مجتمعات الصورة والحداثة البدائية

حجم الخط
2

مهما يكن موقفنا من ظاهرة هيمنة الصورة على ثقافتنا المحلية والعالمية، لم يعد بالإمكان التغاضي عن التأثير الكبير الذي أصبحت تتمتع به في إعادة بناء وتشكيل عالمنا المعاصر.
وبدلاً من الموقف السلبي المتشكك والرافض لثقافة الصورة، على أساس دعاوى السطحية والابتذال والخلو من المضمون وغياب الأصالة، يتحتم علينا التعامل معها كحضور فعلي له دلالاته ورمزيته الخاصة وزخمه الحياتي المعيش. لايمكن اختصار الموقف من ثقافة الصورة في ثنائية انفعالية ومتطرفة تقوم على الرفض والقبول، فقد انتجت الصورة واقعاً يتسم بالتعقيد والكثافة، واقعاً متعدد الأبعاد، يتطلب مقاربة نقدية تتسم بالانفتاح والمرونة هي أيضاً. لثقافة الصورة نقاط قوتها الإيجابية، والتي تتيح للمتفاعلين إعادة حقن نمط الثقافة العليا بالحيوية والحركة والحرارة والانفعالات العفوية لليومي والعابر والجماعي، ولها نقاط ضعفها التي تتيح لقوى معينة استغلالها وتوظيفها لتحقيق الربحية أو الهيمنة على حساب الجماهير. غير أنه لم يعد من المقبول استخدام مصطلح السطحية والإبتذال لوصف ثقافة الصورة وبعدها الجماهيري الواسع. لأن مثل ذلك الاستخدام يكشف عن نزعة عقلية متمركزة تفترض للثقافة قالباً محدداً صارماً وعوالم مترفعة عن التجربة اليومية المعاشة والحس الإنساني العفوي الذي تتشارك به وتتفاعل من خلاله قطاعات واسعة من الجماهير.
تزايد عدد الأفراد الذين يقضون ساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون أو مع ألعاب الفيديو الحديثة أو في صالات السينما أو أمام شاشات الإنترنت، وتحول عالم الصور والخيال إلى واقع أكثر حقيقة وحضورا من الواقع الفعلي المعاش. بل وتحولت الصورة إلى معيار لما هو حقيقي وواقعي وليس العكس. فبالنسبة للكثيرين، لا يعد الحدث حقيقيا ما لم يظهر في الأخبار صوراً على الشاشات الضوئية. وأصبح الشخص الذي يجلس لمشاهدة مباراة لكرة القدم معرضاً لفقرات إعلانية متنوعة وشريط إخباري يتحرك في أسفل الشاشة يتحدث عن انفجارات وكوارث وجرائم ونشرات جوية. وهكذا تتدفق المعلومات والصور بطريقة يفقد معها المشاهد القدرة على تحديد استجابته لتلك المعلومات المتنوعة والمتباينة. وتتساوى في إدراكه وشعوره صور التسلية والترفيه وصور الكوارث والموت المجاني الجماعي للعديد من البشر وصور الإعلانات الترويجية للمنتجات والبضائع المختلفة.
يعرف المفكر والباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي مجتمع الفرجة على أنه «مجتمع يعاش فيه الشيء مبتعداً عن ذاته مفوضاً بديله وصورة عنه. إنه المجتمع الذي يستبدل فيه العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد «فوقه»، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع. وقد ارتبط مصطلح مجتمع الفرجة بدراسات الفيلسوف الايطالي المعاصر جورجيو أغامبين Agamben والذي ذهب إلى أن الفرجة هي لحظة انفصال الصورة عن الواقع وتحولها إلى واقع حقيقي معاش. الفرجة إذن هي تلك الحركة الدؤوبة التي تطبع المجتمعات المعاصرة والتي تستعمل وسائل متنوعة من دعاية وإشهار كي «تجعل مرئياً ذلك العالم الذي لم يعد يمكن الإمساك به مباشرة»»(1). لم تعد الصورة تتحرى الدقة في مطابقة الواقع، بل أصبح الواقع هو الذي يسعى ليتوافق مع الصورة. ما تتداوله وسائل الإعلام المرئي ودور السينما وشاشات الإنترنت والألعاب الألكترونية من صور ورموز تتعلق بأنماط معيشة إفتراضية للفرد في عوالم إفتراضية ضمن مجتمعات متخيلة، أخذ يمارس، وبصورة متزايدة، ضغطاً كبيراً على الواقع الفعلي للفرد. وأصبح هذا الفرد يجتهد، موظفاً جميع قدراته المادية والنفسية، ليتقمص هيئة الصورة التي أنبهر بها ووقع تحت تأثيرها. تسربت الصورة إلى صميم العلاقات الإجتماعية وتحولت من الهامش إلى المركز. كما نجحت في تغيير شروط العملية الاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة لتصبح صناعة ضخمة وعمليات انتاجية واسعة. «الفرجة بالضبط هي اللحظة التي تحقق فيها السلعة «احتلالها الكلي للحياة الاجتماعية». معنى ذلك أن العلاقة بالسلعة لا تصبح «مرئية» فحسب، بل إن المرء لا يعود باستطاعته أن يرى سواها.
يؤكد الفيلسوف الفرنسي البارز ميشيل مافيزولي في كتابه (تأمل العالم) سيطرة الصورة على تفاصيل حياتنا المعاصرة بشكل كامل. ويرى بأن مختلف تمظهرات الصورة والمتخيل والرمزي ولعبة المظاهر قد أصبحت جمعيها تحتل مكانة مركزية في كل المجالات(2). لكنه لا يتخذ موقفاً ناقداً ولا متشككاً من حقيقة طغيان الصورة والمتخيل على مختلف مظاهر الحياة في المجتمعات المعاصرة. فهو يدافع عن مفهوم الصورة في المجتمعات الغربية، ويعتقد بأن هذا المفهوم قد تعرض للتشويه كثيراً. فالصورة ظلت في التقليد الغربي كياناً مشبوهاً، على حد قوله، وأعتبرت المخيلة التي تحتوي على كل عناصر الفتنة. «غير أنها- وتبعاً لتحولات قيمية غريبة- أصبحت «واصلة»، فهي تربطني بالعالم المحيط بي وتربطني بالآخرين الذين يعيشون من حولي. ويمكننا التمثيل لها بصيغة من صيغها هي الشيء. فبعيداً عن التنديد أو الاستنكار الأخلاقي سأحاول أن أبين أن الشيء لا يعزل، وإنما بالمقابل يعتبر وسيلة التوحد مع المجموعة communion. فكما هو حال الطوطم لدى القبائل البدائية فهو يصلح كمركز جاذبية للقبائل ما بعد الحداثية. بهذا المعنى، فإن الصورة وما أسميه «الشيء التصويري» تتعارض مع العقلانية أو مع المثال البعيد الذين حظيا بمكانة مرموقة خلال فترة الحداثة بكاملها»(3).
تتحول الصورة عند مافيزولي إلى ما يشبه (الطوطم) وتوظف بوصفها مركز جذب جماعي واستقطاب يعمل على تحقيق الربط والتواصل بين الأفراد داخل المجتمع الواحد. وبذلك تتجاوز الصورة، حسب مفهومه، المواقف الفكرية التقليدية الرافضة لها والمنددة بها، على اعتبار أنها مرتبطة بكل مظاهر الانحلال الثقافي والتفكك المجتمعي وتغييب الواقع واللعب العشوائي. وبقلب المفاهيم تصبح الصورة مركزاً يستقطب حوله الترابط المجتمعي، ويخرج الفرد من عزلته التي فرضتها عليه النزعة الفردانية البرجوازية، ليشعر من جديد بتلك العاطفه الجياشية التي كان يتمتع بها إنسان ما قبل الفترة الصناعية. ومن الجدير بالملاحظة أن مافيزولي يستخدم مصطلح (قبائل ما بعد الحداثة) و(الطوطم)، ويضع تلك الحالة الحضارية باعتبارها القيمة العليا التي تم التضحية بها في سبيل عقلانية أداتية خلقت لنا مجتمع التقنية والسيطرة. وتلك نبرة ترددت من قبل عند كل من نيتشه وهايدغر، مثلما رددها فلاسفة النظرية النقدية الاجتماعية مثل هوركهايمر وأدورنو وماركوزه وهابرماس. غير أن منطلقات مافيزولي تختلف من حيث تجاوزها للمستوى التنظيري والمنطق الاستدلالي إلى مقاربة اليومي والمبتذل والجماهيري وممارسات الثقافة الشعبية بوصفها الحقل الحقيقي للدراسات الثقافية.
يشدد مافيزولي على أن هناك فجوة كبيرة بين النشاط التنظيري للفلاسفة وعلماء الاجتماع والواقع الحيوي اليومي للجماهير. ويوضح في كتابه (تأمل العالم) أن هناك مجموعة من المظاهر الحياتية والممارسات الثقافية والاجتماعية تسود في لحظات تأريخية معينة لتشكل بالمحصلة الإطار العام والذي من خلاله يعبر العصر به عن نفسه. ويسمي ذلك الإطار العام (بالأسلوب)، ويقصد به أسلوب الحياة في مجتمع معين ضمن لحظة تأريخية محددة. إن الأسلوب هو الذي يحدد ملامح النموذج الثقافي لعصر معين. وقد كان أسلوب الحياة في المجتمعات القديمة يعتمد على التلاحم الكبير بين الفرد والجماعة، إلى الحد الذي لم يكن من الممكن التعريف بالفرد أو الإعتراف بوجوده إلا من خلال الجماعة. كانت الجماعة أكبر بكثير من مجرد مجموع الأفراد الذين ينتمون لها، إنها كيان جمعي متعال يتكون منهم بالمحصلة ولكنه يتجاوزهم إلى مستويات أعلى وأوسع. ويشرح مافيزولي كيف أن ولادة النزعة الفردانية، والتي ارتبطت بصعود البرجوازية الغربية وهيمنة نمط الاقتصاد الرأسمالي، قد أدت إلى كسر الروابط الوجودية الحيوية ما بين الفرد والجماعة، وقذفت بالفرد في فراغ من الوحدة والاغتراب انعكست آثاره على مختلف أوجه الممارسات الثقافية. فقد غابت أشكال التضامن الاجتماعي والعواطف المشتركة والاحاسيس المعيشة بشكل جماعي. وهكذا حدثت تلك الفجوة بين ما تعيشه الجماهير وما يفكر به علم الاجتماع والفلسفة. لم يعد المفكرون والفلاسفة يلتفتون إلى الحاضر والواقع المعيش، بل أخذوا يتطلعون إلى المستقبل بوصفه إمكانية التحقق الفعلية لمجموعة من الأفكار التي تقترب من مفهوم اليوتوبيا.
تمخضت تلك التغيرات الشاملة، التي طرأت على أسلوب الحياة خلال فترة ما يعرف بالحداثة، إلى فجوة نفسية هائلة على مستوى الأفراد، مما دفعهم إلى البحث عن رموز في الثقافة الشعبية تحقق لهم حالة التماهي والتلاحم الجمعي التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة. ويشير إلى ظاهرة الهيجانات الشعبية في المناسبات الرياضية والموسيقية والاحتفالية التي أصبحت تضبط إيقاع الحياة الإجتماعية المعاصرة، وظاهرة التجمعات الاستهلاكية والجماعات التي تأتلف حول فكرة الموضة واستهلاك نفس المنتج أو السلعة المصنعة من قبل شركة معينة، ونوادي القراءة والهوايات المختلفة الأخرى. فهناك استعادة جماعية محمومة لكل ما يتعلق بالجمعي واليومي والشعبي والمبتذل والمتخيل والترفيهي، خصوصاً بعد الإفلاس المريع للقضايا الآيديولوجية الشمولية وانهيار جميع أشكال السرديات الكبرى.
تحتل الصورة مكانة مركزية في معظم الطقوس والشعائر التي تسود أسلوب الحياة المعاصرة في المجتمعات البشرية قاطبة. حيث «لا يمكننا أن نحجم عن الإشارة إلى أي مدى يوضح تعدد الصور وحضورها الكلي في اليومي هذه الأطروحة. فالصورة مستهلكة بشكل جماعي هنا والآن. إنها تصلح كعامل للجمع والربط، وتمكن من إدراك العالم لا من تمثيله، وحتى إذا نحن استطعنا استقطابها من وجهة سياسية فإن لها بالأخص وظيفة أساطيرية، بحيث أنها تغذي اللغز، أي أنها توحد فيما بين العارفين بطبيعتها»(4). لم تعد وظيفة الصورة عند مافيزولي، محاكاة الواقع الخارجي ولا تمثيله، مثلما كان ينظر إليها سابقاً، بل إنها أضحت وسيلة مهمة للإدراك ونشر ثقافة جماهيرية واسعة تتخطى محددات الهوية والطبقة والعرق، وتحقق التماهي والشعور بالانتماء بين أفراد المجتمعات المعاصرة.
لقد تكرر الربط بين الصورة التي تضيء مختلف أنواع الشاشات، التي أصبحت تحيط بالإنسان المعاصر وتخلق له عالمه، والطوطم أو الأيقونة الدينية في كتابات أكثر من فيلسوف وناقد ثقافي معاصر. وهذه حقيقة لها دلالة على قدر كبير من الأهمية في تعزيز الشعور بالحضور الطاغي للصورة في حياتنا المعاصرة، والدور الحاسم الذي تمارسه على إدراكاتنا الحسية والجمالية ووعينا الجمعي بالواقع. نجد المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه في كتابه (حياة الصورة وموتها) يعيد إلى الأذهان نفس المفهوم في الربط بين الصورة والصنم أو الأيقونة الدينية المسيحية المقدسة، «إن الفيديو اللامادي ينشط فضائل الصنم «العتيق»، فالصورة التي لا تملك مؤلفاً ومرجعاً معيناً تأخذ مباشرة صفة الصنم، ونأخذ معها نحن صفة الوثنيين الراغبين في عبادتها مباشرة هي، عوض الإيمان من خلالها بالواقع الذي تعينه، تحيل الأيقونة المسيحية بشكل خارق إلى الكيان الذي تصدر عنه، فيما أن الصورة الفنية تمثله بشكل اصطناعي، أما الصورة بالمباشر فإنها تمنح نفسها على أنها، وبشكل طبيعي، ذلك الكيان. وبعد مفهوم التقدم الرجعي والعولمة التجزيئية علينا الآن القبول بمفارقة أخرى: المجتمع الإلكتروني باعتباره مجتمعاً بدائياً»(5).
وفي مقابل الموقف المتحمس والمرحب بحقيقة هيمنة الصورة الكلية الذي يبديه مافيزولي، نجد عند دوبريه نبرة ساخرة وانتقادية مبطنة. فرغم أن كل منهما يستخدم نفس المصطلحات في الحديث عن الصورة والثقافة المعاصرة، إلا أن المسافة بين الموقفين شاسعة. ويعود ذلك إلى الإختلاف في المرجعيات المعرفية والتصورات المسبقة والتحيزات التي يصدران عنها. يتحدث مافيزولي عن الصورة الطوطم على مستوى الوظيفة، وقدرتها على استعادة الحميمية والعاطفة المشتركة في القبائل الما بعد حداثية، بينما يؤكد دوبريه على تحرر الصورة من مرجعيتها الواقعية وتحولها إلى علامة مغلقة لا تحيل إلا إلى ذاتها، والأثر السلبي لذلك على وعينا وثقافتنا في مجتمعات وصفهاعلى أنها «إلكترونية بدائية». فهو يشير إلى أن «حلزونية الصور تجعلنا نمر من النقط نفسها لكن ليس من نفس المستوى الأنطولوجي. فقد كانت رؤية الأيقونة، بالنسبة للمصلي، تضفي نبرة تأليهية عليها، وما كانت تسعى إلى التشبه به لم يكن ينتمي إلى هذه الدنيا، أما رؤية صورنا الحالية فإنها لا تفتح المرء سوى على الدنيا، هذا العالم الذي تحرم الأيقونة على نفسها تصويره»(6). وبدلاً من الاستقطاب والتمركز، تعمل الصورة عند دوبريه على تسطيح الواقع وتفريغه من المعنى، وتجعله عرضياً وزائلاً وزائفاً. ولكننا لا نستطيع الفكاك من تأثيرها السحري علينا. وعند كل من مافيزولي ودوبريه هناك استعاده لزمن بدائي قبائلي من حيث أسلوب الحياة المعاشة على المستوى الجماهيري. لكن دوبريه يدين تلك الاستعادة للنزعات البدائية في عصر الثورة التكنولوجية، ويرى بأنها من نتائج العولمة للرأسمالية المتأخرة، بينما يصر مافيزولي على البعد الإيجابي لزمن القبائل الما بعد حداثية. حيث أن لذلك الزمن القدرة على تحرير الفرد من الاستلاب والاغتراب الذي هيمن على الحياة المجتمعية في حقبة الحداثة الصناعية، واستعادة حس جمالي جمعي يمنح الإنسان المعاصر القدرة على الاستمتاع العفوي بمباهج الحياة الحسية من خلال انتشار ثقافة اللهو واللعب والتسلية.
أن النزعة الوضعية التي يصدر عنها مافيزولي تسقط في التبسيط المفرط والتغاضي عن التساؤل حول طبيعة تلك القوى الدافعة لحركية ذلك الواقع المباشر، والتي تتحكم إلى حد ما في تشكيله وتوجيهه نحو اتخاذ شكل حياتي متعين دون آخر. لا نستطيع الاختلاف مع المقدمات التي ينطلق منها مافيزولي في دراساته الثقافية، لأنها تتخذ طابع وصفي بحت، ولكن يبدو من الصعب الاتفاق حول النتائج التي يتوصل إليها. فغالبية المفكرين والنقاد الثقافيين يبدون متفقين حول هيمنة الصورة على مفردات الحياة المعاصرة، والأثر الكبير لتلك الهيمنة على الثقافة الجمعية والأدراك الفردي، ولكنهم يختلفون حول تأويل تلك الظاهرة وتحديد أبعادها. وإن كان كل من بودريار ورورتي ومافيزولي، على سبيل المثال، ينطلقون من منطلقات وضعية منطقية وليبرالية في تأويلاتهم لتلك الظاهرة، فأن نقاد ومفكري ما يعرف باليسار الجديد في الفكر الغربي المعاصر يميلون نحو الكشف عن القوى الخفية والناعمة التي تعمل على توظيف واقع هيمنة الصورة وتفشي نزعات الترفيه والاستهلاك والتسطيح والابتذال في تفاصيل اليومي والمعيش في المجتمعات المعاصرة. فهناك مؤسسات رأسمالية ضخمة وعابرة للثقافات أصبحت تكرس هذا الواقع وتعمل على محاولة احتواء واستيعاب أي نزعات ثقافية مضادة، أو حتى محاربتها وقمعها. فتحييد قيم الأصالة والعمق وتعويم الصور والرموز يتيح لها حرية واسعة في تحويل كل مكونات الثقافات العالمية والمحلية إلى سلع يتم تعليبها وإعادة توزيعها لتحقيق عائدات وأرباح خيالية.
تمكنت الصورة، وما رافقها من تأويلات فلسفية وثقافية، من انتاج سردياتها الخاصة، والتي نجحت في فرض هيمنتها وقلب التراتبيات في النموذج الثقافي الجديد. لقد شكلت ثقافة الصورة بمجملها ما يمكن أن يطلق عليه «سرديات مضادة» كانت من القوة والتماسك إلى حد أنها استعاضت عن الواقع بكثافتها التأويلية ومنطقها المضاد القائم على استراتيجات القلب والتفكيك والتجميع العشوائي العابر للحقول والتخصصات المعرفية. إنها سرديات المحاكاة والتشبيه المتحررة من سلطة الدال والمرجع الواقعي والأصل.
المراجع:
عبد السلام بنعبد العالي: «ميثولوجيا الواقع»، دار توبقال المغرب، الطبعة الأولى 1999، ص9.
ميشيل مافيزولي: “تأمل العالم”، ترجمة فريد الزاهي، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2005، ص29.
المصدر نفسه، ص30.
المصدر نفسه، ص46.
ريجيس دوبري: «حياة الصورة وموتها»، ترجمة فريد زاهي، أفريقيا الشرق، ص242.
المصدر نفسه، ص242.

د. معن الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية