عندما حاولت لأول مرة فهم الهوية ومسألة تعددها لم أجد مثالاً أبسط من الحفرة التي سقطت بها أليس في الفصل الأول من كتاب «أليس في بلاد العجائب» للإنكليزي لويس كارول، تسقط أليس في الحفرة، وبعد سقوطها تشعر بأنها لم تعد هي ذاتها.. وتطرح سؤالها الذي بدا لي غريباً للوهلة الأولى.. «ترى من أخذ مكاني في الأعلى»؟ وبدلاً من الصعود تقرر الانتظار، إلى أن يبحث أحدهم عنها ليناديها باسمها، وعندئذ سوف تسأله: «من أنا؟ أخبرني أولًا، ومن ثم إذا أحببت من أكون فسوف أصعد».
حفرة أليس هذه أعادتني بخوف نحو سؤالي الشخصي حول الهوية، من أنا؟ ولو كانت الإجابة جاهزة هل ستظهر لي حفرة خاصة على هيئة مشكلة صغيرة أو معلومة جديدة، لتأخذني بذلك نحو متاهات البحث والانتظار، وتدفعني للوقوف بجدية واحترام أمام كل سؤال كي لا أخسر نفسي.
لا شعورياً بدأت أرى حفرة أليس هذه في جواز سفري، وفي عناوين الكتب التي أقرأها، واللهجة التي أستخدمها وتلك التي كان من الممكن أن أتحدث بها، وصرت أخاف السقوط الدائم. لأن شعور أليس وهي تفكر بمن أخذ مكانها في الأعلى، يعني تجردها من اسمها وشكلها وذاكرتها، ولربما لو وصلتنا الحكاية وهي مصورة لاختلفت طريقة أليس في الكلام قبل وبعد هذا السقوط.. لتعود وتطرح سؤالها الذي هو سؤالنا نحن جميعنا: «من أنا؟».
فنحن وبدراية واضحة تعيدنا كل يوم نحو ذاتنا التي تركناها قبل النوم، نستعد في كل صباح لمواجهة العالم، والمواجهة التي اكتشفتها بعد قصة الحفرة الغريبة ليست مواجهة بين ندّين، بقدر ما هي محاولة للبحث عن إثبات أنك أنت من هو أنت، أو عكس ذلك. لربما يظن البعض أنه لا يخوض مثل هذا النوع من الحروب، وأنه ينام ويستيقظ بدون أن يبحث أو يثبت أو ينكر فكرة من يكون، أو لمن ينتمي. وهذا ما كانت تظنه أليس قبل سقوطها في حفرتها، التي أعادتها نحو البداية، والتي لا أعلم لماذا أشعر بحتمية وجودها وضرورة سقوطنا فيها ولو لمرة واحدة.. الضرورة تأتي من جملة أليس «أخبرني أولاً من أنا؟». ماذا لو لم تحب أليس فكرة من تكون، هل سوف تبقى في الحفرة إلى الأبد؟ هذا مستحيل! بالتأكيد سوف تضطر لإعادة تأليف نفسها من جديد، ليس فقط لكي تحب نفسها، بل لتخبرنا نقطة مهمة جداً وهي أن إدراكك لمن أنت يؤثر على إدراك العالم من حولك، وبالتالي تحدد علاقتك بالأشخاص الذين تقابلهم.. فكثيراً ما نقابل أشخاصاً يبدون نسخاً لأشخاص آخرين يقلدونهم بدراية منهم، لعجزهم عن تأليف أنفسهم، قصتهم، حياتهم.. فاختاروا الخروج من هذه الحفرة من خلال تقليد هويات أشخاص آخرين.
من الممكن أن تكون أليس أداة لتبسيط الفكرة، لكن أعظم مثال يمكن طرحه لفكرة الهوية وتعددها وإثباتها وإنكارها هو شخصية آدم دنون، لأن آدم ولد في حفرة أليس.
أما آدم دنون بطل رواية (أولاد الغيتو) في الجزء الأول و(نجمة البحر) في الجزء الثاني للكاتب إلياس خوري، الذي ولد في غيتو اللد في فلسطين، والذي اكتشف عندما كبر أنه يجب أن يعيد تأليف نفسه من جديد، كان يحاول إخفاء هويته الفلسطينية، وبدل اسمه من دنون إلى دانون لكي تبدو كنية يهودية، استطاع في جامعته في حيفا إخفاء هويته أمام «ياكوب» دكتور مادة الأدب العبري وكسب صداقته، انصهر السر بالصداقة وامتد حتى السفر وزيارة وارسو ومعسكر أوشفيتز، ومشيا معاً في الغيتو الذي وضع فيه اليهود ومتحف الصمت والموت.. إلى أن انتهت الرحلة، واكتشف أمره أمام ياكوب الذي كان صديقاً قبل هذا الاكتشاف، طلبه الدكتور إلى مكتبه، وانتفض في وجهه لأنه أخفى كونه عربياً من اللد رافضاً فكرة وجود غيتو في اللد.
لربما الحوار الذي حدث حول هوية كل واحد منهما يعيدنا نحو بداية القصة، فآدم كان مدركاً لهويته، وكيفية تأثيرها عليه وعلى من حوله، ولكنه كان يريد مساحة من النسيان لمسح هذا الإدراك وإعادة تأليفه، ولكن مشكلة عدم الإدراك تأتي من الدكتور الجامعي، الذي لم يدرك حقيقة الهوية الإسرائيلية بشكل كامل، فهو لا يريد أن يعترف بهوية غيتو اللد، وفكرة وجود الضحايا، وبالتالي عدم إدراكه لحقيقة هويته اليهودية دفعه لعدم قدرته على تحديد علاقته مع طالبه آدم.. ليكتشف آدم أنه مخطئ، ليس لأنه كذب فهو لم يكذب، بل قال إنه من الغيتو، ولكنه حاول طمس الهوية بهوية أخرى ليبدأ من جديد..
في جميع الحوارات والصفحات التي جمعت آدم والدكتور ياكوب يكون إدراكنا لكل واحد منهما شخصياً فردانياً، على الرغم من حديثهما عن التاريخ والمذابح والقتل، ولكن حوار الاعتراف وظهور حقيقة آدم، يقودنا لإدراك هوية جمعية وليست فردية، وهذا يعيدنا لفكرة أن اليهودية ليست مسألة شخصية في إدراك العالم، بل هي مسألة جماعية لكي يبقى في مواراة وادعاءات بالانتماء إلى الهولوكوست وإلى المذابح والمحارق، وهذه قصة طويلة في طريقة ترسيخ إسرائيل لنفسها وهويتها في وعي العالم… من الممكن أن تكون أليس أداة لتبسيط الفكرة، لكن أعظم مثال يمكن طرحه لفكرة الهوية وتعددها وإثباتها وإنكارها هو شخصية آدم دنون، لأن آدم ولد في حفرة أليس، هو لم يسقط فعليـــاً، بل ولد في السقوط، وهذه الولادة هي التي أسست لكل الأسئلة التي تم طرحها، فلم يكن أمام آدم مساحة ليجيب أو ليسأل، فقد وجد نفسه فجأة بين أكثر من سؤال وجواب.. حتى محاولة آدم في إعادة تأليف نفسه وهويته عن طريــــق سد فراغات الذاكرة بالحكايات أعطت الهوية الفلسطينية شكلاً جديداً يتبلور في الفلسطيني الأخرس، الذي يحكي لكن كلامه لا يأتي مثل باقي الكلام، بل يولد مثل الصمت.. صمت الفلسطيني حكاية مؤلفة من سد ثقوب الذاكرة..
سؤال من أنا؟ أو أنت؟ أو نحن؟
لا ينتظر إجابة، وحتى لو ظهرت الإجابة فهي غير مقنعة أبداً.. فنحن الوجوه التي في المرآة، والاسم والجنسية، ما نحب وما نكره، ما نسمع ونرى، ما نختاره ونرفضه، نحنُ نظرة الآخرين لنا، وكلماتنا وهي تتوانى في تحديد ثقافتنا، جسد الطفولة والشيخوخة، شفافية التصرفات، وزوايا الزمان والمكان.. وكل ذلك وعكسه…
وإثبات الهوية وإنكارها لا يكون إلا إمتداداً لجميع الوجوه التي نرتديها في حياتنا، التي يسعدنــــا مهارة ارتدائها ومدى حقيقتها وكيف التصقت بنا حتى اللحم والعظام، نصير مزيجاً من التحولات، لندرك أن الهوية صفة لا تحصى، وبحاجة لإعادة التأليـــف الدائم طالما هي تظهر وتذوب في أعين الآخرين، إلى أن تنطق كلمة أنا لتتجلى الصورة الكاملة أمامك.
٭ كاتب فلسطيني