لندن ـ «القدس العربي»: بينما يتمادى الأصلع الكاتالوني بيب غوارديولا في طغيانه وعنفوانه في مهد حضارة كرة القدم، بإذلال خصوم مانشستر سيتي، كرويا في أول جولتين في حملة الدفاع عن لقب البريميرليغ للموسم الثالث على التوالي والخامس في آخر ستة مواسم، هناك على مسافة تبعد نصف ساعة بسيارة ألمانية حديثة، يتجرع آينشتاين المدربين، يورغن كلوب وفريقه ليفربول، من مرارة نزيف النقاط، وفي رواية أخرى «آفة كل موسم» التي تتحول إلى كابوس، لا يستيقظ منه الجميع في الجزء الأحمر لمدينة نهر الميرسيسايد، إلا في الأمتار الأخيرة، بالحسرة والندم على ضياع اللقب بفارق نقطة يتيمة عن البطل شبه الدائم في السنوات الماضية.
فراغ إستراتيجي
بصرف النظر عن البداية المبشرة لفريق كلوب، والحديث عن انتصاره المعنوي على المنافس المباشر غوارديولا بثلاثية مقابل هدف في مبارة الدرع الخيرية، كان أصغر مشجع للنادي قبل خبراء التحكيم، على دراية كاملة، أن المدرب وجهازه المعاون مقبلين على تحديات لا يُستهان بها، أكثرها أهمية وحساسية، العثور على الخطة أو الإستراتيجية الأنسب، لتعويض تأثير خروج أسد التيرانغا ساديو ماني، وظهرت مؤشرات المخاوف، بالنسخة المريبة التي بدا عليها الوافد الجديد داروين نونييز في الجولة الآسيوية الاستعدادية لحملة 2022-2023 كمهاجم مزاجي ومتذبذب المستوى، أحيانا يمطر شباك المنافسين بسوبر هاتريك، وأحيانا أخرى يتفنن في إهدار فرص بالكاد لا يُهدرها مشجع إيفرتون، الذي سجل من علامة الجزاء في ودية دينامو كييف، لدوره في إمداد اللاجئين الأوكرانيين بعد الغزو الروسي، وسرعان ما تحولت المخاوف إلى حقائق ملموسة، بانكشاف الفوارق الهائلة بين ديناميكية وحدة الهجوم الأحمر هذا الموسم، وبين الحالة التي كان عليها في حقبة محمد صلاح وساديو ماني وثالثهما روبرتو فيرمينو، ولعل من شاهد مباراتي فولهام وكريستال بالاس، لاحظ معاناة أبو صلاح في مركزه الجديد، بتوظيفه في مركز يبدو ظاهريا كجناح أيمن، لكن على أرض الملعب، يقوم بدور اللاعب المحوري وصانع الألعاب، المطالب بوضع الكرة على طبق من فضة أمام نونييز داخل مربع العمليات.
وهذا في حد ذاته، زاد الطين بلة في الهجوم، منها حرم الفريق من مصدر قوته الرئيسية، بالاعتماد على سرعة صلاح وأسلوبه في المراوغة غير المتوقع في حواراته المباشرة مع المدافعين في مكانه المفضلة جهة اليسار، ووجهه وتركيزه على المرمى، وليس كما يفعل في الطريقة الجديدة المفصلة للصفقة الباهظة، باستلام الكرة وظهره للمرمى، لخلق مساحة وفراغات لنونييز بين المدافعين، ربما فكرة كلوب، تكمن في الاستفادة من موهبة المو الجديدة، بتقديم الهدايا لزملائه، لكونه أفضل صانع ألعاب في البريميرليغ الموسم الفائت، لكن بمراجعة بسيطة لجُل تمريراته الحاسمة، سنجد أنها لحظات عبقرية من قائد الفراعنة، وفي مركزه المفضل كجناح أيمن، وأحيانا كمهاجم (9) وهمي، بالتناوب مع شريك الأمس ماني أو فيرمينو، وقبل أي شيء، كانت تحركات زملائه بدون كرة وتوظيفه الصحيح، الذي يتيح له فرصة رؤية الملعب بوجهه، مع حالة التناغم والتفاهم بُحكم العشرة والصداقة لسنوات، هي ما تصنع حالة «الفوضى الخلاقة» التي كانت بمثابة كلمة السر في وحشية هجوم ليفربول في السنوات الماضية، أما الآن، فكل المؤشرات، تُظهر حاجة اللاعبين لمزيد من الوقت من أجل التمرس على الأسلوب الجديد، بعد سنوات من النجاح بدون اللعب بمهاجم رقم 9 صريح.
سذاجة وعراقيل
عكس تضارب الجماهير والنقاد، حول تأثير نونييز على هجوم ليفربول، وقدرته على تعويض ماني من عدمه، حدث آخر ما توقعه أكثر المتفائلين من عشاق النادي، بوقوع المهاجم الجديد في المحظور، في ظهوره الأول أمام الجماهير في «الآنفيلد» والحديث عن لحظة خروجه عن النص، في احتكاكه مع مدافع النسور اللندنية يواكيم أندرسن، الذي كلفه الحصول على البطاقة الحمراء في بداية الشوط الثاني، والأسوأ من ذلك، كان الفريق متأخرا بهدف نظيف، ولولا لحظة إبداع الكولومبي لويس دياز، ومجهوده الفردي بالتخلص من ثلاثة مدافعين على مشارف منطقة الجزاء، الذي كلله بتسديدة من زمن العمالقة سكنت الشباك، لخروج الريدز من المباراة بلا نقاط، ولو أنه في كل الأحوال، هذا لا يمنع، أن الفريق بصم فعليا على أسوأ بداية منذ عقد من الزمان، بالاكتفاء بجمع نقطتين فقط في أول مباراتين، وبإلقاء نظرة سريعة على أسباب هذه البداية التعيسة، سنجد أن تتلخص في غياب عنصر الإبداع في الحلقة الفارغة بين الوسط والهجوم، ولا يُخفى على عشاق النادي، أن الفريق كان يعوض نقص عملة لاعب الوسط الفنان، القادر على ربط الوسط بالهجوم، بالاعتماد على الأسلحة الفتاكة في الثلث الأخير من الملعب، متمثلة في الذعر الكروي الذي يصدره صلاح للمدافعين بسرعته وخفة حركته في البقعة السحرية على حدود منطقة الجزاء في الجانب الأيمن، بجانب الاستفادة من قوة ساديو ماني، وقدرته على الاحتفاظ بالكرة أطول وقت ممكن بين خطوط المنافسين، ذاك الدور، الذي برز فيه بشدة في النصف الثاني من الموسم الماضي، وبسببه أضاف الشراسة التي ساهمت في قتال الفريق على كل البطولات حتى اللحظات الأخيرة، بما في ذلك مقارعة السيتي على لقب البريميرليغ حتى صافرة نهاية الحملة، وخوض نهائي دوري أبطال أوروبا، وكان ذلك بعد التتويج بثنائية كأس الرابطة والاتحاد الإنكليزي.
أما الآن، بالأحرى بعد أول جولتين في الموسم الجديد، فلا شك أبدا، أن الأمور لم تسر كما يريد يورغن كلوب، بسبب الخلل الكبير في الهجوم، الذي يلقي بظلاله على ما حدث مع توماس توخيل الموسم الماضي، حين أراد تعزيز هجومه بضم روميلو لوكاكو، لكن في الأخير، اكتشف أنه ورط نفسه في صفقة أضرت كثيرا بالمشروع في الموسم التالي لإنجاز التتويج بدوري الأبطال، والمفارقة العجيبة، أن توخيل توج بالكأس ذات الأذنين بأسلوبه المفضل، الذي يعتمد في الأساس على ثلاثي هجومي مرن، مثل أستاذه كلوب، الذي سطر إنجازاته في «الآنفيلد» بنفس الفكرة، بعيدا عن إستراتيجية اللعب برأس حربة صريح، هذا ولم نتحدث عن عودة صداع الموسم قبل الماضي، بتراجع مستوى الخط الخلفي، بحالة من الهبوط الجماعي في مستوى المدافعين، بمن فيهم القائد فيرجيل فان دايك، البعيد تماما عن النسخة، التي رسمها لنفسه على مدار سنوات، كواحد من أفضل ثلاثة مدافعين على هذا الكوكب، ومثله الظهير الأيمن أرنولد، الذي كان الحلقة الأضعف في الفريق في مباراة عطلة نهاية الأسبوع الماضي، كما وضح في الغارات التي شنها الإيفواري لويس زاها على مرمى الحارس أليسون بكير، منهم واحدة كانت كفيلة بقتل المباراة إكلينيكيا، لولا غياب التوفيق عن لاعب مانشستر يونايتد السابق، ناهيك عن غياب العمق في التشكيلة الأساسية، والمنافسة الخجولة على المراكز الأضعف في الفريق، خاصة في وسط الملعب، الذي يحتاج دماء جديدة قبل غلق الميركاتو، بجانب التفاوت الكبير بين مستوى العناصر الأساسية والبدلاء، مقارنة بالمنافس المباشر مانشستر سيتي، الذي يملك على الأقل لاعبين بنفس المستوى في كل المراكز، باستثناء مركز الظهير الأيسر، بعد التخلي عن زينتشينكو والتأخر في حسم صفقة كوكوريلا قبل تشيلسي.
الساحرة الشريرة
يبقى كل ما سبق في كفة، وما أشار إليه المدرب كلوب في حديثه مع الصحافيين بعد سهرة الإثنين الماضي في كفة، بمعاناته مع لعنة الانتكاسات التي ضربت اللاعبين في غضون أيام، وقال عنها نصا «لم أعرف أسبوعا مثل هذا، كان الأمر كما لو أن لدينا ساحرة في المبنى، بصراحة.. كان ينسحب الواحد تلو الآخر من التدريبات لأسباب مجنونة» وفي حقيقة الأمر، هي ورطة وأزمة كبيرة، وقد تفاقمت أكثر بعد العقوبة الرادعة في حق نونييز، بإيقافه لمدة 3 مباريات، ستبدأ من كلاسيكو الغد أمام مانشستر يونايتد، ثم بمباراتي بورنموث ونيوكاسل في الجولتين الرابعة والخامسة، ورغم أننا ما زلنا في بداية الموسم، إلا أن هذه المباريات، ستكون فارقة في أهداف وطموحات في المنافسة على اللقب، وذلك بطبيعة الحال، ليس لصعوبة هذه المباريات، بل للظروف الصعبة التي يمر بها الفريق في الوقت الراهن، بفقدان أكثر من 5 أو 6 لاعبين أساسيين، البعض منهم لن يعود قبل بداية شهر الخريف، أو على أقل تقدير مع بداية الشهر الجديد، في مقدمتهم الزجاجي تياغو ألكانتارا، الذي عاد سريعا إلى نقطة الصفر، بتعرضه لإصابة جديدة أثناء مشاركته في المباراة الافتتاحية أمام فولهام، وعلى إثرها لن يكون متاحا بشكل مبدئي في المباريات الثلاث القادمة، استكمالا لمشكلته شبه الدائمة منذ قدومه من بايرن ميونخ العام قبل الماضي، وهي إدمان الإصابات، لدرجة أنها تسببت في غيابه عن 14 مباراة مستحقة على مستوى البريميرليغ في موسمه الأول، و13 مباراة في نفس الدوري في موسمه الثاني، والآن بالكاد يواجه نفس المصير مع بداية الحملة، ومؤخرا انضم المدافع الكاميروني جويل ماتيب، لمستشفى المصابين، بعد شعوره بانزعاج على مستوى الفخذ، في مشاركته في التمارين الجماعية للمباراة الأخيرة، ووفقا للمدرب، فإن غياب صاحب الـ31 عاما لن يقتصر على مباراة كريستال بالاس، بل سيمتد لأسبوعين أو ثلاثة آخرين، وهذا ما قد يجبر المدرب على الاعتماد على فيليبس بجانب فان دايك في قمة الغد، تحسبا لتجدد الزجاحي الإنكليزي جو غوميز بعد مشاركته الأسبوع الماضي، قبل أن يكتمل شفائه بنسبة 100% وكان ذلك، لحل معضلة النقص العددي الحاد في مركز قلب الدفاع، بعد الضربة الموجعة في الجولة التحضيرية، بتعرض الفرنسي إبراهيم كوناتي لإصابة سيئة، من المفترض أن تعيقه عن اللعب حتى منتصف أيلول/سبتمبر المقبل، وفي نفس الوقت، تجعل كلوب لا يملك سوى الصلاة من أجل سلامة ثنائي الدفاع المتاح حتى إشعار آخر فان دايك وجو غوميز، وإلا سيواجه مصير الموسم قبل الماضي، الذي عانى فيه الريدز الأمرين، جراء حمى إصابة المدافعين، التي أثرت على نتائج وأداء الفريق، لدرجة أنه تأهل إلى دوري أبطال أوروبا بمعجزة من السماء في الأسابيع الأخيرة.
تشمل قائمة ضحايا ساحرة ليفربول الشريرة، المهاجم البرتغالي ديوغو جوتا، هو الآخر، لم يسلم من آفته في تجربته بالقميص الأحمر، بتعرضه لإصابة جديدة، وهذه المرة، ليست في مباراة تنافسية، بل في أول تدريب في الجولة الآسيوية الصيفية، بعد تعافيه لتوه من إصابة على مستوى أوتار الركبة، ألمت به على هامش تواجده في معسكر منتخب بلاده حزيران/يونيو الماضي، فيما كانت أول ضربة لخطط كلوب في استعداداته للموسم الجديد، لأهمية اليافع العشريني في أسلوب يورغن، كأقرب بديل واقعي لسد فجوة ساديو ماني، بالاستفادة من ذكائه الفطري في التحرك بين الخطوط، وموهبته في استغلال أنصاف الفرص أمام المرمى، عكس نونييز، الذي يعاني من ضغوط رسوم نقله الباهظة إلى «الآنفيلد» بجانب حاجته لمزيد من الوقت للتكيف على أجواء الفريق والكرة الإنكليزي المختلفة عن بيئته السابقة في الدوري البرتغالي، وهذا يفسر، تأثر الهجوم بغياب المشاغب البرتغالي في أول مباراتين، كيف لا والحديث عن الهداف الثالث خلف صلاح وماني، بفارق هدف وحيد عن أسد التيرانغا على مستوى البريميرليغ، ولنا أن نتخيل، أن هذا الوضع لن يتغير في المباريات الثلاث المقبلة، الاستثناء الوحيد، أو البشرى الواحدة المنتظرة، هي عودة البرازيلي روبرتو فيرمينو بداية من قمة الغد، حال أثبتت الفحوصات أنه تعافى بنسبة 100% من إصابته، ونفس الأمر ينطبق على لاعب الوسط كورتس جونز، المحتمل عودته الأسبوع المقبل، بعد استجابته الجيدة للإصابة التي ألمت به بعد مشاركته كبديل في ليلة الفوز على السيتي بثلاثية مقابل هدف في مباراة الدرع الخيرية، أما غير ذلك، ستبقى أزمة الإصابات والغيابات المؤثرة حتى نهاية آب/اغسطس الجاري، دون استبعاد الأسوأ، مع اعتماد المدرب على قائمة محدودة من اللاعبين في فترة قصيرة، والسؤال هنا، هل سينجو كلوب وفريقه من فخ الساحرة الشريرة في بداية الموسم؟ أم ستزداد سهام النقد اللاذع مع استمرار نزيف النقاط في المباريات المتبقية في فصل الصيف؟ في كل الأحوال، أظهرت بداية الفريق أنه بحاجة لتدعيم سريع لتحسين جودة خط الوسط، وإلا ستكون العواقب وخيمة بعد المعايير التي وضعها كلوب لليفربول في السنوات الأخيرة، كفريق لا يقبل إلا بالفوز، فهل تتوقع عزيزي مشجع النادي أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح في أقرب فرصة ممكنة؟ أم سيتسع الفارق أكثر من المان سيتي؟ أم سيتكرر سيناريو الموسم الماضي ونسخة 2018-2019 ويندم الفريق على ضياع اللقب بفارق نقطة واحدة أو مباراة كانت في المتناول؟ دعونا ننتظر ماذا يخبئ القدر لكلوب وفريقه.