يمنحنا الرسم قدرة تأمل تختلف عن باقي الفنون الأخرى، يأتي ذلك لأن المخيلة والعين البصرية والذاكرة، تعمل في وقت متساو كلما كانت الأعمال مميزة من حيث الشكل واللون، لتكون الإثارة البصرية فيها ذات سلسلة مترابطة تعمل على جعل حواسنا تدفع بترجيح الرسم كاهتمام مختلف عن باقي الفنون، وما يمثله من تداعيات شعورية وتعبيرية، لهذا ننصاع إلى شكل ومظاهر وخطوط إزاء مظهرها الخارجي، وربما لا نتساءل عن مدلولها، بغرض ما يبهرنا الشكل وما يرتبط به من دقة في التكوين، وتأمل وتفكير بعد التوقف عنده، وهكذا يتيح لنا فن الرسم الركض وراء كل جديد من الإسلوب والتقنية، وما علينا في الأخير إلا ان نعلن عن الأحكام الجمالية وأهم معاييرها، وسنبقى مدركين لكل ثنائية وأبعاد ونزعة في الرسم، من أجل ان نعلن عن آرائنا وما يثيره الرسم أمامنا.
رسومات وليد أرشد في التجريد تأخذنا لهذه المساحة من الانطباع، فهي أقرب لأعمال تكرس حضورا بصريا بطابع الاحتفاء باللون وطاقاته النفسية، وبهذا يبدو الفنان هنا كأي صاحب مهارة يحيي منتج فنه بما يدار بحساسية مثالية، تأتي من الأشكال والخطوط والتكوين، وطبعا ستكون للغنائية رؤية خاصة تتبع مسار ذائقة الفنان، وما تمليه ميوله اتجاه خطاب لوحته، وليد أرشد يثبت مهارته، دون أن يتعثر في فواجع الفن، ومسببات عزلته، فهو يشعرك بأنه يمتثل لخطاب داخلي يدفع به نحو إعلاء الجمال عبر الشكل، كأنه متشوق لنتائج جمالية معينة لا يعرف طرائقها المتلقي، لكنها تمثل نزعة اكتمال يشترك فيها (الفنان والمتلقي) ويحسب لمثل هذا التصور أنه يعلي من توجه الفن، فهو يصادر أي نظام هندسي في رسوماته التجريدية، لكي يجعل من حزمة الألوان والخطوط معادلا بصريا يحييه وفق منطق إشاري وتأملي، وهكذا سيأخذنا مبدأ أسلوبه في الرسم إلى محتوى الشكل والانتصار له، بل حتى الإفراط في الإعجاب به، من أجل التواصل مع فكرة الرسم وتأثيره النفسي، بل الأهم ستعد الأشكال ممثلة لقدرة انتساب لوحدة موضوعية تنشغل بالاغتراب الروحي والمكان، كأنه يرسم ليعلن عن وحدات درامية متآزرة لا تغادر عوالم ما يستعيره من طاقة الألوان والتعريف بمصادر جمالها وتأثيرها فينا.

قيمة هذه الرؤية
يحدد وليد أرشد أهدافه من الرسم ويحسن توجه فكرته فهو يسعى لخلق عالم متصالح نفسيا، ويهتف دون مخاتلة بانتصار إنسانية الإنسان، وأعتقد أنه يساهم في الإصغاء معنا إلى حواسنا وعوالمنا الداخلية، فهذه الرؤية لها ما يماثلها في مناخ فكر الآخرن وليس الغاية هنا التمثيل، بل الاشتراك بمعاناة واحدة وأهداف ورؤية واحدة تنتصر لاستثمار الجمال وبثه في مكونات المدينة واليوميات والتعطش لهواجس الأمن مع الذات واستقرارها بعيدا عن هوس المختلف والمتمرد. إذن اهمية الرسم تأتي من قيمة الرؤية ومراجعة الأفكار سيكون مظهرا منتميا إلى لحظة تنوير، وإلا ما المبرر لكل هذه اللوحات الغارقة في الغنائية والبهرجة اللونية الساطعة في جمالها، دون الانتصار للإنسانية.
هذا الفنان الغارق في غربة المكان البعيد لم يتخل عن روابط الانتماء لأرضه ومنابع وجدانها، بل يتطلع ليعيد ما تراه عيناه من جمال الأمكنة الغربية، فتعاد صياغته في السطح التصويري، والأمر هنا لم يكن نتاج انفعال، ولا مزيج من شبكة علاقات غير مترابطة، إنها عاطفة انتماء تستحضر طاقة الرسم ونزعته من أجل أن تغلفها وبثقة متبادلة مع أمثولات الرسم الواقعي، وقلة من الفنانين من يعيد للفن التجريدي قيمته، فهناك من يمارسه كلعبة شكلية بلا معنى، وهناك من يعيره اهتماما بالغا والفرق سيعلن عبر دهشة المتلقي، فلم يكن الاعتناء بالشكل عند الفنان وليد لحظة اليوم، بل رافقه منذ ان ابتدأ بمنح طاقة اللون مزيدا من الإيقاع الداخلي، سواء عبر غنائية خالصة، أو الاختلاط بوشائج لونية تبدو مختلفة ومتناقضة من حيث المزج بينها، الشكل الفني هنا تتضافر فيه معالجات خاصة تأتي بضربة فرشاة تعرف أين تضع لمساتها، وكيف يتم تمثيلها فالتجانس يزيد من دافعنا وشعورنا حيال ما تستوفيه الأشكال من قيم ينقاد لها خيالنا.
إذن نحن أمام فنان محترف يتماشى الرسم بين يديه بوصفه ضرورة نفسية يفي بالغرض، وهكذا ستكون لحظة استحضار اللون /والخطوط / والنسيج البنائي للوحة في وحدة تكاملية متقاربة تدمج جميعها لتعلن عن فعل جمالي تجريدي يتلخص مدلوله في العبور نحو إنسانيتنا.
كاتب من العراق