مجد كيّال وفرج سليمان نجحا في بناء تشاركي أساسه الواقعية والارتباط الوثيق بالمكان

زهرة مرعي
حجم الخط
0

تجربة فنية مختلفة في «أحلى من برلين»

بيروت-»القدس العربي»: «أحلى من برلين» سي دي غنائي من توقيع الفنان فرج سليمان والشاعر مجد كيال، يجمع عدداً من الأغنيات التي تقع في خانة الآداء المُعبّر عن حالة خاصة. أغنيات تروي بتفاصيلها حال فلسطين وأهلها، مرصودة بعين محترفة. شاعر مُبدع في تظهير مشاهداته الملموسة والمتخيلة، ببساطة وقوة وتدوينها على الورق. يبدو الشاعر شغوفاً بحيّه وناسه ومدينته حيفا. يتشوق لها وهو فيها.
مجد كيّال الشاعر يسرد في الأغنيات التي كتبها وضعاً اجتماعياً وإنسانياً وعاطفياً. السياسة والوطن المحتل ليسا بمنأى، بل حاضران بقوة وبسردية مختلف. مع كيال يلتقي فرج سليمان عازف البيانو المعروف والملحن والمؤدي الرئيسي في السي دي. ألّف ألحاناً جميلة تناغمت مع طريقته في الغناء، وساهمت بتظهير درامي مضاف لما حمله النص. موسيقى مجد الهادئة حيناً والمتصاعدة أحياناً وصوته جعلا من قصيدة «في أسئلة براسي» وكأنها حكاية تروى بتشويق متصاعد. «في أسئلة براسي» باتت سيرة متكاملة نتعرّف من خلالها إلى حيفا الناس والمكان والجيران والنميمة والسوق والغرام غير المباح، وسوى ذلك. ويمكن الجزم بأن القصائد الـ11 تظّهرت فنياً وموسيقياً بالروح والنكهة التي تخيلها كاتب الكلام. إنها تجربة فنية تقع في خانة الغناء السردي أو الحكائي، ومن شأنها أن تنقل المتلقي إلى مساحة تخيل للمكان وناسه دون قصد منه.
«أحلى من برلين» اختبار جديد في الكلمة واللحن، شكّل توصيفاً بليغاً للعلاقة بالمكان والإحساس بالغربة عنه والشوق له، رغم الإلتصاق به والعيش في حضنه.
مع فرج سليمان ومجد كيّال هذا الحوار:
○ »شوي بتوجع برلين حلوة وملانة ناس بس بشتاق لأم صبري وبشتقلك إنت بالأساس». كيف حال أم صبري باتت مشهورة كما برلين؟
• مجد: «منيحة أم صبري بس من كتير وقت ما شُفتاش والله». والسبب صراحة أني منحاز للشورما أكثر من المناقيش، وفي كافة الأوقات حتى الصباحية.
○ مبروك الأصداء الجميلة على السي دي. لنتعرّف أولاً كيف ولد كفكرة؟
• مجد: كان لفرج قبل سنتين ألبوم بعنوان «البيت الثاني» جمع كلماته من الأصدقاء، وكان لي من بينها أغنيتين. عندها غمرني الفرح لأني وجدت قيمة جديدة تُضاف للقصيدة لدى تحول الكلمات إلى أغنية. وهذا ما حفّزني لمزيد من الكتابة للأغنيات. كتبت أغنية وضعها فرج جانباً لإنشغالات أخرى أكثر إلحاحاً. بالتدريج تراكمت القصائد، ووجدنا بينها الكثير من الأمور المشتركة من أسئلة وهواجس وأفكار. وكذلك الشخصيات والإرتباط الوثيق بالمكان، والسؤال الملح عن جدوى التمسك بالمكان مقابل الهجرة. هكذا شعرنا معاً بوجود مشروع متكامل، ومن ثم أتت الظروف التي ساهمت بإنجاز تلك الأغنيات سريعاً ووضعها بمتناول المتلقين.
○ هل أنجزت كامل القصائد ووضعتها بين يدي فرج؟
• بل كنت أوافيه بكل قصيدة أفرغ من صياغتها، وكنا على مدار الوقت نتبادل الرأي. كنت أشعر أن الموسيقى أعادت توجيه الكلمات، وكنت أسأل نفسي كيف سأكتب كلمات لأغنية تُكمل الصورة التي أنتجتها الموسيقى.
○ بالأساس أنت مُعجب بالقالب الذي يؤدي فيه فرج الأغنية؟
• أحب الموسيقى التي يؤلفها فرج «مش عاطل».
○ وماذا عن صوته هل تحبه؟
• يضحك ويقول: أحب آداء فرج والتجربة التي يقوم بها من خلال صوته. بمعنى أني مُعجب بالتجربة المسرحية الموجودة في غنائه. فالأغنية معه لا تعتمد على الصوت كعنصر موسيقي جمالي، إنما كعنصر موسيقي درامي. برأي هذا مهم وجميل، وهو غير متكرر بكثرة في غنائنا العربي.
○ كيف تآلفت موسيقى الجاز مع «أم صبري» والحارة و»شوبدّك بجوزك» و»بلا طعمة» وغيرها؟
• فرج: عندما أبدأ العمل لا أخطط لنوعية الموسيقى التي أكتبها. بل تظهر صيغة الموسيقى التي أبحث عنها دون تفكير وذلك من خلال الموجود في ذاكرتي من تراكمات ومواد سمعية عبر سنوات عمري. لم أكن في قرار مسبق بأن الجاز سيطبع موسيقى الألبوم. الجاز موجود طبعاً وإلى جانبه الكثير من الموسيقى العربية والروك والكلاسيك، والموسيقى التصويرية والمسرح. إذاً أنجز العمل ويأتي حصيلة لمخزون سنوات العمر. في رأيي أن البيانو يسهّل رسم الصور المسرحية أو السينمائية التي نريدها. ولدى استعماله كآلة شغل يفتح آفاقاً مختلفة في الموسيقى. لم أفكر بأني «بيانيست أو دجازيست» في الموسيقى التي أكتبها «شي من كل شي».
○ هل من كلمات وجدت تلحينها صعباً بما أن الكاتب قدّم سرداً حكائياً؟
• فرج: بصراحة لا. ربما بداية وجدت إشكالية في بعض الكلمات كونها صعبة وغير مألوفة على الأذن كما «حباطراش. اخطبوط وغيرها». عملت على القصيدة جملة تلو أخرى وغنيتها لاحقاً بحرية ودون تعقيد. «أخطبوط» مثلاً وردت في أكثر الأغنيات هدوءاً وشاعرية وهي «تل السمك». الكلمة كانت منسجمة ومنسابة معها تماماً.
○ الأغنيات الـ11 نقلت لمن هو بعيد بانوراما واضحة نتخيلها ونحن نسمعها عن حيفا ويافا والناس. هل قصدت تقديم تلك الصورة للناس الممنوعين عن المكان؟
• مجد: لم أفكر لحظة باستعراض فلسطين لمن لا يعرفها. ولأن هذا التفكير لم يكن موجوداً جاءت الصور صادقة كأن أحدهم يُكلم نفسه بما يراه. لو فكرت بما نُريه لسائح يقصد حيفا ستكون رحلة مصطنعة، بخلاف مشاعري وأنا أجوب بلدي برفقة صديقي. عندها سندخل الزوايا الخاصة التي يستحيل أن يراها طارئ على البلد. إذاً ولأننا خارج تفكير وزارة السياحة جاءت الصور جميلة وصادقة. وأظن أن المتلقين تواصلوا مع مشاعر الصدق، وراح كل منهم يتخيل حارته في سوريا أو مصر أو فلسطين أو لبنان.
○ أوليس للإحساس حيال فلسطين له خصوصيته؟
• مجد: نعم ولا. بمعنى وجود إحساس مختلف حيال فلسطين برأي أننا لا ننظر إلى فلسطين بصدق. قام الناس خارج فلسطين بوضعها أسطورة أو أيقونة مركونة على الرف، بحيث تفقد ما هو إنساني وحقيقي وفكري فيها. كما تفقد إمكانية فهم تركيبها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
○ لبُّ السؤال أن تلك الأغنيات قدمت صورة كانت مفتقدة ومطلوبة عن فلسطين 48؟
• مجد: تمام. قصدت القول إن هذه المحاولة تنجح عندما نقوم بها بغير هدف استعراض فلسطين. عندما أضع هذا الهدف جانباً وأعمل من جانب حقيقتي كإنسان، ستصل الصورة الواقعية عن أي مكان.
○ هل كان مجد يتدخل بمرحلة التلحين؟
• فرج: أيهههه، حتى أتعبني.
○ وهل أعلنت التوبة؟
• يضحك قائلاً: أه طبعاً. عشنا الإحساس بأننا شريكين نعمل على المشروع نفسه. حتى وإن كان أحدنا مختصا بالكلمة والآخر باللحن، بالنهاية نحن معاً لدينا رأي بكل كبيرة وصغيرة في هذا المشروع. رأي تواصل تشاركياً إلى مرحلة تسويق السي دي. كل ما له صلة بـ»أحلى من برلين» بنيناه معاً من الصفر. وهذا سمح لنا بالتعاون التام ولم نكن حيال عمل تقليدي يُرسل فيه الكاتب كلامه للملحن ويخرج من المصورة. لمجد أفكاره المهمه على صعيد الموسيقى تصل لحدود اختيار طبقة الصوت في الأغنية. كان عملاً متبادلاً على مدار الوقت. حظنا جميل فقد كنت مقيماً في حيفا خلال، ونحن جيران.
○ وهل تمّ تسجيل العمل في فلسطين؟
• بل في باريس. هناك أعمل مع فرقة موسيقية تولّت المهمة، وسجلنا الصوت في حيفا، وأنجز الميكست والماستيرينغ في باريس.
○ »في اسئلة براسي» تشكل فيضاً من أسئلة قد تشغل بال مهاجر ونعرفك في البلاد. فماذا عنها؟
• مجد: لهذه الأغنية بنية سردية واضحة وتحمل مقومات القصة القصيرة، لجهة الشخصيات، وتطورها الدرامي، والانتقال من فصل لآخر. وفي الفصل نفسه يُفتح قوسان «انتِ نقلتِ مع صديقك سكنتو بالألمانية». في لحظة التقاط بناء القصة يبدأ رفدها بالمزيد وبحدود عدم المبالغة. بداية القصة هي بداياتنا كطبقة اجتماعية فقيرة. ولاحقاً تنتقل الصورة إلى طبقة اجتماعية مختلفة كلياً. إنها طبقة روّاد المقاهي ونقاشات السياسة الذين يستهويهم البار. وهذا ما أتاح مراكمة قصص صغيرة مُضافة إلى «في أسئلة براسي».
○ مطلع أغنية «رقصة السكران» بهيج جداً. هل كنت في مزاج عادي وأنت تكتب موسيقاه؟
• يضحك فرج ويقول: حاولنا في آداء الأغنية اظهار المؤدي وكأنه ليس كلي التوازن.
مجد: عندما أرسلت الأغنية إيميل في المرة الأولى لفرج كان عنوانها «مجد كيّال يُفرغ احباطاته». وضع فرج الموسيقى فبدت وكأن اضطراباً يسود العلاقة بين البيانو وباقي الآلات، وفعلاً تشبه من يسير مترنحاً من السكر. وهذا مثال قوي لقدرة الموسيقى في تغيير معنى الأغنية. ولم يكن في بالي أني أكتب عن أحدهم وكأنه سكران وفاشل في كل ما يقوم به. إذاً الموسيقى غيّرت المعنى من إنسان في منزله يسترجع فشله، إلى آخر مترنحاً في الشارع مغادراً البار مطلع الفجر وهو يصيح. إنه فعل التأثير الدرامي للموسيقى.
○ كيف لك في مجتمع شرقي أن تحرّض المرأة على زوجها وتكتب «شو بدك بجوزك» كأغنية؟
• مجد: طرحت الأسئلة وتركت لها الاختيار والاستنتاج. وعلى الأرجح أن المرأة لا تنتظر أغنية مني حتى تقرر ماذا تفعل.
○ عمل مشغول بعناية وموسيقى الأغنيات تُشعر المتلقي بالنقاء تآلفت مع كلام له طابع السخرية. هل هي نتيجة الشغف؟
• فرج: أولاً شكراً للإطراء. العمل بالنسبة لنا معاً شغل حياة ولا مكان للكسل. وهذا يعود لطبعنا معاً وتعاملنا مع العمل بجدية مطلقة. «أحلى من برلين» من المشاريع القليلة التي قدمناها في حياتنا بحافز الحب دون سواه. فما من مال وما من جهة انتاج أو تبني. عملنا براحتنا، دون إضطرار لأي قرار سريع قد لا يكون صحيح فنياً.
○ مفروض مع كامل هذه الجودة والحب في العمل أن تكون اتقنت طهي الأرز «وبطل يلبط «. هل حصل؟
• لم أتمكن من اتقان طهي الارز رغم معيار الكاسة بكاسة.
○ تكبدتما مصاريف جمّة لإنتاج «أحلى من برلين» بحلة جميلة؟ فما هي الحقوق المتوجبة لكما بعد نشره على يوتيوب؟
• فرج: ثمة دخل متواضع من خلال المنصات. وصلنا حقنا بمجرد أن الناس تسمع العمل وتحبه. بعد زمن كورونا ستكون لنا جولة عروض. حالياً نحن مكتفيان بالربح المعنوي والنفسي، فالنجاح ربح حقيقي.
○ ماذا عن غلاف السي دي؟
• فرج: هذا ما صوره ورد كيّال وأعجبنا كثيراً. إنه مشهد في شارع عبّاس في حيفا.
○ لماذا اعتقلت بعد اصدار السي دي؟
• مجد: إنها حملة اعتقالات «شغّالة» منذ سنة في البلد بدءاً من القدس إلى الضفة والداخل. عملياً هم يعتقلون شباب اليسار. الاعتقال لا يتوقف، وجاء دوري.
○ وهل هي المرّة الأولى؟
• مجد «شو أول مرّة»؟ لا «مقضيين معهم» والحمد لله.
○ هل سيحتكر فرج تلحين قصائدك؟ أم ترغبها بصوت آخرين؟
• فرج: أمس باح لي أنه يرغب بأن يغني جورج وسوف من كلماته.
مجد ممازحاً: كنت أرغب بحكيم مغنياً لأشعاري، فلم يوافق. فكان الحل مع فرج. في الحقيقة أكتب شعر الأغنية لأني أحب نتيجة العمل النهائية، ومتعة العمل مع فرج تحديداً.
○ لماذا اختيار عنوان «أحلى من برلين»؟
• فرج: كل منا يرى مدينته أحلى مكان في العالم. اخترنا برلين لأنها وجهة الهجرة للفلسطينيين في الداخل. فهو مكان صاخب، وشبابي، وعصري، كله ثقافة وفن والإنكليزية لغة متداولة هناك مما يسهّل خطوات التواصل الأولى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية