«متاهة الذئب» مجموعة القاص المصري أحمد أبو خنيجر: الوحدة النصية وسؤال النوع

عادل ضرغام
حجم الخط
0

تأتي مجموعة أحمد أبو خنيجر «متاهة الذئب» لتشكل نوعا من القلق للتلقي النقدي، خاصة للناقد الذي سيدخل إلى عالمها من محددات جاهزة وثابتة، فعلى الناقد أن يهمل الجاهز، وأن يصغي إلى نصها وبنائها، ذلك البناء الذي جاء بقصدية كبيرة، فترتيب القصص لم يأت عفوا، لكنه جاء مشدودا للمنحى الفكري الذي تشكله المجموعة، من خلال آليات فنية شديدة الخصوصية في ارتباطها بفن القصة القصيرة من جانب، وبكتابة الكاتب وتوجهه الفكري على مدى منجزه من جانب آخر.
ربما تكون سمة النقصان هي الأكثر حضورا في تلك المجموعة، فالقصص القصيرة في هذه المجموعة ليست حكايات مكتملة، ولكنها أشبه بقطاع طولي يحمل نسيج ومكونات الحكاية، حيث تسفر كل قصة عن حكاية مبتورة. لا تشعرك قصص أحمد أبو خنيجر بالاكتمال، وربما يكون النقصان في هذه المجموعة وثيق الصلة بالعوالم التي تحاول ارتيادها أو الاقتراب منها، فتظل ناقصة عند حدود الإدهاش والتورط اللحظي، من خلال إدخال المتلقي من زاوية محددة.
يتجلى النقصان المتعمد في بداية ونهاية القصص، فأي قصة من قصص المجموعة تدخل المتلقي وتوجهه من زاوية ما أو من نقطة ما، قد تكون بالضرورة موجودة وحاضرة، لكن دون إشارة إلى بداية أو تاريخ سابق مؤسس، وهذا ربما يكون مقصودا للإشارة إلى مطلق الإنسان دون تحديد أو تعيين. فالبطل في كل قصص المجموعة ليس له اسم، وليس لدينا تاريخ له أو تفاصيل كاملة، قد تكشف للقارئ طبيعة الحركة أو التوجه.
وإذا كانت قصص المجموعة تعاني من النقصان والجزئية فإن للقارئ أساليبه ومحاولاته في تجسير وإكمال هذا النقصان الجزئي للقصص، من هذه الأساليب التعاظم على فواصل العناوين التي تحيل النص – بوصفه كتابا كاملا – إلى قصص مفردة، ومن ثم يتم التعامل معه على أن هذه القصص نص واحد. وفي ظل ذلك التوجه ستجد أن هناك فجوات كثيرة سوف يتلاشى نقصانها وتكتمل حدودوها، وربما تتولّد وفق ذلك توجهات في طبيعة التلقي. ونهاية القصص – أيضا – لا تعطي إحساسا بالنهاية أو الإغلاق، وإنما تعطي إحساسا بالتوتر والاستمرار والتكرار، وكأنها تجارب تمرّ وتستعاد وفق مستويات مختلفة، وفي كل محاولة ينمو جزء وتتولد رؤية جديدة.

PHOTO-2021-08-01-20-01-31-copy

سؤال النوع الأدبي

تطرح مجموعة «متاهة الذئب» سؤالا مهما حول النوع الأدبي، فهناك مجموعة من الظواهر تهشم الارتكان إلى نوع محدد وقار في تصنيفها الأدبي، فالمجموعة بارتباطها ببطل أو بشخص واحد بالرغم من كونه غير محدد المعالم وليس له تاريخ سابق كاشف، ودورانها حول إطار معرفي عام تقترب من السرد الطويل الذي يحاول تشكيل حالة اتصال من نوع خاص بالعالم المحيط. هناك تكسير وإزاحة لحدود النوع من خلال القضاء على الفرادة أو الانفصال الخاص بكل قصة، واستيلاد ما يمكن أن نطلق عليه المتوالية النصية، حيث تزول الحدود بين كل قصة وأخرى، وذلك من خلال تأمل نهاية كل قصة وبداية القصة التالية. ففي نهاية قصة (فرش الشيطان) يقول السارد: «وعلى الفور أغمضت عيني، وتمددت بظهري للخلف نائما، حتى انسل الغناء، وانقشعت الرائحة، وعادت الجبال لجهامتها والآلام لركبتي، فقمت ماسحا دموعي وأخذت في الهبوط». هذه النهاية بدلالتها تكون حاضرة في القصة التالية (ممر الثعبان).
القصص تشكل متوالية نصية ذات سرد تصاعدي، ففي بداية قصة (ممر الثعبان) نجد القصة تبدأ على هذا النحو مسترشدة ومستحضرة النهاية السابقة، حيث تقول: «كنت منشغلا بالألم القاسي المتصاعد من قدمي حين وجدته أمامي، ممددا في الظل، وقاطعا الممر الضيق عليّ، توقفت بالكاد مستندا على صخرة خشية السقوط فوقه)» هذا الترابط بين نهاية القصة وبداية القصة التالية يكشف من جانب عن مشروعية طرح سؤال النوع واستمراره، ويكشف من جانب آخر عن أن هناك وحدة معينة تجمع القصص، وأن الشيطان أو الثعبان أو عوائق الطريق ليست إلا إشارة لحالات الذات المتغيرة التي تطل بوجودها الثقيل وجسديتها في طريقها إلى السمو والارتفاع والطيران بعيدا عن عالمها المحدود.
يكشف – أيضا – عن هذه الوحدة النصية نسق التوازيات، واستمرار وحضور بعض الشخصيات، مثل شخصية الشيخ صاحب الوجود الشبحي الذي يتكرّر حضوره في قصص المجموعة، وشخصية الرفيق أو الصديق، ولكنها شخصيات غائمة وعائمة تسبح في فراغ، فليس لها تحديد أو وجود متكامل، أو تاريخ يكشف تكوينها. فهي شخصيات تستند إلى المؤسس من كتابة أحمد أبو خنيجر في إصدارته وتكويناته السابقة على اختلاف مظاهرها وتنوع فنونها، سواء أكانت إبداعية أو غير إبداعية، فقصص المجموعة تتماس مع كتابه عن أبي الحسن الشاذلي، ولا يمكن فصلها بشكل حاد عن كتبه الأخرى. فكتابة أحمد أبو خنيجر في كل تجلياتها مهمومة بمحاولة الوصول، والإمساك بشيء لا تشعر به إلا من خلال تفلته، ويأتي هذا التفلت أو الانسحاب دليلا على مشروعية وجوده.
بالإضافة إلى وجود الشخصيات التي تطل بشكل لافت في قصص المجموعة، يمكن الإشارة إلى وجود مجموعة من التوازيات التي تكشف عن تكرار لأشياء مادية ورموز مثل (الجنة) أو (عين الماء) التي تحيطها التلال أو الجبال، بالإضافة إلى المخلاة التي تلازم البطل، وتعيدنا حتما إلى كتابه عن أبي الحسن الشاذلي. ففي قصص عديدة مثل (ضلال الرائحة) و(متاهة الذئب) هناك تصوير خاص وتكرار لافت للجنّة أو عين الماء في قلب الصحراء، وهناك أيضا الصاحب أو الرفيق الذي يقص عليه حكاياته، تلك الحكايات التي لا تستند على منطق واقعي، وإنما تستند إلى منطق الفن، وتداخل الواقعي والخيالي، والتحام الوجودي الملموس يالميتافيزيقي.
في ظل الظواهر البنائية السابقة يستمرّ سؤال النوع حاضرا، ويظل التشكل الكتابي الذي جاء من خلال لغة مقطرة إلى حد بعيد أكثر تساوقا مع الإطار المعرفي الكاشف عن النزوع إلى الانعتاق، فكل كلمة في مكانها دون زيادة أو نقصان أو ترهل، فكان كل قصة محاولة أو إعادة لمحاولة لتجل سابق، ولكنها في كل مرة تنطلق من تمحوّر وتجل جديدين، لأن كل محاولة تبنى على أخرى سابقة، وتتمدد من خلالها للارتفاع إلى مسافة أعلى من السابقة، وهذا كاشف عن التكرار وعن ديمومة المحاولة، وديمومة الصعود والهبوط.

الإطار المعرفي

هناك في قصص المجموعة واد بنمطيته المعهودة والمعروفة، وهناك صحراء، في تشكيل سمات الوادي نجد أن هناك تشابها وألفة مع الجميع، وفي تصوير الصحراء هناك فردية وتميز. كل قصص المجموعة تشتغل على فكرة اتصال وانفصال البطل/ أو الإنسان بالصحراء وعوالمها، وعلى الخروج من فكرة التشابه مع الآخرين، للوصول من خلال الوعي الخاص إلى تميز وفرادة في الرصد والمقاربة.
فالمجموعة من خلال قصصها انفتاح دائم على الصحراء، بأصواتها وموسيقاها وعوالمها، تحاول اصطياد هذه العوالم، وتصورها بشكل يتداخل فيها الواقعي بالخيالي، فتعمل على إسدال توحّد بين الإنسان والماديات، وهو توحّد يكشف عن اتصال جزئي مستمر على فترات متباعدة، يعود إليه البطل من خلال فاعلية الذاكرة، وكأن هناك مسّا كهربائيا يجمع بينها، ويوحدها ويجعلها تتحرك بشكل متناغم لا يخضع للمنطق الواقعي الطبيعي، والإنسان في ظل التصور ليس سيدا على الطبيعة أو الكائنات الأخرى، فهو- فقط- يقف معها على بساط متساو.
فالقارئ للمجموعة ليس لديه مساحة للراحة أو الهدوء في تلقي أو مقاربة العمل، فغياب التحديد النوعي الحاد يمارس تأثيرا كبيرا، بالإضافة إلى ذلك التداخل في مقاربة الواقعي والخيالي، وضرورة معايشته من خلال ذهن منفتح على تجارب صوفية في طور التشكل، ومشدودة إلى التكرار الدائم. القصص تتحرّك لإسدال مساحة من التماهي والتداخل بين الواقعي والخيالي، وتتعاظم على حدودهما، ووصل ذلك التماهي والتداخل إلى ذروته في القصتين الأخيرتين (متاهة الذئب) و(تمثال الريح). فمن البداية يضعنا الكاتب داخل الإطار المعرفي من خلال ذات غير محددة بتاريخ أو باسم في مواجهة التيه والمجهول من خلال محاولات لاهثة للوصول. وهذه المحاولات لن يتمّ الوعي بها إلا إذا كانت نقشا أو سيرا على خطوات نمط سابق او إعادة لتجربة سابقة عاينها البطل ومر بها. فالذاكرة حاضرة مرتبطة بسرد تصاعدي كاشف عن انتصارات الوصول في بعضها، وهزائم الثقل الجسدي في محاولات أخرى.
ففي القصص هناك عوامل مساعدة للانسجام والعلو والتوحد، وهناك أحجار الطريق أو معوقات الصفاء، فالشيخ أو الدليل في متاهة الصحراء يمارس دوره الخاص انطلاقا من لغته المرتبطة بالرموز ومقولاته. فالشيخ هو الدليل في المتاهة، وكلماته بوقعها الخاص الملغز تنبه لكنها لا تفسر، فهي تأتي بإيحاءاتها الرمزية في منعطفات محددة قد تبين له الطريق أو تحدده بالإشارة في لحظات أخرى. ففي بعض الأحيان تأتي مؤولة كما في قوله على لسانه في (متاهة الذئب): «رفع عصاه من على الأرض، وأركزها على صدري قال: ربما تبصر غدا. وحتى الآن وأنا أنظر لأعواد البوص الساكنة لا أستطيع فهم ما كان يرمي إليه، هل يقصد المتاهة التي أنا فيها، وعليّ تبصر ذاتي».
في مقابل العوامل المساعدة على اجتياز الطريق والمفاوز والوصول إلى الانسجام بداية من الشيخ ومرورا بعمل الحواس التي تكشف عن فاعلية الذاكرة وحضورها مثل الرائحة والرقص والغناء وصوت الناي والغيمة بتحولاتها، هناك أحجار الطريق، كما تتجلى بشكل لافت في قصتي (فرش الشيطان) و(ممرّ الثعبان)، فهما كاشفتان عن تعدد المحاولات، وأن أحجار الطريق كثيرة، وأن هذه المحاولات لا تتمّ بشكل ثابت وصاعد دائما، فقد تحدث وقفة وتحلل وعودة إلى الثقل الجسدي الذي يجعل الإحساس بالواقعي والمحدد مسيطرا.
في كل قصص المجموعة هناك محاولة للوصول إلى وحدة خاصة بين الإنسان والجزئيات المادية المحيطة، والقصص تؤسس استراتيجيتها على انفصال واتصال في آن، وإلى مدارات التماهي في إطار الوحدة والانسجام مقابل التعدد والتشظي، وفي بعض الأحيان إلى التطابق.

أحمد أبو خنيجر: «متاهة الذئب»
دار الربى، القاهرة 2021
100 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية