارضة، وهذه نقطة لها أهميّتها ومسؤوليتها معًا.
• ترسيخ فكرة الانتخاب في اختيار المفتي خطوة جيّدة أيضًا لترسيخ معنى المرجعيّة المستقلّة عن التحكّم السّياسي في الفتوى».
واعتبر موسى أن السّؤال الأهم الآن هو ما بعد هذه الخطوة، وقال «هنا تكمن أهميّة الانتقال من ردّ الفعل إلى الفاعليّة ومن الخطوة الرّمزيّة إلى التأثير المرجعيّ. انتخاب فضيلة الشّيخ أسامة الرّفاعي مفتيًا عامًا لسوريا يحمّله مسؤوليّة كبيرة وهو يحمل مؤهلات النجاح فيها بما يملكه من كاريزما وعلم ورمزيّة وتاريخ علمي عريق. ممّا يقتضيه كون المفتي المنتخب هو لسوريا كلّها؛ أن يكون خطابه لعموم الشّعب السّوريّ من التوجهات كافّة من الثوريين والمعارضين والرماديين والصّامتين والموالين، ومخاطبًا لكلّ أطياف المجتمع السّوريّ من عرقيّات وطوائف ومذاهب بوصفهم مواطنين سوريّين، أي تعزيز الخطاب الشرعيّ الوطنيّ، ومن الضّرورة بمكان أن يكون للمفتي العام للجمهوريّة السوريّة مستشارون في التخصصات السياسيّة والإعلاميّة حتّى تكون المخرجات الإعلاميّة أكثر فاعليّة وتأثيرًا. ومن أساليب تكريس المرجعيّة؛ الظهور الإعلاميّ الدوريّ برسائل قصيرة ومركّزة للشّعب السّوريّ كلّه يشعر من خلالها السّوريّون أنّ مقام الإفتاء يتحسّس مشكلاتهم ويعيش همومهم سواء كانوا في مناطق الثّورة أو مناطق النّظام أو المخيمات أو مواطن اللجوء المختلفة. كما أنه من الضّرورة بمكان أن يكون مقام الإفتاء بعيدًا عن المعارك الفكريّة البينيّة التي تؤدّي إلى الاستقطابات الحادّة داخل المجتمع السّوري، وضرورة تكريس الخطاب الجامع الذي يجعل من مقام الإفتاء صمّام أمان للسّلام المجتمعي». وعقب الباحث محمد منير الفقير، على انتخاب الرفاعي لمنصب المفتي العام للجمهورية بوصف هذا الخطوة «في محلها ووقتها وهي أول انتخابات لهذا المنصب منذ 60 عاماً، في هذه المرحلة وفي هذا الظرف والسياق فإن هذا المنصب هو استحقاق سياسي أكثر منه استحقاقاً شرعياً».
وكتب المعارض السوري ياسر تيسير العيتي حول إلغاء منصب المفتي على صفحته الشخصية «ليست مهمة المفتي أن يتدخل في الشؤون الحياتية اليومية للناس ولا أن يكون وكيل الله في الأرض كما في الدولة الدينية وإنما هو المرجعية الدينية في المسائل الخلافية التي إذا تُركت من دون بتّ تثير اضطرابات سياسية واجتماعية، مثلاً، من الذي يقرر بداية رمضان أو الأعياد إذا لم تكن هناك مرجعية متفق على القبول برأيها؟ الأصل أن يتم اختيار المفتي من العلماء لا أن تعينه جهة حكومية، والأفضل أن يكون على رأس جهاز إفتاء يُختار أعضاؤه من العلماء بالانتخاب أيضاً حتى يصدر الرأي عن مؤسسة لا عن شخص. كما أنه ليست مهمة المفتي الترويج للحاكم ولا تمرير سياساته، بل على العكس هو يقف في وجه السياسات الظالمة للحكام ويمنع جورهم كما ذكر الشيخ أحمد معاذ الخطيب في منشور له بهذا الخصوص، وأقتبس منه «حافظ القاضي الشرعي والمفتي تاريخياً على مصالح الناس ليس الشرعية فقط بل الإنسانية بدءاً من الإمام الاوزاعي الذي رفض قرار الوالي باجتثاث المسيحيين في جبال لبنان بحجة تآمرهم مع الروم طالباً منه معاقبة المسيء الذي يثبت عدوانه ومروراً بالمفتي الحمزاوي الذي فتح مع الأمير عبد القادر الجزائري بيتيهما في طوشة 1860 لحماية الناس».
واعتبر أن وجود المفتي وجهاز الافتاء الذي يترأسه هو من حقوق الأكثرية في تنظيم شؤونها الدينية لا يجوز لأحد أن يصادره ومن السذاجة النظر إلى إلغاء منصب مفتي الأكثرية السنية في سوريا خارج السياق العام الذي تنتهجه عصابة الأسد منذ بداية الثورة في تهجير الأكثرية ومحو هويتها الدينية والثقافية والاجتماعية، وأضاف «لا نبالغ إذا قلنا إن أكثر من 95% من تعليمات الإسلام لا تحتاج إلى المفتي، ويمكن فهمها والعمل بها من النصوص مباشرة، كالصدق والعدل والرحمة وبر الوالدين والإحسان إلى الجار وتجنب السرقة والرشوة والتسلط على البشر وغيرها من التعليمات الأخلاقية التي تبني الدول القوية وتؤسس المجتمعات المتماسكة، ومع أهمية التصدي لإلغاء منصب الافتاء العام في سوريا فإن دراسة حالة التناقض والنفاق والبعد عن تعاليم الدين وخصوصاً تلك المتعلقة بالأخلاق وتجنب الظلم والسكوت عليه والتي يعيشها المسلمون حتى المواظبون على العبادات منهم وأسبابها الفكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية وإيجاد الحلول لهذه الحالة، لا تقل أهمية عن الحفاظ على منصب الإفتاء، بل لا قيمة للحفاظ عليه ونحن على كثرتنا غثاء كغثاء السيل بسبب حالة التناقض والنفاق التي نعيشها بين سلوكنا وتعاليم ديننا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية