«متنزه الغائبين»: دعوة لحياة أخرى

تحاول هذه المقالة أن تقف عند قصة «متنزه الغائبين» للقاص العراقي ميثم الخزرجي، التي اختارها عنوانا لمجموعته الصادرة عن دار ومكتبة سامراء: العراق 2024، وكأن اختيارها معيار بحث عن سؤال التميز حسب ذائقة القاص، وقد تساوق مع رغبته في إعلاء شأن القصة نفسها، وعدها قيمة سردية تشير إلى صاحبها بالتمكن، والعلم بأساليب القص، وقد تبين للمتلقي أن الاختيار عكسَ ذوق القاص المختار، وأظهرَ معايير حسه النقدي، وطرائق تبنياته لكتابة النص السردي، قريبا من رغباته، ومضامينَ نَزْعاته، وهي تقترنُ بحسن الاقتدار، ونباهة التصرف.
يحيل لفظ المتنزه في اللغة على مكان التنزه، قد يكون حديقة عامة، أو بستانا يقصدهما من يريد قضاء الوقت طلبا للراحة، والهرب من ضجيج الحياة، ومشكلاتها، لكن متنزه القصة شيء آخر يشير إلى المقبرة بوصفها مكانا معنيا بحضور الغائبين: أولئك الذين تركوا الدنيا وما فيها وصاروا في عداد الموتى، وهذه أول مفارقة تلقفها المتلقي من العنوان.
عنوان القصة يحمل أكثر من مفارقة متمثلة بفكرة الحضور والغياب، من خلال سردية المقبرة التي تتصل اتصالا مباشرا بالموت، فقد كانت القصة شكلا منفتحا على أنساق مختلفة انزاحت تحت تأثير تلك الثنائية التي تمثلت في الصراع بين ما هو غائب متمثل في سكان المقبرة، وما هو حاضر واضح في وجود شخصية حفار القبور (سباهي العظم) وزبائنه الدائمين ممن يزورون المقبرة بقصد مواراة جثامين موتاهم، فضلا عن حضور صاحب العود حامل كومة الأوراق التي لا نعرف عنها شيئا؛ بمعنى آخر أن سردية الغائبين الصغرى مثلت النص الغائب في القصة، يقابله وجود الدفان وصاحبه، وهما يحيلان على تمدد السرد من خلال المادة المسرودة متسارعة الخطى، بوصفها حضورا لهم، وقد شغلوا مساحة السرد بما فيها من حبكة، وحوار أحال على الغاطس غير المرئي في ما وراء الحكاية.
حضر الرجلُ صاحب العود في مستهل القصة، وقد وصفه السارد على لسان عارفيه من العامة، أنه من المصابين بحمى النفس واضطرابها، ولم تكن العامة مصيبة في وصفها، فهو حسب السارد معتد بوحدته، بعيد عن الناس نسيج وحده يسكن قبالة مقبرة المدينة، حرص على مشاركة الميتين القادمين إلى فضائها بعناية غريبة مؤداها الحضور في مقدمة المشيعين حال سماعة جلبة القادمين وهم يرددون كلمات العفو والمغفرة، فضلا عن الكلمات التي تشكو الفقد ومرارته، كناية عن وصول جنازة جديدة، فيحاول تهدئة المشيعين، والأخذ بخاطرهم نحو الإيمان بحتمية الموت، وله أن يحدد موقع الشاهدة الجديدة للميت، ثم يغادر قبل الآخرين!
اعتاد الرجل في لياليه الطويلة أن يستبدل السكون بعزف ملتاع من آلة (العود) التي يملكها، في غرابة ارتضاها لنفسه، كي يوقد مسراته كل ليلة والناس في حالة مربكة، يتصاعد فيها النغم ليرجع متأرجحا بين ستار الليل واتقاد الصوت، وخفوته وانطفائه عند الصباح، والناس ترى في الموسيقى فعلا مذموما، هذا ما تربت عليه تقاليد المدينة المحافظة.
عادة ما يزور الرجلُ المقبرةَ بعد الصباح، دون أن يكترث بمن حوله وفي جعبته حفنة من الأوراق، التي تعرف القصة كنهها، يتوقف عند الشاهدة الأخيرة مقلبا أوراقه، وبهذا الأسلوب المتكرر صنع لشخصيته حضورا مدهشا، وهو ينعم النظر حول مكان الشاهدة، التي أضيفت إلى أطلس الراحلين، وكأنه يرنو إلى اليوم الذي تثبت فيه شاهدة قبره هو، وتلك حكمة أزلية لما يزل الإنسان يتعظ بها خوفا من رهبة الموت، وحضور المصير إلا مع قلة من الناكرين؛ ممن يبتعدون عمدا عن فكرة الغياب الأزلية، تلك التي استوقفت كلكامش يوما فآمن بها، على الرغم من تعنته.
تلمح القصة إلى أن الرجل (يبدا بالكتابة بأناة وروية، وكأنه خبر لقطة معينة يحاول أن يدون تفاصيلها) إلى أن تغيب الشمس، تاركا الآخرين يؤولون فعلته الغريبة، وهم يفتعلون الكذبة ليصدقوا محتواها، من دون أن يتبادر إلى ذهنهم أن الرجل مهووس بالموسيقى، وقد قاده هوسه لأن يستمد موسيقاه من شواهد القبور، ولاسيما الشواهد الجديدة التي يجدد من خلال محتواها موسيقاه الراكزة في القلب.

إذا كانت الموسيقى في عُرف المدينة الدينية التي تشمل المقبرة بالعناية والحضور الدائم، بوصفها فعلا ذميما في ظل مكان له صورته الخاصة، فإنها في عُرف الرجل شيءٌ آخر تجلى في الرهبة الجميلة التي يصنعها النغم في قلوب الغارقين بالعفة، والمتصفين بالرفعة، من الأثر الذي يتركه العزف في الأسماع والقلوب، أليست الموسيقى أم الفنون، عابرة الأجناس المختلفة، والحدود، والجغرافيات المتباينة؟ لعل الرجلَ بذلك العزف أراد التأكيدَ على طبيعة الحياة الغريبة التي يعيشها، وهو يتنفس العود حدة في العزف، وخفوتا في ما بعد، وانطفاءً، وسكوتا تاما عند سفور الصباح، فبتلك الثنائية الممثلة في حضور النغم، وغيابه فَتحتِ القصةُ سلسلة التلقي المبني على قراءة البنية العميقة للقصة، المؤسسة على فرضية أن لكل غياب حضورا يمكن الكشف عن مدلوله الضدي، الذي يتيح للمتلقي إدراك الضد الآخر، وهما يشكلان بنية دالة تكمن في عمق النص غير المرئي بل المسموع جهارا.
حضر(سباهي) الساكن في المقبرة نفسها سردَ القصة، بوصفه صاحب مهنة مزدوجة؛ فهو دليل المقبرة، وحافظ معجم أسماء موتاها، وحفار قبورها الذي توارث المهنة عن جده، فضلا عن أنه ملقن الموتى الشهادتين، أي تذكير الميت بالدين الذي أقر به في حياته، بهدف تثبيته عند القول الحق، وإرشاده للمرة الأخيرة إلى الطريق القويم، وهو يغادر دار الفناء إلى دار البقاء.

رأى لسان العرب في سبه: ذاهب العقل، هرم، ورجل مسبوه، ومسبه، وسباه: مدله ذاهب العقل، وهو ما نراه في (سباهي العظم) الذي فضل أن يعيش وحيدا في المقبرة، مسؤولا عن عمليات دفن الموتى نهارا، والسهر معهم ليلا من دون أن تكون له صلة بالحياة التي تقع خارج المقبرة، وكأن اسم والده (العظم) جاء متوافقا مع ما يتمخض عن مصير ما بعد دفن الموتى من وجود العظام، وهو الحائز حسب القصة على توديع من اختصهم الموت بعناية غريبة، دون أن يهمل أحدا، أو يتقاعس عن ذلك، فكان عمله ممثلا في إحضار الميت إيذانا بتغييبه التام.
كانت حياة (سباهي) في المقبرة مزيجا من الحضور الدائم لفعالية حياته المقترنة بغياب الآخرين المنتمين إلى مجتمع الراحلين، بل إن المقبرة بما تملك من أسرار، وخوف، وخشية دائمة عرضة لحضور كثير، وغيابات أكثر: تحضر الجثة لتغيب بعد سويعة من الزمن، ويحضر المشيعون ليغيبوا بعد ذلك، وتحضر في المقبرة أعمالٌ مذمومةٌ، ودت القصة التذكير بها مثل: قطع الملابس البالية التي لا تتجاوز راحة الكف محفوفة بخصلات من الشعر، أو أشياء تعود إلى أناس اختصوا بالقدر السيئ ليسهم (سباهي) بإفسادها؛ أي تغييبها بطريقة تعود على إتقانها بالتبول، أو الحرق، في إشارة دقيقة إلى عناية بعض الناس بالسحر، الذي يوضع عادة بين قبرين لأخوين يتجاوران في سكن المقبرة الدائم.

تحضر في المقبرة نوايا من يستتر بالظلمة ليؤدي فاحشة ارتضى بها لنفسه، فهي غوايته الماثلة في عقله، وقلبه، وقد رغب في ممارستها في مكان يعتقد ببعده عن العيون الراصدة، ليكون (سباهي) لها بالمرصاد، وهو الطارد دائما للأرواح الشريرة المصاحبة لقسم من النسوة، اللواتي يتماهين بلعبة البيضة والحجر! ذات ليلة شاهد (سباهي) رجلا تسلل إلى المقبرة في مناسبة سابقة، وهو يستقر عند شاهدة قبر دونما هلع بحوزته صندوق من خشب مصمم بشكل غريب، كان بوجه منبسط، وظهر أحدب منفوخ ممتدة منه ساق قصيرة نسبيا عليها خطوط متجاورة معقودة بإحكام يداعب خيوطها، فيخرج الصوت صافيا معتدا بوحدته مع شعلة خجلة من الضياء، لعل جهل (سباهي) بآلة العود هو الذي جعله يتعمد الوصف السابق لشكله الذي جلب عنايته الخاصة.
لقد أقلق الرجلُ بحضوره السابق (سباهي) الذي بدا متساهلا مع وجوده قلم يمسك به في الحال، غابت شهامته في تلك اللحظة؛ ربما لأنه لم يودع شيئا في المقبرة كما يفعل السحرةُ، وربما هناك شيء ما منعه من ذلك ممثلا في خوف أصابه في تلك اللحظة، حتى اختفى الرجل من المكان بغياب مرئي ليدع (سباهي) في دوامة الأسئلة المؤدية إلى متاهة مخيفة، ظهر ثانية في ليلة ظلماء، دنا سباهي منه فكان حوارا طويلا بينهما مؤداه أن صاحب (العود) يؤبن الموتى، ويهيم في طقس المقبرة حبا، وهو حسب قوله من حفّز سباهي لأن يكون مستدعيا لحظة اليقين التي تزاولها نفسه، وما بين الليل والموتى – كما يقول- حكاية يفقهها من زاول الصمت في لعبة الحياة الصاخبة، فهو حسب قوله ممن لعن الفجيعة بالموسيقى، وهو يدون الأحداث بالنغم في مهمة أراد من خلالها رسم صورة للموت بأدوات صائتة جميلة تتخلى عن الندب، وتوديع الموتى بالبكاء ليكون التوديع بتقليدهم الورد، والموسيقى بوصفهم ممن ارتحل إلى مكان آخر دون أن تغيب أرواحهم.

إن الحوار الذي جرى بين سباهي وصاحب العود أدى إلى تغير مهم في حياة سباهي فبدأ يرش شواهد القبور بأصناف من الورد، وتأمل حياته المقبلة وهو يفتح قنوات ماء تجري بين القبور فيما أعداد الموتى بازدياد مطرد، لتصبح المقبرة الموحشة مكانا مكتنزا بالحياة، وقد غادرت حالة الانغلاق التي عاشتها زمنا لتدخل حالة الانفتاح التام مع الحياة، لحضور الرجل صاحب العود مرة أخرى مع اتساع المقبرة، وتفاقم الأسئلة المحيرة في ذهن (سباهي) ليبدأ الرجل العزف على عوده علانية، وفي ذهنه سؤال الوجود المحير: أيهما نحن على هذه الأرض؟ تنزاح عيناه نحو شجرة السدر؛ تلك التي يعتقد الناس بقدسيتها، وهي تحتضن أسماء المتنزهين رغما عنهم.
وبعدُ: فإن «متنزه الغائبين) قصة حاولت بقوة سردها أن تسلط الضوء على محنة الشخصية الرئيسية فيها (سباهي) الاسم العراقي الذي ينتمي إلى جنوب الوطن موطن سومر وأكد، وهو يعيش حياة بنمط خاص في مقبرة المدينة التي تتسع في كل يوم كناية عن كثرة الموتى، وانفلات الحياة، وازدياد أعداد البشر بكثرة الحروب، والمشكلات الخاصة، وليس له في النهاية إلا أن يكون قريبا من جمال الحياة مختلفا عن سابق عهده.
لم يكن (سباهي) رهين فلسفة الموت، وتحولاته – بين البشر المهمومين بالأمراض الخبيثة، والدائمة، والجوائح المصنعة في مختبرات الموت البطيء- لوحده في فضاء السرد والمقبرة، فقد ساق السرد شخصية الرجل العواد مجهول الاسم كناية عن دخول اسمه المطلق جميع الأسماء، ليكون حالة فريدة أرادت أن تغير الأحوال الساكنة إلى أحوال أخرى، فتماهت كلها في سلسلة متراصة من السرد الرافض للموت المجاني، واعاقة الحياة، والتعلق بالموسيقى بوصفها دواء نفسيا لعلل المجتمع المتسعة معلنا تفاقم الأزمات بين حضورها المكثف، وغياب السبل الراصدة لوفرة الموت.

أكاديمي وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية