منذ سنوات يصرف الصديق محمد شعير، الكاتب والصحافي والمؤرخ الأدبي المصري، الكثير من الوقت والجهد في كتابة ما يسمّيه سيرة نجيب محفوظ (1911 ــ 2006)؛ أو، بالأحرى، تلك الحكايات الخافية التي كمنت وراء كتابة عدد من أعمال الراحل المفصلية، إذا جاز القول. كتاب شعير الأخير، «أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرّمة»، دار العين للنشر، جزء أوّل ــ كما يعدنا شعير ــ من ثلاثية ينتظر المرء أن تسفر عمّا هو أبعد، وأعمق وأشدّ إشكالية، من سيرة حياة تقليدية خاض فيها كتّاب آخرون. كذلك فإنّ الحكاية السعيدة الأحدث عهداً ضمن تنقيب شعير عن مخطوطات محفوظ انتهت، كما بات معروفاً، إلى العثور على قصص قصيرة غير منشورة؛ أصدرتها دار الساقي تحت عنوان «همس النجوم»، وأعلنت أنّ روجر ألن يعكف الآن على ترجمتها إلى الإنكليزية.
والحال أنّ حكاية «اولاد حارتنا» تنطوي على جوانب مثيرة في ذاتها، كوقائع غير مألوفة على صعيد التأليف والنشر وحفظ المسودات والمخطوطات؛ وذات دلالات بالغة الأهمية، على صعد سياسية ــ ثقافية تعكس مناخات مصر أواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات. ذلك أنّ محفوظ بدأ ينشر الرواية مسلسلة في يومية «الأهرام»، سنة 1959، حين كانت في عهدة محمد حسنين هيكل، الذي حوّلها إلى صرح ناصري مكين ينافس، في السياسة والإعلام والثقافة، ما كان الصرح الناصري الآخر، «الاتحاد الاشتراكي»، يتعثر فيه ويقصّر. ولم يكن غريباً، استطراداً، أن يتواصل تسلسل «أولاد حارتنا» رغم الضجة التي أحدثتها في أوساط سياسية واستخباراتية ودينية، دفعت الرئيس المصري جمال عبد الناصر، شخصياً كما تردد، إلى الإيعاز بحظر طباعتها في مصر؛ وصارت، بذلك، عمل محفوظ الوحيد الذي مُنع نشره في بلده، وصدر عن دار الآداب، في بيروت، سنة 1967.
الجانب الآخر المثير في الحكاية أنّ طبعة بيروت استندت على نصوص الرواية كما نُشرت مسلسلة في «الأهرام»، لأنّ محفوظ نفسه لم يكن قد احتفظ بمخطوط الرواية كما كتبه، وضاعت الأصول بين أرشيف التحرير والمطابع في «الأهرام». وكان هذا بعض أمل شعير في العثور على مخطوطة الرواية داخل أوراق الصندوق الذي وضعته إبنة الراحل تحت تصرّفه؛ وفيه عثر على القصص غير المنشورة. وبهذا المعنى، وربما على نقيض ما قيل ونُسب إلى هيكل نفسه، قد تكون «أولاد حارتنا» رواية ناقصة خضعت لرقابة مزدوجة: متعمدة، من «الأهرام» أولاً؛ وغير متعمدة، أغلب الظنّ، من دار الآداب، التي نقلت عن «الأهرام». وبهذا المعنى، أيضاً، قد تكون نسخة الرواية الأدقّ هي تلك التي صدرت بالإنكليزية، سنة 1981، في ترجمة فيليب ستوارت التي حملت عنوان «أبناء الجبلاوي»؛ لأنّ الأخير تداول مع محفوظ أثناء عملية الترجمة، وقد يكون عدّل هنا أو هناك بتوصية من الروائي الراحل.
حديث محفوظ يحيلني إلى ملفّ آخر، هو أنّ أحد كبار نقّاد الرواية في القرن العشرين ــ إدوارد سعيد (1935 ـ 2003) ــ رحل عن عالمنا دوا أن تُتاح له، في حدود ما أعلم، فرصة قراءة واحد من من أهمّ أعمال محفوظ؛ وأقصد «ملحمة الحرافيش» التي صدرت طبعتها الأولى سنة 1977، وأحسبها تحفة الراحل في أطوار ما بعد «الثلاثية»، 1956 ــ 1957 و«أولاد حارتنا»؛ وما قبل «رحلة ابن فطومة»، 1983، و«حديث الصباح والمساء»، 1987؛ بوصفها، في نظري، معالم أسلوبية بارزة في فنّ محفوظ الروائي الخصب والمتباين والتعدّدي.
أستعيد إذن، وبإيجاز يقتضيه المقام، خلاصة موقف سعيد من محفوظ: لقد رأى فيه غوستاف فلوبير العرب (وليس أونوريه دو بلزاك المدينة العربية، كما ذهب ويذهب الكثير من النقّاد في الغرب)، بسبب هذا الميدان الطبيعي الشاسع والواسع والفسيح لعوالمه الروائية، حيث المدينة ليست مشهداً مدنياً عمرانياً، فحسب؛ بل هي مراراً مجاز كوني، يحدث كذلك أنه واقعي طبيعيّ ومادّي للغاية في معظم طبقاته. لكنّ سعيد، في مقالته «ما بعد محفوظ»، 1988، وهي للأسف ــ وفي حدود ما أعلم، هنا أيضاً ــ المادّة اليتيمة المكرّسة جزئياً لمحفوظ؛ وضع الروائي الراحل في مصافّ كبار روائيي الغرب، من أمثال فيكتور هيغو، إميل زولا، تشارلز ديكنز، توماس مان، وجول رومان.
وهذه مقارنات أقامها سعيد على خلفيتين: الأولى لغوية ــ سوسيولوجية تخصّ المكانة الروحية الخاصة للغة العربية (بوصفها لغة القرآن الكريم) ولغة مقاومة الاستعمار والإمبريالية (كما في مثال الجزائر والمغرب العربي عموماً)؛ والثانية أدبية، ذات صلة بحقيقة أنّ الرواية شكل حديث العهد في الأدب العربي، وبالتالي فإنّ أعمال محفوظ قامت بما يشبه حرق المراحل في تطوير هذا النوع الكتابي. ومصر، في رأي سعيد، كانت الفيصل الحاسم في ترسيخ هذه السيرورة الثانية، لأنّ تاريخها كان تعددياً على نحو لا نظير له؛ ولأنّ المجتمع المدنيّ فيها لم يُسحق تماماً أو يضمحلّ، رغم كلّ ما عرفته من حروب وثورات واضطرابات اجتماعية وسياسية ودينية عارمة.
ولعلّ مؤشر استقبال القارئ لقصص «همس النجـــوم» سوف يقدّم معطيات أوضح حول المآلات الراهنة لمجازات محفوظ الكونية، بعد عقد ونيف على رحيله.