طرح رولان بارت سؤالاً عن ماهية الطبيعي، أو ما هو الطبيعي؟ وكيف يمكن أن نحدده، وتبعاً لأي محكّات؟ هل يمكن أن نراه تجسيداً للمنطق، أم تلك الحدود التي ينتجها عقلنا من حيث المطابقة مع معيارية ما؟ أم هو تلك الأطر أو الخطابات التي ينتجها المجتمع لتمسي الحقيقة أو الشيء الطبيعي؟
لا تشكل تلك الأسئلة سوى هامش نطرحه على ما اتصل بالفيلم المصري «ريش» الذي نال جائزة النقاد في مهرجان كان السينمائي، بوصفه أول فيلم مصري ينال هذه الجائزة، على الرغم من امتداد تاريخ السينما المصرية بنجومها، وأعمالها، غير أن العامل الوحيد الذي كان الأكثر تأثيراً، مدى توفر الموهبة الحقيقية، بعيداً عن أنماط هندسة الذكاء الاجتماعي، والنخبوية الزائفة، وهنا نتساءل عن وعي الإبداع، ومقولة النجم والمخرج، وسينما المؤسسة والمال التي تهاوت أمام فيلم خرج من بين الظلال، ليعري واقع الفنون، بل يكشف زيف الفهم لنجوم ومخرجين لم يدركوا ماهية الفيلم وأبعاده، لكن الأهم أن تنتهي الأكذوبة القائمة على تحديد من المبدع، الذي يعدّ جزءاً من الطبيعي. لقد تعرض بعض ممثلي الفيلم إلى إساءات عنصرية، لكونهم من خارج إطار النجومية الزائفة، أو المصطنعة التي أنتجتها المؤسسة، أو أوصياء الفنون، أو لكونهم ليسوا من طبقة النجوم.
لقد بات الفيلم مثار جدل، كونه عمل على مناقشة المسكوت عنه، في ما يتعلق بعوالم المهمشين والمقموعين، لكن الأهم أن كل هذا جاء ضمن مزاج إخراجي وأدائي مغاير، أو كما وصفه أحد النقاد الفيلم بأنه فيلم ذكي؛ أي أنه مفارق للنسق التقليدي، أو التجاري الفارغ من أي أبعاد كما هو سائد في السينما العربية، مع بعض الاستثناءات القليلة. ربما لا تبدو هذه السياقات سوى جزء من مشكلة أكبر، ونعني التساؤل عما هو طبيعي في هذه الصورة، وهنا يكمن السر، فهل استطاع هذا الفيلم أن يخدش كبرياء ما هو طبيعي؟ هكذا يمكن أن نرى في نتاج ممثلين مغمورين، أتوا من واقع بلا مرجعيات سينمائية، فكان الأداء لتجسيد حيوات مهمشة من قبل ممثلين انبثقوا من الظلال، ولطالما كانت العقول أو المواهب الأكثر حقيقية متوارية في الظلال.
في هذا السياق نستدعي الفيلسوف كانط، الذي يعدّ أعظم عقل فلسفي، غير أنه كان يعمل في الجامعة بمعدل (21) ساعة تدريس أسبوعياً، وينال أجره من الطلاب، حسب أعداد الملتحقين بدروسه، بعد سنوات طويلة خصصت الجامعة له راتباً شهرياً، بعد الإدراك المتأخر لماهية الرجل، في حين أن الفيلسوف الألماني هيغل تجاوز الأربعين قبل أن يصبح أستاذاً جامعياً، وكان قبل ذلك مدرساً خصوصياً، ومديراً لمدرسة ثانوية، في حين أن نيتشه نال اعترافا من مدرسيه، فأعفي من الاختبار لتقوم الجامعة بتعيينه أستاذاً، أما رولان بارت فبقي على هامش المؤسسة لسنوات طويلة، قبل أن يعين قبل وفاته بسنوات قليلة في الكوليج دي فرانس، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في فرنسا، ليموت بعد ذلك في حادث دهس، وهناك الكثير من الحيوات التي بدت فاقدة للحضور، لكنها لم تفقد الأثر. هكذا تبدو معضلة العقل البشري، حين يتهاوى خلف المظاهر، وخلف أقنعة المجتمعات التي لا تدرك حقيقة القيمة.
لا تبدو الصورة سوى جزء من مشهد كبير لاندحار العقل، حيث تنتج المجتمعات والمؤسسات نماذجها التي تبقي على التحييد الحقيقي للإبداع، كيف لا يتحقق ذلك حين نرى بعض السينمائيين ينسحبون من مشاهدة فيلم «ريش» كونه مسيئاً للوطن، وهنا نتساءل عن ماهية الفن ما لم يتمكن من تعرية الواقع، كيف يمكن أن يصاب الطبيعي بالعمى، وأن نحارب من يتمكن من نقد الواقع عبر عمل فني موهوب، وما جدوى الإبداع، ما لم يمتلك الجرأة على أن يشتبك مع الإشكاليات الأكثر تشوهاً في حياتنا.
لا تبدو الصورة سوى جزء من مشهد كبير لاندحار العقل، حيث تنتج المجتمعات والمؤسسات نماذجها التي تبقي على التحييد الحقيقي للإبداع، كيف لا يتحقق ذلك حين نرى بعض السينمائيين ينسحبون من مشاهدة فيلم «ريش» كونه مسيئاً للوطن.
إن أعمال المبدعين، وكل ما يتصل بالفكر والثقافة لطالما كان جزءاً من عملية مقاومة الانحراف التاريخي الذي طبع المؤسسة أو السلطة على مدار قرون، لكن تكمن المشكلة حين تتمكن المؤسسة من اختراق هذه الكيانات، فلا جرم ألا نتقدم في شتى المجلات، لأن المبدعين الحقيقيين يتوارون خلف الظلال، مقابل من تصنعهم المؤسسة ليكونوا ضمن مشهدية الظاهر. ما حصل مع فيلم «ريش» يماثل مع حصل مع الفيلم الأردني «ذيب» الذي نهض به ممثلون بدوا أكثر قدرة على تجسيد عوالمهم، وهنا تنبثق إشكالية عميقة جداً، هل ما ننتجه فعلاً يتعالق بنا، أو بمشاكلنا؟ أم أننا لا نرغب في أن نقرأ أو نشاهد ما يحدد ماهيتنا، أو يشير إلى ذلك الاعوجاج الحاصل في تكويننا المعرفي. ليس ثمة مشكلة سوى إن قيود الواقع أكبر مما يحتملها الفرد، لكنه قادر على أن يمارس ذلك القفز في غمرة النسيان، أو في ظل ذلك التقليل من الذات لتبرز، أو تتجاوز معنى هذه الظلال التي تحيط بك. فالمعنى أن تسرق التاريخ ممن يزيفون التاريخ، أو أن تخط مروية موازية في الفائض من الزمن، لا يمكن أن ننكر بأن الطبيعي، كما يرى رولان بارت ليس سوى تكوينات اجتماعية ثقافية، ليس لها معنى إلا في سياق المجتمع عينه الذي نعيش فيه؛ ولهذا يمكن أن نرى أن الطبيعي في مجتمعنا ليس سوى ظاهرة يتوافق عليها المجتمع، وبذلك يتحدد المعنى الزائف، وهنا تبدو الإحالات المفاجئة لعوالمنا الطبيعية بأنها هزة أو رضة عميقة تصيب كبرياء الطبيعي الذي اعتدنا عليه، أو ذاك الذي يمنحنا الآخرون صيغته الأخيرة، وعلينا أن نقتنع به على الرغم من تهافته فنياً، ومضمونياً.
تكمن مشكلة الطبيعي في المجتمعات عبر تحديد ما يتلاءم مع هذا الاعوجاج؛ ولهذا نرى أن الكتابة على سبيل المثال، باتت نمطاً مستعاداً، فكيف يمكن لنتاجات تتضخم كل يوم لتمسي نوعاً من المرض على مستوى الإبداع، بلا معنى حقيقي، لقد باتت الكتابة والفنون والآداب، جزءاً من مشهد طبيعي للرداءة، لكن تكمن مشكلة النقد حين يعلق بمحدودية عدم القدرة على التواصل مع النص، والأهم أنه يتجنب الاشتباك مع الأفكار، ويعلق بالشكلية التي لا تحتاج للكثير من البحث كونها ظاهرة للعيان، فلا جرم أن تشجع المؤسسات هذا الاتجاه. إن مجتمعاتنا مسكونة بحراس الذاكرة، أو حراس القيم البائدة التي تمجد الذات السلطوية، كما التمترس خلف قناعات زائفة، ولا يمكن أن نتجاوز هذا الاهتراء الثقافي والفني ما لم نبحث عن حقائق الأشياء، وأن نسعى لها، وفي هذا السياق نستعيد أسماء منها: بيل غيتس وستيف جوبز كونهما من خارج الطبيعي، بل إن ستيف جوبز قد بدأ إبداعه من دورة تدريبية صغيرة في فن الخط، لتلهمه الكثير من إبداعاته التي كانت كافية لأن تغير وجه التاريخ ، في حين إنه لم يجد ذلك الإلهام في الجامعات الأمريكية، في حين اكتفى بيل غيتس بكراج منزله كي يضع الإنسان على مسار أكبر ثورة تكنولوجية، وهناك الكثير من العقول التي قبعت في الظلال قبل أن تستعيد مكانتها، ومنهم العالم آلان تورنغ، وفرانز كافكا، والتوحيدي، وغيرهم الكثير ممن حجبهم المعنى المجتمعي لما هو طبيعي.
يبدو التسويق خطاباً حاضراً، غير أنه لا يستجلب سوى مشهد من مشاهد التكوين الهوسي بالذات، تبعاً للمعضلة التي روجتها الرأسمالية التي ترى أن التسويق جزء من النجاح – الذي إن تحقق مؤقتاً – فإنه لن يكون حقيقياً، وسيتلاشى سريعاً، فالإبداع فعل عصي ما لم يكن نتاج أزمة… وتوتر دائم.. لقد أمسى الإبداع إحالات زائفة، أو جزءاً من الذاتية المفرطة في كينونة الصراع للبحث عن موقعك في هذا الفيض الفارغ، ولا يمكن أن ننكر أن جزءاً من معضلة تراجع حقيقة الأشياء أداتية مواقع التواصل الاجتماعي التي أسهمت في هذا النهج.
كاتب أردني فلسطيني